عندما تمرر إصبعك على شاشة هاتفك، ينتقل نبض كهربي منه إلى الهاتف لتضيء شاشته ويبدأ العمل، والسبب أن هناك مجموعة من الروابط الكيميائية تتكسر وتتشكل مرة ثانية، فكيف يحدث ذلك تفصيلاً؟ وما الذي يجعل بعض المواد تفقد مقاومتها الكهربية تحت درجات حرارة معينة لتصبح مواد جيدة التوصيل للحرارة والكهرباء؟ خاصة أنه إذا حدث ذلك في درجة حرارة الغرفة العادية، ستحدث ثورة لامثيل لها في عالمنا، إذ ستكون النتيجة اكتشاف طرق جديدة لتخزين الطاقة إلى الأبد من دون أية تكاليف .

يعكف الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة على ابتكار مادة جديدة لاتختلف في خواصها عن المواد العادية التي يشيع استخدامها في حياتنا اليومية، إلا أنها بالغة التعقيد والغموض، فجزيئاتها ليست لها مواقع محددة، ولا تدور في مسارات معينة وتتأثر بشدة بجزيئات المواد الأخرى التي قد تحيط بها .

مارتين زويرلين من قسم الفيزياء في المعهد، يقول إنهم يعلمون جيداً مكونات هذه المادة، ويحاول وفريقه الوصول مباشرة إلي جوهرها عن طريق تحرير الطاقة الكاملة باستخدام جهاز محاكاة الكوانتم، أو الكم (وهو جهاز يمكن العلماء من دراسة أنظمة الكم التي يصعب دراستها داخل المعمل، ويصعب تمثيلها في نماذج حاسوبية) .

عالم الفيزياء النظرية الأمريكي الراحل ريتشارد فاينمان، قال: إنه إذا أردت أن تصنع شيئاً يحاكي الطبيعة، فيفضل أن يكون ذلك في شكل كم ميكانيكي .

واجتهد العلماء بعد فاينمان بثلاثة عقود لتصميم حاسب يعمل طبقاً لقواعد فيزياء الكم، التي تنطبق على جميع جزيئات المادة، وذراتها، وإلكتروناتها، أياً كانت هذه المادة . وللتوصل إلى أسرار النظام الكمي المعقد، لايحتاج العلماء إلا لصنع محاكاة فيزيائية مرنة . وبحسب مجلة نيوساينتست، هناك عدة خيارات لعمل مثل هذه المحاكاة، منها فوتونات الضوء، أو الأيونات الحبيسة . ويرى العلماء أن أهم تجارب محاكاة الكم تلك التي أجريت على غاز ذري شديد البرودة، إذ استخدمت أشعة متقاطعة من الليزر لحبس ما يقرب من مليون ذرة باردة داخل فجوات متجاورة، ليبرد الليزر الذرات لتصل حرارتها إلى واحد من مليار درجة فوق الصفر المطلق، ما يؤهلها لتسلك بطريقة يمكن وصفها باستخدام قوانين ميكانيكا الكم، وهو أسلوب بارع بدأ العلماء في التفوق فيه .

إيان سبايلمان، من المعهد القومي للمعايير والتقنية في غايثرسبيرغ في ماريلاند، يقول: إنه بإمكان الكثيرين السيطرة على ذرات منفردة، فبعد استقرارها وسكونها، يمكن باستخدام مزيد من ومضات الضوء تغيير بيئتها وسلوكها .

كاي بونجز، مدير معمل محاكاة الكم في جامعة برمنغهام البريطانية، يقول: إنه باستخدام الليزر يمكن محاكاة سيناريوهات عدة كالتي تحدث في النجوم النيوترونية النجم النيوتروني هو بقايا نجم نتجت عن انهيار جاذبية نجم ضخم أثناء مراحل السوبرنوفا، ويتكون من نيوترونات لاتحوي شحنات كهربية، وتكبر كتلتها قليلاً عن البروتونات .

ونجح فريق زويرلين في فبراير/شباط ،2013 في إعادة إنتاج نجم بروتوني من ذرات غاز الليثيوم -6 شديدة البرودة، وهي ذرات تتبع نوعاً من الجزيئات يعرف باسم الفرميونات، التي تمنعها قوانين الكم من أن تقترب من بعضها بعضاً . وأظهرت المحاكاة الذرية كيف يمنع ذلك الذرات من التكثف في نقطة محددة، فأعاد العلماء إنتاج نموذج يحاكي توقف انهيار النجم النيوتروني عند كثافة معينة . وبحسب مجلة نيوساينتست، يستطيع العلماء محاكاة ذلك في المختبرات باستخدام كوارك غليون بلازما، (وهي مادة تكونت كميات هائلة منها بعيد الانفجار الكبير، ونشأ عنها الجزيئات المعروفة الآن، وتوجد في حالة نشطة . ونجحت تجارب أجريت في معمل بروكهافن الوطني في نيويورك، وفي مصادم الجزيئات في جنيف بسويسرا في إحداث تصادم عنيف بين أيونات الذرات الثقيلة مثل الرصاص، ما أدى إلى تفككها) . ويرمي فريق زويرلين إلى إعادة إنتاج مواد بنفس الخواص الفيزيائية، لكن باستخدام جزيئات أكثر انقياداً ومرونة تحت درجة حرارة منخفضة، وبتكلفة أقل . ونشر الفريق نتائج أبحاثه الأولية في ،2011 والتي وصفت بالمشجعة .

وقال الفريق إن القوى المغناطيسية تولد سحابتين تحوي كل منهما مئة ألف ذرة ليثيوم، وفي بداية التجربة تنافرت ثم بعد ذلك اندمجت بوتيرة بطيئة للغاية تشبه تلك التي توقعتها النماذج النظرية لكوارك غليون بلازما .

وذرات غاز الليثيوم- 6 التي استخدمها زويرلين في إنتاج نجم بروتوني ذات صفات تبشر بالخير، فدرجة الحرارة التي بدأت الذرات عندها العمل كموصلات جيدة تساوي تماماً 16 في المئة من درجة حرارة الفرميون الواحد، ما يعني أن أي مادة بنفس الخصائص يمكنها أن تكون موصلة جيدة في درجة حرارة الغرفة العادية، وهو جل ما يسعى إليه العلماء، بحسب العالم الألماني ويلهيلم زويرجيروف من كلية ميونيخ للتقنية في ألمانيا .

واتجه الباحثون إلى ابتكار مادة في المختبرات وقياس خصائصها، وقالوا إنه عند إنتاج مادة جيدة التوصيل من ذرات غاز شديد البرودة، تتسم ذراتها بخصائص تختلف باختلاف درجات الحرارة التي تتعرض لها .

بروفيسور كاي بونجز، عالم ذرات الفيزياء الباردة في جامعة برمنغهام يقول إن الذرات الباردة تتيح لنا الفرصة لاكتشاف أشياء لايمكننا التعرف إليها في الأحوال العادية، وعند التحدث عن ظاهرة لم يسبق لنا رصدها، مثل قابلية التوصيل الفائق في درجة حرارة الغرفة العادية، فلن نكون متأكدين مئة في المئة من كفاءة محاكي الكم إلى أن نتوصل بالفعل إلى مادة مماثلة، وإذا علمنا النتيجة فلن تكون هناك حاجة إلى محاكي كمّ، بيد أنه هناك إمكانيات كبيرة للبحث والتقصي .

أما عالم الفيزياء النظرية الأمريكي الراحل، فاينمان فأنهى حديثه عن محاكاة الكم قائلاً: إنها تمثل معضلة كبيرة ولا تبدو هينة، لكنها ليست مستحيلة .