يفوح من جزيرة دلما عبق تراث الأجداد، وكل حبة رمل فيها تتحدث عن آلاف الذكريات، وصوت أمواجها تحكي قصص الغواصين الذين مروا بأرضها وتزودوا بمائها، فقد كانت قلباً نابضاً ومركزاً لانطلاق كل سفن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ .
وتعد الجزيرة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الإمارات، وذلك لما حباها الله من نعمة الماء العذب الموجود فيها، حيث كانت ملاذاً آمناً للصيادين والبحارة والتجار الذين يركبون البحر بحثاً عن الرزق في أنحاء المعمورة، كما أن وجود مغاصات اللؤلؤ الكثيرة والمشهورة حولها جعلها تنفرد بتجارة اللؤلؤ .
وكانت الجزيرة منذ أقدم العصور منطقة استقرار بشري وازدهار حضاري، إذ تشتمل بعض المواقع على مقتنيات ومبانٍ ومساجد أثرية نادرة، ومتحف دلما يضم آباراً ومقتنيات من قطع فخارية وأدوات وآلات وآثاراً مادية متنوعة تعود لمئات السنين، كما تنتشر على أرض الجزيرة شواهد تاريخية مثل حصى الغوص المصنوع من الحجارة وأخرى مصنوعة من الرصاص وجزء من المحار الذي احتوى على اللؤلؤ والجرار التي تحفظ المياه، وغيرها من الآثار التي تدل على أصالة وعراقة سكان دلما في الماضي .
ووجود المباني الأثرية كالمساجد والبيوت وآبار المياه الصالحة للشرب يدل على استقرار الناس في الجزيرة منذ زمن بعيد، ومن بين المباني الأثرية مسجد محمد بن جاسم المريخي، وبيت المريخي الذي أعيد ترميمه ليكون موقعاً لمتحف دلما، إضافة إلى مواقع كان لها دور تاريخي وحضاري مهم، وما تم الكشف عنه في هذه المواقع يعود إلى حضارة عمرها 7 آلاف عام .
وتضم إحدى مجموعات مباني القرن التاسع عشر التي تم ترميمها مؤخراً على الجزيرة منزلاً لأحد أشهر تجار اللؤلؤ يدعى محمد بن جاسم المريخي، في حين تتضمن خزفيات عثر عليها خلال عمليه ترميم أسس مسجد مجاور قطع فخارية تعود إلى أوائل العصر الإسلامي المتأخر، كما توضح مجموعة الخرائط القديمة الموجودة في بيت المريخي علاقة البيت التجارية مع الأسواق المحلية والإقليمية، وتؤكد الدور الدبلوماسي والسياسي لهذا المنزل فجميع الخطوط البرية العابرة لمياه الخليج كانت، تأخذ من دلما مركزاً ونقطة التقاء وانطلاق لا سيما إذا ما أخذنا بالاعتبار الوفرة الهائلة من المياه العذبة في الجزيرة، وأكبر دليل على ذلك العدد الكبير من آبار الشرب القديمة التي ما زالت حتى الآن تفيض بالمياه العذبة خاصة الآبار الموجودة قرب بيت المريخي وفي المساجد التي تشكل مجتمعة مركزاً للمدينة آنذاك فخطوط الملاحة البحرية تبدأ وتنتهي في الجزيرة والسلاسل الموجودة حتى الآن المثبتة في أرضية القناة الواصلة بين البيت والبحر تدل على أن السفن التجارية كانت تتخذ من هذا البيت مأوى ومركزاً للتموين والتزود بالماء والبضائع واللؤلؤ والدبس وغيرها من المواد الغذائية، وكانت العلاقة التجارية تزيد من أواصر الترابط والتلاقي الثقافي والاجتماعي والفكري مع دول الجوار .
ولاتزال الجزيرة بحسب المؤرخين تحتوي على بعض أفضل المباني القائمة منذ أوائل عشرينات القرن الماضي، وفي حين خضعت المساجد والبيوت التي ترجع إلى تلك الفترة في الأماكن الأخرى لإعادة البناء، تمت المحافظة على بيوت جزيرة دلما لتظهر الهندسة المعمارية التي اختفت تقريباً من جميع أنحاء إمارة أبوظبي .
