قبل أقل من أسبوعين كنت أحد المشاركين في حفل الغداء الأسبوعي أو الدوري الذي تنظمه التشريفات في قصر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في زعبيل، حيث أصبحت هذه اللقاءات عادة طيبة يتبعها سمو الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، منذ سنين، متى ما سمحت الظروف بذلك، وقد كتبت شخصياً عن هذه اللقاءات منذ أن بدأت تنتظم قبل أربعة عشر عاماً مقالاً بعنوان الشيخ محمد بن راشد، والحوار المفتوح .

إن رؤيتنا للتميز الحكومي وللجيل الجديد من حكومات المستقبل وللدور الحقيقي الذي يجب أن تلعبه أية حكومة في أي مجتمع تتوافق وتتطابق مع رؤية أخي الشيخ محمد بن راشد ومع رؤية إخواني حكام الإمارات ومع ما تعلمناه من آبائنا المؤسسين . الحكومة وظيفتها تحقيق السعادة للمجتمع وهي سلطة لخدمة الناس وليست سلطة عليهم، كما صاغها أخي الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله .

خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة

سمو الشيخ محمد، يستقبل الناس في كل وقت على الصعيد الفردي والجماعي حسب الظروف، ولكن هذا الاجتماع الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا الحديث هو اجتماع خاص، وشبه دوري تقريباً يدعو إليه شخصياً، وغرضه، أي سمو الشيخ محمد، أن يتبادل مع الحاضرين الرأي والوقوف على ما عند المجتمعين من شؤون وشجون، وأقرب وصف لمثل هذه الاجتماعات أنها أسرية وعائلية وفي الحقيقة سنة طيبة وبدعة حسنة واستمرارها وعدم انقطاعها شيء حسن أيضاً) .

وفي هذا اللقاء السالف الذكر في مستهل هذا الحديث، الذي تم يوم الثلاثاء 7مايو/أيار الجاري تطرق الحديث عرضاً إلى مقدمة ابن خلدون عالم الاجتماع العربي الشهير، وكتابه، المقدمة، وما تضمن من فكر إنساني رائع ومبتكر، لم يسبقه إليه أحد، ومازال الكتاب يثير إعجاب الدارسين وأهل المعرفة، وكان الشيخ محمد بن راشد خلال هذا الحديث أكثرنا إلماماً بموضوعات ابن خلدون، مما دل على أن الشيخ محمد كثير القراءة والمطالعة لأمهات الكتب في العلوم الإنسانية، من أدب وشعر وتاريخ . . . إلخ . هذه القراءة والمطالعة اللتان تعطيان القارئ زاداً دسماً من المعرفة والبعد الثقافي، ولعمري، فإن أحسن ما يمنى به أي مجتمع ويسهل نموه نحو الاطراد المستدام، هو أن يتولى أمره المثقفون، فثقافة أولياء الأمور هي التي تمهد الطريق لخلق الكفاءة في الإدارة، وبالتالي خلق المنتج الجيد، ولعلّ الكتاب الذي بين أيدينا الآن، ومضات من فكر، لمؤلفه الشيخ محمد بن راشد، والذي نستعرضه مع القراء الكرام في هذه المقالة، وما يتضمنه هذا الكتاب من فكر نيّر يعكس الثقافة العميقة التي ولدتها التجارب التي مر بها الشيخ محمد بن راشد في حياته كحاكم وكقائد، مستمداً هذه التجارب من مدرستين تخرج فيهما بامتياز، وهما مدرسة زايد بن سلطان آل نهيان ومدرسة راشد بن سعيد آل مكتوم اللذين كان كلاهما كما يعرف الجميع، رجل دولة بكل ما تحمل كلمة رجل دولة من معنى في القيادة والزعامة .

