أثارت شجرة الداماس أخيراً الكثير من المخاوف البيئية والصحية، وكثرت الأقاويل على مواقع الإنترنت حول تسببها في تنشيط الخلايا السرطانية، واتهمها البعض واعتبرها خبراء مثبطة للخلايا السرطانية، في حين اعتبرها آخرون تحدث خللاً في التنوع البيئي، وشروخ بالمباني والجدران القريبة منها، وأن جذورها تعمل على انسداد في شبكات الصرف الصحي . وللوصول إلى حقيقة هذه الشجرة وفوائدها وأضرارها يتحدث عدد من الخبراء والمهتمين بها، خاصة في ظل انتشارها، رغم أنها دخيلة على البيئة الإماراتية في الحدائق المنزلية والعامة، إذ يتخذها المواطنون كستارة نباتية لحجب مرافق حديقة المنزل عن الجيران ومنحها الخصوصية .

أكدت هنا السويدي، رئيس هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، أن شجرة الداماس مقارنة بنباتات أخرى غير ضارة، تطلق أوراقها كميات قليلة من العفص، وهو مادة نباتية ولكن من المعروف أن أوراقها لا تتحلل في التربة، وتأكلها الماعز من الأشجار اليانعة .

وتقول: تكمن أضرار زراعة هذه الشجرة في حدائق المنازل في جذورها القوية والكثيفة التي تمتد وتكسر شبكات المياه وقد تضر أساسات البناء، إذ تنمو الجذور وتمتد لأعماق تتراوح بين 15 -25 متراً .

وفي الإمارات سجلت حالات كثيرة اخترقت فيها جذور شجرة الداماس أنابيب المياه في عدد من المنازل والمباني الحكومية وشبكات الصرف الصحي . ويتطلب قطعها الحفر لأعماق بعيدة، وهي عملية صعبة . وحسب السويدي، لم يثبت علمياً ما يتداول حول تنشيط الشجرة الخلايا السرطانية .

وتشير إلى أن شجرة الداماس تتميز بنمو خضري سريع وكثيف ويستمر طوال العام، ولها مجموع جذري كثيف وقوى ومتشعب ولها المقدرة على مد جذورها لمسافات بعيدة بحثاً عن المياه والرطوبة اللازمة لها، وهي مواصفات تجعلها صالحة للاستخدام كأحزمة شجرية واقية حول المدن، وللمواقع التي بها زحف صحراوي، وذلك لمقدرتها العالية على تثبيت التربة . وتضيف: نظراً لكثافة الجذور وقوة نموها إضافة لقوة الرائحة المنبعثة منها في فترة الإزهار والتي تسبب تهيج الحساسية لدى البعض ممن لديهم حساسية من الروائح وغبار الطلع، لذا يفضل عدم زراعة هذه الشجرة بالمنازل أو قربها، وإذا زرعت يجب مراعاة أن تكون بعيدة عن خطوط الخدمات من كهرباء واتصالات وأنابيب المياه والصرف الصحي، وشبكات الري، وذلك لأن النمو الجذري القوي والكثيف له المقدرة على اختراق هذه الأنابيب وإغلاقها بالكامل إضافة للتلفيات التي تتمثل في قطع الأسلاك، وتكسير الأنابيب واختراق خزانات المياه . وتلفت إلى أنه لم يصدر قانون رسمي بعد حول منع استيرادها .

