منذ عقود، تربط دراسات كثيرة بين الصحة العامة والنفسية ومكان الإقامة وتنحاز كلها للعيش في الريف والطبيعة، وهو ما تؤكده دراسة حديثة . قائلة إن سكان المناطق الحضرية، هم الأكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسية مثل الاكتئاب والفصام، مقارنة بالذين يقيمون بصورة شبه دائمة في المناطق الريفية . وتوضح هذه الدراسة أن حياة المدن تؤدي إلى فرط في النشاط الحركي مما يصيب الفرد بالإجهاد المستمر الذي يؤثر بدوره في اللوزة والقشرة الحزامية الأمامية من المخ، وهذه هي المناطق الدماغية التي تلعب دوراً مهماً في توازننا عاطفياً . وكل ذلك سببه ضغوط الحياة في المدينة التي تسهم في تغيير وظائف أعضاء الجسم كلياً، وبالتالي تسرع من وتيرة خطر الاضطرابات العاطفية .

نظراً لتزايد معدلات الهجرة من الريف خلال العقود الأخيرة، تكدس أكثر من نصف سكان العالم في المدن وكثيرون منهم قطعوا علاقاتهم بجذورهم الريفية . ورجحت إحصاءات رسمية، أنه بحلول عام 2050 سيتضاعف الرقم إلى الثلثين جميعهم في المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص في الصين التي تغذي هذا الاتجاه، بضخ أكثر من 10 ملايين ساكن جديد كل عام . تاريخياً، أحدث التحضر المجتمعي تغييرات هائلة ولدت للعالم مسميات حديثة مثل عصر النهضة والثورة الصناعية والعولمة . هذا إيجابي، أما السلبي، فهو أن هجرة البشر الحضرية خلفت واحدةً من التحولات البيئية الأكثر دراماتيكية في تاريخ كوكب الأرض، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل: كيف لنا التكيف مع هذه الظاهرة؟

وتشير الدراسات التي أجريت مؤخراً إلى أن ذاكرة قاطني البيئات الحضرية يمكن أن تعاني قصوراً قد يؤثر سلباً في الانتباه، وهي الحقيقة التي تحدث عنها عدد كبير من علماء النفس وبرروا ذلك بأن الحياة في المدينة تفرض عبئاً عاطفياً كبيراً يفوق طاقة المتحضرين . وهؤلاء هم أكثر عرضة للمعاناة من أمراض نفسية متعددة مثل القلق والاكتئاب . ووفقا لبعض الباحثين، فإن الأطفال المولودين في مدن يواجهون هذا الخطر مرتين، إن لم يكن ثلاث مرات، بالمقارنة مع أقرانهم في المناطق الريفية والضواحي . وهذه الإحصاءات ليست مستغربة، ولكنها صعبة التفسير إذا نظرنا لها من زاوية آثارها النفسية، عدا ما يتعلق بالأمراض الوبائية التي توفر لنا إجابات أكثر وضوحا، لأن تفشي الأمراض في أي مجتمع، يضع مزيداً من الناس تحت خطر الاضطرابات العاطفية .

وكما جاء في سلسلة دارسات صادرة من معهد الصحة العقلية في مدينة مانهايم الألمانية، فإن الضغوط المجتمعية لها تأثير سلبي في صحة سكان المدن العقلية . وبحسب القائمين على أمر المعهد، فإن الدراسات التي تشارك في إعدادها عدد من طلاب الدراسات العليا، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الفهم الجيد لنتائجها المستمدة من علم أسباب الأمراض، يفضي إلى ابتكار آليات للتدخل وخلق مدن أكثر ملاءمة من الوضع الحالي .

وأثبتت دراسات أخرى كثيرة العلاقة بين الضغط الذهني الذي تسببه زحمة الحياة المدنية والأمراض العقلية، ففي عام ،2010 أجرى ستانلي زاميت وزملاء له في جامعة كارديف في ويلز البريطانية دراسة علمية على نحو 200 ألف مصاب بفصام الشخصية في السويد ووجدوا أن الحالات المتقدمة بينهم لأشخاص هاجروا من الريف إلى المدنية .

وفي عام ،2011 سجل باحثون النشاط العقلي ل 32 طالباً ألمانياً انتقلوا من الريف للدراسة في جامعات العاصمة برلين . وقدمت لهم مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى تركيز عقلي كبير، وعندما جمعت إجاباتهم، استطاع الباحثون تمييز الفرق بينهم وآخرين يقيمون في المدن بصورة دائمة منذ صغرهم . والتجربة لم تكشف فقط عن ارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم ومستوى هرمونات التوتر لدى المشاركين، بل أكدوا معاناتهم من الضغط النفسي والقلق أثناء الاختبار . وكما كان متوقعاً، فإن هذه التجربة المجهدة عملت على تنشيط مناطق كثيرة في الدماغ . والمدهش، اكتشاف الباحثين أن منطقة واحدة بعينها في الجسم هي التي تتلقى أكبر كمية من التركيز خلال الاختبار وهي منطقة اللوزة التي تقف سداً منيعاً للإجهاد بين القرويين وتبدي ردود فعل معتدلة بين سكان المدن الصغيرة، بينما تتجه إلى الحالة المرضية عند سكان المدن الكبيرة .

ووفقاً لدراسة نشرتها صحيفة الجارديان البريطانية، فإن أدمغة الناس الذين يعيشون في المدن تعمل بشكل مختلف عنها لدى سكان الريف . وفي الدراسة، وجد العلماء منطقتين في العقل مسؤولتين عن تنظيم العواطف والقلق، وأن النشاط فيهما مفرط عند سكان المدن بسبب الاختلافات في المشاكل التي تؤثر سلباً في الصحة العقلية في المناطق الحضرية .

وأظهرت الدراسة أن الناس الذين يعيشون في المدن لديهم 21% زيادة في خطر اضطرابات القلق و39% في خطر اضطرابات المزاج . إضافة إلى حالات الفصام لاسيما لدى أولئك الذين ولدوا وتربوا في المدن . ومن خلال الدراسة الجديدة، أجرى البروفيسور أندرياس ماير من جامعة هايدلبرغ في ألمانيا مسوحاً ضوئية لأدمغة أكثر من 50 متطوعاً كانوا يعيشون في مناطق ريفية واضطروا إلى الهجرة إلى المدن الكبيرة، بينما كانت تشارك في الاختبارات التي تتطلب تركيزاً ذهنياً، مجموعة أخرى من قاطني المدن .

وأظهرت النتائج، أن اللوزة في جميع المشاركين الذين يعيشون في المدن، تكون أكثر نشاطا خلال المواقف الصعبة، واللوزة هي أخطر أجهزة الاستشعار الموجودة في الدماغ لذلك ترتبط بالقلق والاكتئاب، كما يقول ليندنبيرج .

وأضاف هذا النشاط الزائد قد يكون في جذور المشاكل الصحية العقلية، والإجهاد قد يسبب هذه التشوهات الهيكلية والعقلية في المنطقة العقلية المعنية بالنشاط المحدد، كالتوتر والإجهاد الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في ردود الأفعال ثم الخطر المتمثل في أي مرض عقلي .