بعد عقد على الغزو الأمريكي، لايزال العراق يسعى إلى استعادة ما يمكن من كنوز آثاره وتحفه التي تعرضت للنهب . والآن، تواجه سوريا مشكلة مماثلة بسبب تعرض متاحفها ومواقعها الأثرية للنهب، وحتى التدمير . وكتبت الصحافية فرناندة فان تيتس، التي تتخذ من بيروت مقراً لها، مقالاً حول الموضوع نشرته في موقع فورين بوليسي قالت فيه:
ليس مهماً إلى أي عصر تعود . كل ما يهمني هو قيمتها .
بهذه البساطة تكلم أبو خضر، المهرب في بلدة مجدل عنجر اللبنانية المحاذية للحدود مع سوريا، وهو يتحدث عن قطع أثرية . والتهريب الذي يشمل كل شيء من السجائر إلى الأسلحة، كان منذ زمن طويل تجارة عائلة أبو خضر . ولكن مقاتلي الجيش السوري الحر، الذين لا يملكون ما يكفي من الأموال النقدية، بدأوا يعرضون بدائل لدفع أثمان الأسلحة التي يحتاجون إليها . وهذه البدائل هي أثريات قديمة سورية مسروقة .
والأثريات الأكثر رواجاً هي الألواح المسمارية، والأفاريز والتماثيل الرومانية، والمسكوكات البيزنطية . وشرح أبو خضر بوضوح مجرد: هم يعطونني أثريات، وأنا أعطيهم أسلحة .
وفي السوق السوداء اليوم، يمكن أن تكلف بندقية ايه كاي-47 (كلاشينكوف) 1200 دولار، في حين أن بندقية إم 4 المرغوبة أكثر يمكن أن تكون بحدود 4500 دولار . وبيع الأثريات يمكن أن يساعد على تأمين تكلفة هذه المشتريات . ويقول أبو خضر: نقلت ما لا يقل عن 100 قطعة أثرية .
وإضافة إلى الثمن الإنساني والاقتصادي الرهيب للحرب الأهلية في سوريا، يدمر النزاع أيضاً التراث الثقافي السوري . وفي مؤتمر نظمته اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) في فبراير/ شباط الماضي، وصفت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا نهب الأثريات بأنه أكثر تخريباً من القتال الذي يأتي على مساجد ومنازل قديمة وقلاع صليبية، وآثار أخرى .
وحسب خريطة نشرتها وحدة المعلومات الإنسانية في وزارة الخارجية الأمريكية في إبريل/ نيسان ،2013 فإن 3% فقط من المواقع التراثية في سوريا بقيت خارج مناطق القتال . كما عرضت منظمة الصندوق العالمي للتراث صورة قاتمة في تقرير حول وضع الآثار في سوريا عام ،2012 قالت فيه إن جميع مواقع التراث العالمي التي صنفتها اليونيسكو في سوريا تأثرت بالحرب، من المدينتين القديمتين في دمشق وحلب، إلى قلعة الحصن الصليبية في محافظة حمص، فالمدينة الرومانية في بصرى الشام (بمحافظة درعا) .
وسوريا هي كنز دفين للآثار، يحوي أثريات تعود إلى العصور الرومانية، والبيزنطية، والأموية والعثمانية . وقبل بدء الحرب، كانت نحو 100 بعثة آثار أجنبية تعمل في سوريا سنوياً . وتدمير مئذنة جامع بني أمية في حلب في 24 إبريل/ نيسان ليس سوى مثال واحد على الخسائر التراثية جراء الحرب .
وبينما يطول أمد النزاع، أصبح النهب شائعاً على نطاق واسع . وقالت إيما كونليف، المرشحة للدكتوراه في جامعة دورهام (إنجلترا) التي كتبت تقرير الصندوق العالمي للتراث: في مثل هذا الوقت من العام الماضي، لم تكن هناك أدلة كافية على أعمال نهب . أما الآن، فالأدلة أكثر من كافية .
وسبق أن حصلت أعمال سلب مماثلة في أعقاب غزو العراق، وأثناء الحرب في ليبيا، وحتى خلال الانتفاضة في مصر . وقال مأمون عبدالكريم، المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا، إن المديرية تسلمت خلال العام 2012 أكثر من 4000 قطعة أثرية مصادرة، تمت استعادة معظمها خلال محاولات تهريبها إلى خارج البلاد . وقد ظهر الإجهاد واضحاً على عبدالكريم بينما كان يتحدث عن جهود سوريا للحد بقدر الإمكان من الأضرار في متاحفها ال 35 ومواقع آثارها العشرة آلاف . وقال: نعمل مع السكان المحليين من أجل حماية الآثار السورية وتجنب تكرار تجربة العراق عام 2003 .