الكتاب الأول، رؤيتي:

بالرغم من أن الشيخ محمد بن راشد له أكثر من خمسة كتب في الشعر والأدب والاجتماع، لكني أعتبر كتاب، رؤيتي الذي أصدره عام ،2006 هو الكتاب الأول الذي برز فيه ليس كقائد أو كزعيم قوم فحسب، بل كباحث اجتماعي وسياسي واقتصادي ومصمم بارع للإنشاء والتعمير وخطط التنمية، التي كانت تجري ومازالت، في دبي على قدم وساق . ويكاد كتاب رؤيتي يتفرد بمضامين فريدة بين كل ما كتبه زعماء عرب في الإقليم العربي كله حتى كتابة هذه السطور . (2)

وبعد سنتين من صدور كتاب، رؤيتي، بدأت تلوح في الأفق بوادر الأزمة الاقتصادية العالمية التي هبت رياحها العاتية على جميع الأماكن ذات النشاط التجاري والاقتصادي عام ،2009 وكانت الإمارات أحد هذه الأماكن النشطة، وجاء نصيب دبي من هذه الأزمة أكثر حدة باعتبارها المركز الأول في منطقة الخليج، وباعتبارها ذات خطط تنموية متميزة، ومضغت ألسن المكابرين والمشككين ما شاء لها من المكابرة واللغط، وبثت هذه الألسن الوساوس في القلوب، وجعلت الكثيرين في حالة من القلق ويعيشون في ضبابية الرؤية، ولكن هناك شخصاً لم يخامره الشك ولا الوساوس، ورأى أن الأمر ليس بهذا السوء المقلق، وكنا في مناسبات عدة والأزمة على أشدّها، نرى هذا الشخص وهو متفتح الأسارير مستبشراً بأن الأزمة، سحابة صيف، وأن الانفراج آت لا ريب فيه، وأن البناء المشيّد ليس ضعيفاً، وسوف يصمد أمام الهزات مهما كانت قوية، وكان هذا الشخص، هو محمد بن راشد، إذ لم يتوان هذا الشخص يوماً وخلال اشتداد الأزمة، أن يقول لنا إن البلد سوف يعبر الأزمة، ويخرج منها بنجاح، وبمثل هذا التفاؤل كان يزرع الطمأنينة ويزيل من نفوسنا الوساوس والقلق، كأي قائد يرفع الروح المعنوية لجنوده .

كما أنه بالشجاعة في المواجهة والقدرة الفائقة على التحمل تحققت رؤية محمد بن راشد، وأصبحت كل كلمة سطّرها في كتابه رؤيتي الذي أثار عاصفة من ردود الفعل لاسيما إبان الأزمة حسب نفسية المتعبين والمطمئنين، أصبحت، حقيقة واقعة جديرة بوضعها في مناهج التعليم لأبنائنا لكي تعينهم على فهم الحياة والتخطيط للمستقبل ومواجهة مدلهمات الخطوب .

كتاب ومضات من فكر:

ونحن الآن في الإمارات أمام فصل جديد من التجارب العملية الناجحة التي خاض غمارها الشيخ محمد بن راشد، ووضعها لنا في براويز من كلمات مضيئة يضمها مجلد كتاب، يصفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، حفظه الله، بأنه: كتاب متنوع جمع بين تجارب حياتية وأفكار قيادية، وآراء إنسانية جميلة من قائد عربي ناجح ذي تجربة ثرية .

والحقيقة أن محمد بن راشد خلال ما يقارب ربع قرن من حياة عملية متواصلة قدر أن يعد لنفسه مختبراً جيد الإعداد، يجري فيه أبحاثه، ويخرج علينا بتقييم سليم لهذه الأبحاث التي أدت إلى أن تظهر دبي في أثواب بديعة التصميم والتفصيل، وفي عرض يبهر الرائي ويثير إعجابه وفي الوقت نفسه يعطيه هو، المصمم والمفصّل، الثقة بالنفس وبأن ما غرسه قد أتى بأكل طيب . .

والكتاب الجديد، ومضات من فكر، ليس موضوعاً مستقلاً قائماً بذاته، وليس عديم الارتباط بكتاب رؤيتي، بل هذا الكتاب الجديد يشكل حلقة متصلة بسابقه، ولكنه يطرح أفكاراً فيها الحداثية وفيها الابتكار وفيها التجديد، ويطرح النتائج التي تمخضت عن تجارب مقتبسة اكتسبها محمد بن راشد خلال السنين التي تلت إصدار الكتاب الأول رؤيتي، أي قرابة عقد من الزمن مضى .