مهندس صفا ياسين، رئيس قسم الزراعة في بلدية الشارقة، يقول: لكل نبات مواصفات خاصة به، على أساسها يتحدد المكان المناسب لزراعته بعد دراسة الهدف المطلوب منه، بالتالي لابد من وضع النبات المناسب في مكانه المناسب طبقاً لصفاته . وشجرة الداماس لديها مواصفات لابد من معرفتها جيداً قبل البدء في تحديد مكان زراعتها، لكي لا تتسبب بمشكلات لشبكات الري والصرف الصحي وتحويل المساحات المجاورة للشجرة لمساحات لا يمكن استغلالها لأي زراعة أخرى . وتوجد العديد من الشكاوى حول الشجرة، وذلك بسبب الجهل باحتياجاتها ومواصفاتها . ويضيف: نفذنا حملات تحث على الابتعاد عن زراعة الداماس في المنزل، وهناك العديد من المواطنين لديهم الرغبة في زراعتها خاصة ممن لديهم المعرفة الدقيقة باحتياجات الشجرة والأماكن المناسبة لها وكيفية العناية بها والحد من المشكلات التي قد تتسبب فيها من خلال إجراء أعمال القص والتقصير المستمر وعدم تعطيش النبات، ووضع حواجز ما بين نشاط الجذور وخدمات البنية التحتية ما يحد من المشاكل التي قد تسببها .

ويشير إلى أن صعوبة القطع يحددها حجم وعمر ومدى العناية بالشجرة، فكلما كانت مهملة وكبيرة الحجم والعمر، احتاج قطعها معدات ثقيلة، ولكن بصورة عامة يحتاج القطع إلى منشار كهربائي وفأس لتقطيع الجذور حولها وفريق متخصص في قطع وتقليم الأشجار خشية تعريض البنية التحتية للخدمات للتلف .

أحمد عبدالكريم، مدير إدارة الحدائق العامة والزراعة في بلدية دبي، يشير إلى تلقي الإدارة 232 بلاغاً، حول مشكلات شجرة الداماس والاتصال بأصحابها وتجميع البيانات الخاصة بعدد الأشجار وحجمها ومكان زراعتها، وأيضا التعرف إلى مدى تأثيرها في الخدمات والمباني ثم إجراء معاينات ميدانية لمواقع الزراعة . ويقول وخلال الفترة الماضية، أزال قسم الخدمات الزراعية التابع للإدارة 2574 شجرة وأجرى التقليم الجائر لعدد 285 شجرة أخرى، بناء على طلب أصحاب البلاغات ولايزال العمل مستمراً لدعم أصحاب الحدائق المنزلية في هذا الإطار .

وعن بقية جهود البلدية في هذا الإطار يقول: تتولى البلدية توعية فئات المجتمع والأفراد الذين زرعوا أشجار الداماس، ولم تواجههم مشكلات حتى الآن بأهمية اتخاذ الإجراءات السليمة، للتأكد من أن هذه الأشجار لن تسبب مشكلة، مثل أن تزرع بصورة فردية وبعيدة عن خطوط الخدمات، فيمكن تشكيلها للحد من نمو مجموعها الخضري، وبالتالي السيطرة على نمو المجموع الجذري، أو قد يتطلب الأمر إزالة هذه الأشجار وهي في هذه المرحلة من النمو حيث تسهل إزالتها واستبدالها، وتضمنت الخطة إعداد برامج إرشادية وتثقيفية تستهدف جميع فئات المجتمع، وتسهم في تنمية ثقافتهم وقدراتهم الزراعية عند الاهتمام بزراعة الحديقة المنزلية وصيانتها .

وحول عيوب الشجرة، يقول عبدالكريم: منها إحداث شروخ بالمباني والجدران القريبة منها، وإغلاق جذورها لشبكات الصرف الصحي بسبب غزارة نمو المجموع الجذري، ويحتاج الأمر إلى استبدال الأنابيب المسدودة بأخرى جديدة . ومن عيوب هذه الشجرة أيضا غزارة أوراقها وثمارها، التي تتساقط على مدار العام، وبالتالي، فصيانتها عالية التكلفة .