ويعود المواطن ياعد بن سالم القبيسي (65 عاماً)، أحد سكان الجزيرة إلى زمن الأجداد وما سمع من حكايات وروايات، قائلاً تشدنا دائماً أحاديث وروايات الأجداد والآباء عن جزيرة دلما وحسب معلوماتنا وما نقلناه عن مجالسهم فإنه قبل نحو 300 عام كانت الجزيرة تخلو من الماء العذب ويأتيهم ماء الشرب من البصرة في محامل وأبوام سفن، ويقوم الأهالي بحفظ الماء في توانكي حديد خزانات حديد، وإذا أمطرت السماء زادوا الماء في التوانكي، ولكن معظم ماء المطر كان يذهب للبحر هدراً ما شكل خسارة كبيرة للأهالي وساكني الجزيرة . ففكر الجميع في طريقة للاستفادة من تلك المياه خاصة في ظل شح المياه وبنوا سداً لحفظ المياه، ولكن كانت أرض الجزيرة صخرية وبها أكثر من مئتي بئر دائرية قديمة محفورة قطر البئر الواحدة نحو 40 سنتميراً، وبعد بناء السد أخذ ماء المطر يتجمع فيها بغزارة والبئر الواحدة كانت تكفي السكان لمدة سنة كاملة وأصبح في الجزيرة مخزون هائل من المياه يتحدث عنه الشرق والغرب .
ويؤكد القبيسي أن جزيرة دلما الضاربة في عمق التاريخ والحكايا والأساطير اشتهرت في الماضي بإنتاجها الغزير من اللؤلؤ، وكان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يسكنها نحو 500 شخص، وتمتلك أسطولاً يضم أكثر من 500 سفينة، وفي موسم الغوص كان يصل عدد سكان دلما إلى أكثر من عشرة آلاف نسمة، عبارة عن سكانها الأصليين والغواصين وتجار اللؤلؤ، ولكن عندما أصيب سوق اللؤلؤ بالكساد، لم يبق في دلما إلا عدد قليل من العائلات .
ويواصل عندما سطع نجم المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في أبوظبي أشرقت شمس دلما وتطورت الحياة بسرعة في الجزيرة وانتقلت إلى أنماط أكثر حداثة وذقنا طعم الراحة .
ويقول الإنجازات الهائلة والمشاريع الضخمة في الجزيرة بدأت عام 1978 ويوجد بها الآن عدد كبير من المساكن الشعبية التي وزعت على المواطنين، إضافة إلى مستشفى حديث وطرق داخلية معبدة وموانئ متكاملة لرسو مراكب صيد الأسماك، ومحطة ضخمة لضخ المياه العذبة وأخرى لتوليد الكهرباء وجمعية تعاونية وفرع لجمعية نهضة المرأة الظبيانية .
ويقول المواطن محمد فرج القبيسي (70 عاماً) ولدت في ليوا في محضر الظويهر وخرجت للغوص في جزيرة دلما مع والدي وخالي عندما بلغ عمري 12 ربيعاً . ويتابع وجود الماء جعل من الجزيرة أكبر وأشهر سوق للؤلؤ في المنطقة قبل انهيار اللؤلؤ الذي بدأ تدريجياً منذ أواخر العشرينات ولكن عمليات الغوص والاتجار باللؤلؤ الطبيعي استمرت قبل ان تلفظ أنفاسها الأخيرة، فقد دأبت سفن الغوص على الخروج لأداء عملها ولكن بتناقص واضح في أعداد السفن سنة بعد أخرى ولكن اكتشاف النفط وبدء تصديره من البحرين والكويت والسعودية وقطر عجل بشكل واضح إعلان انتهاء زمن الغوص، ويواصل امتهن سكان الجزيرة صيد الأسماك كمصدر رئيس للغذاء وتشتهر الجزيرة بصناعة القراقير وشباك الصيد أو ما تسمى بالغزل والتي تختلف أنواعها حسب أنواع السمك فهناك الغزل الخاص بالكنعد . (وام)