المتأمل في خارطة الباحثين عن عمل في مختلف الأقطار العربية يخرج بنتيجة مفادها أن الاستثمار في مجال التعليم العالي لم يعد ترفاً بل أصبح خياراً استراتيجياً حتى تتمكن بلادنا من استيعاب ثروتها البشرية، وتستفيد من جهودها في التقدم والبناء الاقتصادي، فليس معقولاً أن تلفظ المجتمعات كل عام مئات الآلاف من الشباب الذين ينضمون إلى سابقيهم في قوائم الباحثين عن عمل، ليس لشيء سوى أن مؤهلاتهم لا تواكب واقع التنمية وحركة الاقتصاد .

وبالتطبيق مثلاً على سلطنة عمان وبالنظر إلى خريطة المشاريع الكبيرة التي تنفذ في مختلف أرجاء البلاد من: مطارات، وموانئ، ومناطق صناعية، ومشروع السكة الحديد، نجد أن الأعداد آخذة في الازدياد لا محالة؛ الأمر الذي يعني مزيداً من فرص العمل الشاغرة، والتي ستذهب في معظمها للوافدين بلا منافسة من العُمانيين؛ لغياب الكفاءات والمهارات اللازمة . كما لا يُمكننا حل المشكلة بمشكلة أخرى تتمثل في ظاهرة البطالة المقنعة ضمن التوظيف الحكومي .

في حين نجد أن خريجي التخصصات النظرية في بلادنا (اللغة العربية- التاريخ- الفلسفة . . وغيرها) في تزايد مستمر بينما الخطط الاقتصادية المستقبلية تتجه نحو التنويع الاقتصادي وما يتطلبه ذلك من زيادة أعداد المتخصصين في الصناعات التحويلية واستخراج النفط والغاز والموانئ والنقل والطرق .

ويتضح الفرق الشاسع بين متطلبات سوق العمل الفعلية ومخرجات التعليم في المجال الطبي، فلدينا في السلطنة مستشفيات كبرى ومرجعية تحت الإنشاء، وأخرى قائمة، ويقابلها نقصٌ حاد في الأطباء العُمانيين . وجامعة واحدة غير كافية لتزويد المستشفيات بما تحتاجه من كوادر طبية؛ فنحن بحاجة إلى ألف طبيب عُماني كل عامٍ لنصل إلى تعمين الأطباء خلال عشر سنوات . فيما تخرج جامعة السلطان قابوس سنويا مئة طبيب كحد أقصى . وبالتالي نحن أمام مأزقٍ استراتيجي، ولا يمكننا أن نعمل على استقدام أطباء إلى ما لا نهاية، خاصة وأن الأسواق العالمية تُعاني نقصاً في التخصصات الطبية عموماً .

إذاً . . لابد أن نعمل فوراً على إنشاء جامعة طبية متخصصة، تكون قادرة على تلبية حاجات البلد من الأطباء كميّاً ونوعيّاً، بعد دراسة ومسح عن عدد الأطباء الذين نحتاجهم مستقبلاً .

وما ينطبق على الحاجة الماسة إلى الأطباء، ينطبق على المهندسين والمحاسبين والمحامين والقضاة، وغيرها من المهن التي تحتاجها أوطاننا .

إن الدول العربية- والخليجية بالأخص- مدعوة إلى استثمار جزء من فوائضها النفطية في مجال التعليم العالي لإنشاء عدد من الجامعات والكليات والمعاهد ذات التخصصات الدقيقة والمطلوبة وفق رؤية منهجية تستشرف آفاق المستقبل وتستقرئ متطلباته، وتعمل على تلبية تلك الاحتياجات، وهي بذلك تفسح لنفسها المجال مستقبلاً لتتبوأ مكانها الحقيقي بين الأمم التي اتخذت من دعم التعليم والانفاق على تطوير رأس المال البشري، طريقاً نحو رفاهية شعوبها وتوفير فرص عمل حقيقية ومستدامة لقطاع الشباب الذي يشكل في بلداننا السواد الأعظم من إجمالي عدد السكان .

إن الاستثمار في التعليم وإن كان مكلفاً بعض الشيء لكن عوائده الايجابية تنسحب ليس فقط على توفير فرص عمل بل على تدعيم الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتجنى الأمم من ورائه أرباحاً طائلة تستحق التضحية، فضلاً عن أنه يمثل أحد حقوق الأجيال الجديدة التي ربما تأتي إلى عالمنا العربي وهو خال من النفط، وساعتها سوف تجد من التعليم العالي المتخصص والتكنولوجيا الحديثة ما يؤهلها لأن تنافس غيرها من الأمم والشعوب من أجل مستقبل أفضل .

ومن هُنا؛ فإن علينا تحديد هدفنا الحضاري، ووسائل تحقيقه؛ وفي مقدمتها: التعليم النوعي المنضبط بمعايير الجودة، والقائم في تنفيذه على خطط الشراكة، والمواطنة، والرقابة والمحاسبة . . وهي ليست شعارات للاستهلاك السياسي، بل من صميم متطلبات البناء الذي يُؤهلنا للسباق الحضاري بين الأمم؛ لنأخذ مكاننا بين الدول التي عرفت طريقها إلى التقدم، وما نموذج النمور الآسيوية: (ماليزيا، وكوريا، وسنغافورة) ببعيد عن الأذهان .

* رئيس تحرير صحيفة الرؤية العمانية