محمد الحمادي، موظف، أشار إلى أن لديه قرابة 30 شجرة من نوع الداماس . ويقول: تصلني الكثير من التحذيرات على مواقع التواصل الاجتماعي حول أضرار تلك الشجرة، وأنها منشطة للخلايا السرطانية، وهذا جعلني عازماً على اقتلاعها، ولكن العملية صعبة جذورها عميقة وممتدة . وبدأ سالم المزروعي، موظف في الشرطة، في اقتلاع تلك الأشجار من جذورها بعد رحلة معاناة . ويقول: أشجار الداماس كبيرة وجذورها ممتدة، وكنت أعاني بشكل مستمر من المشكلات في شبكات الصرف الصحي، ومع تحذيرات البلدية المستمرة بدأت بشكل فعلي باقتلاع تلك الأشجار وزراعة أخرى بديلة .

قرر راشد النقبي، متقاعد، اقتلاع الأشجار بعد أن شعر بتضرر البنية التحتية للمنزل، وظهور تشققات على الجدران، ويقول: لدي أكثر من 50 شجرة داماس في البيت، وإزالتها تكلفني الكثير، ولم استطع إلا أزالة 5 منها بسبب جذورها الممتدة التي أثرت بشكل سلبي على شبكات الصرف الصحي .

عن صفات الشجرة، يقول رياض الدباغ، مستشار جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا لشؤون البيئة والمياه والطاقة: تنتمي الداماس إلى جنس الكونوكاربس، وهي من الأشجار الدائمة الخضرة، من ذوات الفلقتين كثيرة التفرع، وقد يصل ارتفاعها إلى عشرين متراً، وتتميز بطراوة أغصانها ذات اللون الأخضر أو الأحمر . وتكون أوراقها متبادلة، قصيرة الأعناق، رمحية الشكل، أما حافات الأوراق فتكون مستوية، في حين تكون قمتها حادة . أما النورات الزهرية فتكون ابطية أو طرفية، وهي بيضاء اللون مائلة إلى الخضرة، وأحيانا تكون خضراء داكنة اللون . وتكون ثمارها مخروطية الشكل، وتعود تسمية النبات في الأصل إلى الشكل المخروطي للثمرة، وكذلك يطلق عليها اسم شجرة الدلب الغربي . ويضيف: تنمو الشجرة في مناطق كثيرة من المعمورة، ومنها أمريكا الوسطى والجنوبية، وغرب إفريقيا الاستوائية، وجنوب ولاية فلوريدا، وهاواي، والهند، وباكستان ودول الخليج العربية مثل السعودية والإمارات وغيرها . وتوفّر الغذاء والمأوى لمجموعة متنوّعة من الحيوانات، كما أن لها القدرة على مقاومة عوامل تعرية التربة والكثبان الرملية بكل كفاءة، لذا تُستخدم هذه الأشجار لردع الزحف الصحراوي، وكذلك كنباتات زينة على نطاق واسع . ويلفت إلى أن أصل أشجار الداماس هو شواطئ وانهار الصومال وجيبوتي واليمن . فاليمنيون

يسمونه (الداماس)، والخليجيون يسمونها (الدمس)، والصوماليون يسمونه (الغلاب)، وليس له اسم شائع في اللغة الإنجليزية .

و يضيف: دول عدة كالإمارات والسعودية والعراق واليمن وباكستان والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكوبا وغيرها زرعت أشجار الداماس على نطاق واسع لأسباب مختلفة، أهمها قلة حساسية السكان لحبوب لقاحها، ومتانة أخشابها، وتحمّل هذه الأشجار الكبير للظروف المناخية الصعبة، لاسيّما ملوحة التربة والجفاف والحرارة، كذلك تتحمّل العوامل الحيوية كالبكتريا والحشرات وغيرها، وتُستخدم على نطاق واسع كذلك لتظليل الحدائق والشوارع ومواقف السيارات، كما يُعدّ خشبها مثالياً لبناء المنازل والسياجات والأسوار والباحات والأسطح . وساعدت قوة تكّيف هذه الأشجار مع الرياح على جعلها المادة المثالية لبناء مصدّات الرياح وحواجزها .