ويقول عبدالكريم إن المتاحف في حالة جيدة، وإن مجموعات الأثريات التي تحويها نقلت إلى أماكن آمنة . والمتحف الوطني في دمشق هو الأشهر من بين المتاحف التي يتولى الإشراف عليها، وأشار إلى أنه أغلق الآن أمام الجمهور، وأن معظم القطع الأثرية ال 77 ألفاً في المتحف نقل إلى الأماكن الآمنة . كما أشار إلى أن الواجهات والجدران الخارجية للمتاحف في حماة وحلب وحمص قد تضررت في القتال .
وتعتقد عالمة الآثار اللبنانية جوان بجالي، التي سبق أن وثقت تأثيرات الحرب في التراث الثقافي في لبنان والعراق، أن من الممكن أن تقلل المديرية السورية للآثار والمتاحف من مدى النهب . وقالت: لم يتوقع أحد الحرب، ولذلك لم يتدرب أحد في المتاحف الإقليمية في البلاد على تأمين مجموعات أثرياتهم .
والمسؤولون السوريون لم يبدأوا التفكير في كيفية حماية التراث الثقافي لبلدهم إلا بعد أن احتدمت الحرب لفترة من الوقت . والعاملون في متحف دمشق لم يتلقوا تدريباً على استخدام التكنولوجيا الرقمية للتعامل مع الأزمات إلا في يناير/ كانون الثاني الماضي .
ولكن متاحف إقليمية كثيرة لم تبدأ مثل هذه التدريبات إلا بعد فوات الأوان . وقالت بجالي: نحن لا نعرف ما حصل في أماكن مثل حماة وحمص . وأضافت أن قطعاً أثرية تحمل أرقاماً تبثت أنها ملك لمتاحف سورية قد ظهرت في السوق العالمي .
غير أن المواقع الأثرية هي المشكلة الحقيقية . وقال عبدالكريم: من المستحيل حماية عشرة آلاف موقع أثري في سوريا . وخلافاً للقطع الأثرية المسروقة من متاحف، لا توجد أية قاعدة بيانات تحدد ما إذا كانت قطعة أثرية نبشت من تحت الأرض قد جاءت من سوريا .
وقد أطلقت السلطات السورية حملة إعلامية تحت شعار سوريا وطني من أجل تشجيع السكان المحليين على حماية المواقع الأثرية . ولكن مثل هذه الجهود تفشل في تحقيق غايتها، حسب عبدالكريم الذي قال إن عصابات مافيا الآثار المسلحة هي التي تنظم معظم أعمال النهب .
وقال: هناك مجموعات مسلحة من لبنان وتركيا والعراق تهدد سكان القرى المجاورة لمنعهم من التدخل، ثم تقوم بنهب المواقع .
ومثل هذا النهب ليس جديداً . ففي العام الماضي، سرقت فسيفساءات من مدينة أفاميا السلجوقية القديمة . وحسب مصادر مطلعة على العمليات الضخمة، تمت هذه السرقات لحساب مشترين مباشرة وليس عبر وسطاء، وقد تم استخراج الفسيفساءات من تحت الأرض باستخدام أدوات صنعت خصيصاً لهذه الغاية، شملت حتى جرافات . وفي فبراير/ شباط الماضي، نبشت من شمال سوريا 18 فسيفساء أخرى تصف ملحمة الأوديسة لهوميروس .
وبعض هذه العمليات كانت أعمال سلب مسلح نظمت بدقة . ولكن السكان المحليين أيضاً ينبشون الكثير من الأثريات الأصغر حجماً . وتقول بجالي: لو كنت مزارعاً جائعاً وتعرف أن هناك قطعاً أثرية بجوار منزلك، فسوف تنبشها لكي تسد جوعك .
قبل الحرب، كانت السلطات السورية تفرض حراسة مشددة حول المواقع الأثرية، وكان الذين يقبض عليهم وهم يقومون بأعمال تنقيب غير مشروعة يسجنون لمدد تتراوح بين عشر وخمس عشرة سنة . أما الآن، فإن النظام لديه أولويات أخرى .