ويفعل الشيخ محمد بن راشد حسناً، ويؤدي واجباً من أهم الواجبات المناطة بأي زعيم قوم يشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه أمام أهله، عندما يقوم ببسط ما حصل عليه من تجربة في طريق مسيرته وهو يتولى رئاسة الحكومة الاتحادية في الإمارات وزعامة الحكم في دبي، وها هي هذه التجربة تتجسد فيما يخبرنا به في هذا الكتاب ومضات من فكر . . يقول محمد بن راشد في تعبيرات بسيطة ولكن ذات معنى كبير، ومتزن، في مقدمة كتابه:

لست عالماً ولا أدعي الحكمة بل هي كلمات قصيرة ورسائل سريعة وضعت فيها بعض التجارب وحرصت فيها على سرد الأفكار والخواطر في شكل مبسط وسريع، وما نريد بذلك إلا خدمة أوطاننا ونفع إخواننا وأبنائنا .

والحقيقة أن ما يميز كتاب ومضات من فكر، أن كاتبه الشيخ محمد بن راشد، بجانب المواضيع الدسمة التي تضمنها الكتاب، أخرج كتابه بشكل فني مبتكر ولافت للانتباه، وهو تلخيص الموضوع الوارد في صفحات الكتاب إلى أكثر من 30 ومضة فكرية، وضعت في براويز ووزعت على صفحات الكتاب توزيعاً متناسقاً يشد القارئ إلى التوقف أمام كل برواز، متأملاً الكلمات الرائعة التي رسمت داخل هذه البراويز، التي تعكس في رأيي بوضوح، شخصية محمد بن راشد العفوية وكذلك أحاديثه العفوية التي يخاطب بها الآخرين أو يشارك بها الآخرين في مجالسه واجتماعاته، وتعكس أيضاً البعد الثقافي الذي كسبه محمد بن راشد، وأصبح هذا البعد جزءاً من شخصيته ومتلازماً معه .

وكما تمت الإشارة فإن اللوحات المرسومة على صفحات الكتاب بالكلمات المفيدة تمثل وتلخص أهم ما في كتاب، ومضات من فكر، من الرؤى التي ترسم لنا خريطة الطريق التي يمشي عليها الشيخ محمد وفريق عمله، وهي في الوقت نفسه تمثل سياسة الدولة، دولة الإمارات العربية المتحدة، وما تخططه لنفسها من أدوار إيجابية بين الأسرة الدولية، ولتعميم الفائدة يجدر أن نستعرض مع القارئ الكريم صوراً من بعض هذه اللوحات التي رسمها الشيخ محمد بن راشد على صفحات كتابه ومضات من فكر، وهي في رأيي (بيت القصيد في الكتاب)، ومن يقرأها فكأنما قرأ الكتاب بالكامل، وفي هذا أيضاً يتميز محمد بن راشد، فهو كاتب رشيق القلم، ويسهل فهم مرماه على أي قارئ .

لمن كتب الشيخ محمد بن راشد:

ومما لا ريب فيه أن كتاب، ومضات من فكر، لمؤلفه الشيخ محمد بن راشد، كتاب شمولي، أراد به مؤلفه أن ينقل أفكاره إلى عموم الناس في الإمارات وفي غيرها، وأراد أن يؤكد لهذا العموم أن الإمارات وقادتها وشعبها جزء من الأسرة الإنسانية وتشاركها العيش في الأفراح والأتراح . . ولكن خطاب الكتاب المباشر موجه إلى الفريق الذي يعمل مع محمد بن راشد، وإلى الجماعة التي على عاتقهم مسؤولية تنفيذ أفكار محمد بن راشد ورؤاه في خدمة الوطن ومن يعيش على أرض الوطن .

وكلنا نعلم، وهذا ما يؤكده لنا الشيخ محمد بن راشد في أقواله وأفعاله، وما ينقله لنا من مضمون السياسة الحكيمة التي تتبعها القيادة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، أن الإمارات تعمل على إيجاد المجتمع المدني المتطور، الذي لا مكان فيه للعصبية والفئوية والراديكالية السياسية والدينية وغيرها من العقبات التي تعرقل مسيرة التطور، وأن الإمارات تنبذ العنف والتعدي، وتسعى إلى إقامة المجتمع الفاضل، المجتمع الذي يأمن من الشرور والآفات السياسية والاجتماعية .

