على مدار أسبوعين تواصلت الأمطار، على أجزاء واسعة من بلدان الخليج العربي، فهطلت الأمطار في مشهد لم يسبق له مثيل منذ عشرات السنين على سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وأجزاء من دولة الإمارات العربية، فتحولت تلك البقاع التي تتميز بارتفاع درجات حرارتها في مثل هذا التوقيت من كل عام إلى ما يشبه أجواء أوروبا في فصل الربيع، وسالت الأودية، واحتجزت سدود التغذية الجوفية ملايين الأمتار المكعبة من المياه، وفي هذا الخير كله الذي يعم على بلادنا، فتتحول الصحاري القاحلة إلى جنات خضراء، ويتجدد المخزون الجوفي من المياه، فتنتعش الحياة الزراعية، وتسهم تلك الكميات الهائلة من المياه إن أحسن استغلالها- في تحقيق جزء من الأمن الغذائي والمائي لبلداننا .

لكن، ومن خلال متابعتي لهذا الحدث الاستثنائي، أيقنت أننا لا نزال نعيش في بلدان يفتقد مواطنوها لثقافة الأزمة إن جاز لنا أن نطلق على هذه الحالة مصطلح الأزمة خاصة وأن هناك ضحايا لقوا حتفهم جراء الأمطار سواء في المملكة العربية السعودية أو سلطنة عمان .

وباعتبار أن الأزمة ظرف استثنائي ينزل بالبشر أو بممتلكات البشر، فيصيبهم أو يصيبها بالهلاك أو بالعطب، فهي ظرف غير مرغوب فيه، ولكن يجب مواجهته للوقوف على أسبابه والحد من آثاره وتداعياته على المدى القريب والبعيد . وقد تتباين ردود الأفعال حيال الأزمة، وفقاً للتركيبة النفسية والعقائدية والفكرية، وبناء على الخبرة العلمية والظروف البيئية، ومن ثم تتفاوت النظرة إلى الأزمة من إنسان لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن دولة لأخرى، تأسيساً على هذه الخلفيات، وبذا فلكل فلسفته الخاصة ورؤيته المستقلة في التعاطي مع أسباب الأزمة أو تداعياتها أو طرق علاجها .

لاحظت كيف يغامر شبابنا بعبور الأودية الوعرة مع يقينهم بأنهم ربما يفقدون أرواحهم لكن المغامرات الطائشة تتسيد الموقف، وتكون النتيجة أن الماء المنحدر من قمم الجبال الشاهقة بسرعة رهيبة يجرف المركبات بمن فيها إلى مصير مجهول، ويبقى على أجهزة الانقاذ عبء البحث عن المفقودين أو المحتجزين في الأودية والشعاب، مع أن الأمر يمكن تدراكه منذ البداية بالابتعاد عن مجاري الأودية والتريث قليلا لحين تهدأ الأجواء .

رأيت إصراراً غريباً من المقيمين في العاصمة مسقط على الذهاب - كعادتهم كل أسبوع - إلى بلدانهم في الولايات المختلفة، مع ما يكتنف ذلك من المخاطر، الأمر الذي أضطر معه رجال الشرطة إلى إغلاق بعض الطرق المؤدية إلى أودية خطرة، أمام أولئك الذين أغمضوا عيونهم عن تحذيرات الأرصاد ونداءات الأحوال الجوية التي يتم بثها عبر شاشات التلفزيون أو ميكرفونات الإذاعة أو من خلال صفحات الجرائد بمختلف لغاتها .

إن غياب ثقافة الأزمة أغرى البعض من مدمني ترويج الشائعات باستدعاء صور من ماض أليم أيام إعصار جونو واعادة بث الروح فيها من جديد وتمريرها عبر وسائل وبرامج التواصل الاجتماعي على أنها من أحداث هذه الأجواء المناخية، الأمر الذي بث الرعب في نفوس البعض دون داع لذلك .

إن ما مرت به بلداننا في هذه الأيام ال15 من أنواء مناخية يجب إعادة قراءته بهدوء لاستخلاص الدروس والعبر والأخطاء التي وقع فيها البعض، مما يتيح لنا تبني خطة مستقبلية تقوم على التوعية والتحذير من التلاعب بمشاعر الناس أو أرواحهم في أوقات الأزمات، خاصة أن منطقتنا مرشحة بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري إلى تكرار مثل هذه الأنواع، بل ربما أشياء أكثر من الأنواء المناخية .

كما أن النظر في التشريعات والقوانين التي تجرم ترويع الآمنين عن طريق نشر الشائعات أو تلك التي تجرم المخاطرة بالنفس أو الغير أمر واجب وبأسرع مما يمكن فالتوعية وحدها لا تحقق الردع العام .

* رئيس تحرير صحيفة الرؤية العمانية