وعن مجالات الاستفادة من زراعة أشجار الداماس، يقول: يمكن استخدامها للزينة في واجهات المنازل والمجمعات السكنية، لما تمتلكه من مزايا فريدة في التشكيل والتمظهر بأشكال مختلفة، وتساعد على تثبيت شواطئ الأنهار ومنعها من الانهيار والتآكل، وأيضا في تثبيت رمال الصحراء بسبب كثافة جذورها، وتعد فروعها الطرية من الأعلاف الحيوانية وبخاصة للماعز والإبل، على الرغم من احتوائها على مادة (التانيين) القابضة .

وفي ما يتعلق بالخصائص الطبية للشجرة يحيلنا الدباغ إلى دراسة علمية قالت إن مُستخلص أوراق الداماس القابلة للذوبان تستخدم شعبياً في بعض الدول لعلاج فقر الدم والإسهال والحمى، وأظهرت دراسات بيوكيميائية أن لحاء شجر الداماس وأوراقها غنية بنسب مرتفعة من العفص والمواد المضادة للأكسدة المستخدَمة لعلاج نزيف اللثة والنزيف المهبلي وتقرحات الجلد . ويضيف: كفاءة المذيبات العضوية المستخلصة من أجزاء مختلفة من نبات الداماس المزروع في منطقة الطائف في السعودية اختبرت مؤخراً كمركبات مضادة للأكسدة ومضادة للسرطان .

ويشير إلى أن مساوئ الشجرة تتمثل في النمو الأفقي الكثيف لجذورها، ما يسبب اختراق أنابيب المياه العذبة، ومواسير الصرف الصحي والتوصيلات الكهربائية والهاتفية والصخور والخراسانات المسلحة بحثا عن المياه،ونتيجة لانتشار جذورها وتمددها بشكل أفقي على مساحات واسعة فإنه ليس من المناسب زراعة نباتات أخرى بقربها .

ويضيف: المشكلات التي تعاني منها الإمارات من الزراعة الكثيفة لهذه الشجرة سببها أن جذورها صغيرة جداً وناعمة ولذا تسد أنابيب السقي المدفونة في التربة، وهذا يتطلب استبدالها بمنظومة جديدة، إضافة إلى التساقط المستمر لأوراق الشجرة وأثمارها وبشكل كبير وطوال أيام السنة ما يؤدي إلى تراكم الأوساخ في الشوارع والأرصفة والتربة .

د . محمد اليافعي، مساعد العميد لشؤون الطلبة، وأستاذ مساعد في البيئة النباتية في جامعة الإمارات يشير إلى أن الداماس من الأشجار المدخلة على النظام البيئي في الدولة، لكنها تنتشر في الدول ذات المناخات الرطبة ومرتفعة الحرارة، ونجحت زراعتها في دول الخليج كونها تتحمل الحرارة العالية ونسبة الملوحة المرتفعة . ويقول: تتوسع هذه الشجرة في قطاع الجذور على حساب النباتات المحلية، وهذا يحدث خللاً في النظام البيئي في الإمارات، فهي تعبر عشرات الأمتار حتى تحصل على ما تريده، وتبدأ في التأثير السلبي في البنى التحتية للمباني والأرضية ومياه الصرف، وتعد بؤرة الحشرات التي لا تعتبر محلية .

ويشير إلى أنه لا توجد دراسة تثبت أن هناك فائدة اقتصادية لتلك الأشجار، فأزهارها وأوراقها بلا قيمة علمية مثبتة، إذ لا يوجد هناك من يستخدم أوراقها أعلافاً للحيوانات، ولا توجد دراسة تثبت أهميتها في دورة حياة الحشرات . ويضيف: يجب أن تستخدم تلك الأشجار في مشاريع الغابات الخارجية، وتقنين استخدامها في الحدائق المنزلية والعامة، وتوسعتها وانتشارها المكثف سيحدث خللاً في النظام البيئي .