وبهذا الكتاب، ومضات من فكر، والكتاب الذي قبله، رؤيتي، يستمر الشيخ محمد بن راشد في تواصله المعنوي والروحي مع الناس، كما هو في تواصله العضوي، والقائد الناجح والقيادة الناجحة هي التي بينها وبين الناس حبل التواصل ممتد، ويمتد في كل وقت لا تنفصم عراه، وفي رأيي أن ما يطرحه الشيخ محمد بن راشد في أحاديثه وكتاباته جدير بالتأمل والأخذ به كمادة تدريسية لعلوم الاجتماع في مدارسنا ومعاهدنا العلمية، لأن هذين الكتابين على وجه الخصوص، يثيران في نفوس الشباب الطموح والنظرة العملية إلى الغد الأفضل والأحسن .

(1) - راجع جريدة الخليج العدد 7522 بتاريخ 23 ديسمبر ،1999 وراجع أيضاً كتاب هموم وطنية .

(2) - راجع المقال قراءة في كتاب رؤيتي، الشيخ محمد بن راشد في رؤيته وريادته في جريدة الخليج العدد 9871 بتاريخ 29 مايو 2006 .

هل يستطيع أحدنا أن يحيا بغير أم أو أخت؟ وهل تملأ الرحمة البيوت بغير بنت أو زوجة؟ وهل تحلو الحياة بغير روح الحياة؟

***

أسرع وسيلة لتكون سعيداً هي أن تغرس السعادة في نفوس الناس

***

ترتبط عين الشاعر بقلبه، وعين الشاعر ليست كبقية العيون، وقلبه أيضاً ليس كبقية القلوب

***

تكلفة الخوف أكبر من تكلفة بعض الأخطاء، وتكلفة الخمول والكسل أكبر من تكلفة الخطأ وأنت تعمل

***

لن نعيش مئات السنين، ولكن يمكن أن نبدع شيئاً يستمر لمئات السنين

***

نحن اليوم في مرحلة التمكين، تمكين إنسان هذا الوطن

***

إن أكبر مخاطرة

ألا تخاطر

***

نحن لسنا إمارات نحن دولة الإمارات

***

القائد العظيم يصنع قادة عظماء، ولا يختزل المؤسسة في شخص واحد فقط

***

نريد تغيير مفهوم القيادة ليتسع لجميع من لديه الطموح والإرادة لتغيير نفسه ونفع مجتمعه

***

من أراد أن يترك أثراً لنفسه في صفحات هذا الوطن فالميدان أمامه

أن تبدع هو أن تضيف شيئاً جديداً للحياة، لا أن تكون إضافة أخرى لها

***

تعرفت إلى الكثيرين من زعماء العالم، السياسيين والاقتصاديين، فلم أشاهد أكثر بساطة من زايد

***

المعرفة أقصر طريق للفوز، حتى في الرياضة . سعة معرفتك أهم من سعة قدرتك

***

إن دولة الإمارات ليست مركزاً اقتصادياً فحسب، وليست محطة سياحية بين الشرق والغرب، بل نحن مركز إنساني مهم على الساحة العالمية

***

هل رأيت الصخرة إذا اعترضت ماءً يجري، هل يقف الماء؟ لا يقف بل يذهب يميناً أو يساراً ليتجاوزها، وهكذا الإنسان صاحب الطاقة الإيجابية

***

تصرف كقائد، فالقائد الحقيقي ليس بالمنصب، بل بتفكيره وبطريقة عمله، وبأهدافه وغاياته النبيلة

***

لا تمارس عملك كموظف، بل مارسه كقائد يحب وطنه، وكصانع يعشق صنعته، وكفنان يبدع فنه

***

عندما تكون هناك حاجة للتغيير من أجل مصلحة الوطن فلن أتردد مطلقاً في اتخاذ القرار

[email protected]