وشرح رجل يقدم نفسه باسم المعلم من وادي البقاع اللبناني المحاذي للحدود مع سوريا بقوله: الناس كانوا يعرفون قبل الحرب أين توجد أثريات . ولكن الآن وقد غابت الدولة، فقد أخذوا ينقبون . واهتمام المعلم بالأثريات بدأ كهواية، ولكنه الآن يكسب مالاً من شراء أثريات سورية، ومن تقديم خبرته في تثمين الأثريات التي يأتي بها مقاتلو الجيش السوري الحر إلى المهرب أبو خضر . وأثمن قطعة أثرية رآها كانت لوحاً مسمارياً بيع بسعر 20 ألف دولار . وقد عرض متباهياً تمثالاً نصفياً لامرأة رومانية نبش من منطقة على الجانب الآخر من الجبال الحدودية، وتوقع أن يبيعه بألفي دولار على الأقل .
ومثل هذا التهريب على نطاق محدود كثيراً ما يكون الخطوة الأولى في عملية طويلة تصل في نهايتها أثريات ثمينة إلى أيدي مشترين أثرياء . وفي متجر للتحف في بيروت، تُعرض الآن تماثيل رومانية جنباً إلى جنب مع مناضد مرصعة باللؤلؤ ومصابيح قديمة . وقال التاجر: هذه القطع جاءت من تدمر - أحد المواقع السورية الستة التي أعلنتها اليونيسكو مواقع تراث عالمي .
وهذه المعروضات تبدو أكثر صقلاً وحداثة من أن تكون قد نهبت من المواقع الأثرية في الصحراء السورية التي كانت يوماً موطن الملكة زنوبيا . فبسبب ارتفاع الطلب، أصبحت الأثريات الزائفة رائجة . وأقر المهرب أبو خضر بأن نحو 50% مما يأتيني زائف . إلا أن شرائط فيديو صورت في تدمر تعرض تماثيل مماثلة، ولكن أصلية، أثناء توضيبها بعناية في صناديق ونقلها في شاحنات .
وعلى مدى العقد الأخير، ارتفعت أسعار الأثريات بواقع عشر مرات، ما يشكّل الآن دافعاً أكبر للنهابين . والطلب الأكبر على الأثريات السورية يأتي من إسرائيل، وبريطانيا والولايات المتحدة، في حين يتنامى سوق الأثريات في منطقة الخليج .
ومنذ العام ،1970 سعت منظمة اليونيسكو إلى الحد من تهريب الأثريات والأعمال الفنية من خلال إقرار الاتفاقية الدولية بشأن وسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة . وتمنح الاتفاقية أعضاءها ال 123 الحق في استعادة الأثريات المسروقة وتلك التي تم تصديرها بصورة غير مشروعة . ونتيجة لذلك، أصبح تجار الأثريات يشترطون على الذين يعرضون قطعاً أثرية للبيع أن يقدموا شهادات منشأ . ولكن هذه الشهادات يمكن تزويرها، مثلها مثل التماثيل الرومانية . وتقول بجالي: مثل هذه الشهادات يمكن تزويرها بسهولة تامة .
علاوة على ذلك، حتى دور المزادات العالمية لا تذكر منشأ جميع التحف الفنية والأثرية المدرجة في كتالوجاتها . وتقول دار كريستيز إنها لم تشهد زيادة في القطع الأثرية الواردة من سوريا، وهي تدعي أن سياستها الصارمة تفرض إجراء تدقيق شامل للتأكد من أصالة ومنشأ المعروضات .
ولكن على مستوى أدنى من تجار النخبة، ينشط الآن مئات من تجار صغار ومتوسطين لبيع أثريات منهوبة في السوق السوداء . إضافة إلى ذلك، التحف أصبحت تعرض الآن على الإنترنت من خلال عدد متزايد من مواقع المزادات - بما فيها موقع ايباي، حيث يستطيع المرء شراء قطع أثرية بمجرد النقر على لوحة المفاتيح .
ويتوقع أبو خضر مستقبلاً رابحاً . وقد عرض قرصاً مدمجاً مملوءاً بصور منهوبات معروضة للبيع - بالسعر المناسب طبعاً . وهو ينتظر المستقبل بتوق . وشرح قائلاً: بعد الحرب، سيأتي من سوريا أكثر بكثير مما يأتي الآن، لأن بعض الناس لا يستطيعون تمرير ما بحوزتهم عبر الحدود .
وإذا أخذنا ما حدث في العراق كمقياس بالنسبة إلى سوريا، فقد يكون أبو خضر على حق . فقد استغرق الأمر خمس سنوات بعد الغزو الأمريكي حتى أخذت الأثريات العراقية تتدفق على السوق العالمي . ولكن نظراً إلى العدد المتزايد من المواقع الأثرية التي يتم نهبها في سوريا، من الواضح أن العملية جارية بالفعل منذ الآن . وقالت بجالي: ستمر سنوات قبل أن يعرف المدى الكامل لأعمال النهب .