يمتد الميدان العريق وهو من أكبر ضواحي دمشق على الإطلاق من جهتها الجنوبية على مساحة 120 كم مربع، ويقطنه نحو مليوني نسمة . وشأنهم شأن سكان الأحياء القديمة في دمشق يتصف سكان حي الميدان بالنخوة والشهامة والكرم والشجاعة ويعتبرون مثالاً لطبيعة الحياة الاجتماعية التقليدية في دمشق، حيث مازالت هذه الحياة العريقة قائمة بجميع عادتها وتقاليدها الأصيلة، وأخلاق أهلها وتكافلهم الاجتماعي وترابطهم في جميع الظروف، والميل الكبير إلى الحشمة والتدين ونبذ عادات المدنية الحديثة من التحذلق أو التباهي بالمظاهر المادية الجوفاء .

يختلف المؤرخون حول التاريخ الحقيقي لتأسيس حي الميدان، فبينما يقول بعضهم إنه يعود إلى ما قبل 400 عام، يعتقد البعض الآخر أنه يعود إلى العهد الفاطمي، بالاعتماد على ما ورد في كتاب المذيل في تاريخ دمشق لحمرة بن أسد بن علي بن محمد التميمي، الملقب بأبو يعلى الذي مات في دمشق ودفن في سفح جبل قاسيون، ويؤكد هذا بعض المصادر التاريخية الحديثة التي ذكرت بأن مسجد فلوس الذي يقف راسخاً في حي الميدان ويعتبر من أقدم الجوامع الدمشقية هو الوحيد الباقي من العهد الفاطمي، ويعرف في الوقت الحالي بمسجد زاوية الرفاعي وتشير هذه المصادر إلى أن العهد الفاطمي لم يترك أثاراً عمرانية في الشام إلا النزر اليسير مثل صخرة الربوة التي نقشت فوقها كتابة كوفية تحمل اسم الخليفة الفاطمي المستنصر سنة 444 هجري، وضريح السيدة فاطمة بنت أحمد السبطي . كما ذكر الميدان في القرن السادس الهجري، في كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر . ولكن ثمة رأياً للباحث عيسى اسكندر المعلوف مفاده أن الميدان يعود إلى أقدم من ذلك، وتحديداً إلى العهد الأموي، فيقول: وعقد الوليد بن عبدالملك ميداناً لسباق الخيل، ولايزال ذلك المضمار إلى يومنا يعرف بال ميدان، وهو من أحياء المدينة المشهورة في قسمها الجنوبي وقد سمي بذلك لأنه كان ميداناً رحباً واسعاً، تقام فيه سباقات الخيل وجميع ضروب الفروسية من مبارزة ورماية ومصارعة . إلا أن الميدان لم يكن مقتصراً على هذه السباقات كما يرى الباحث الفرنسي جان سوقاجيه، بل كان ينزل فيه ويخيم كل من تضيق المدينة على إيوائه من الناس، كمواكب الأمراء والوفود والجيوش والقوافل .

أقسام الحي

والثابت لدى مؤرخي القرون الوسطى أن حي الميدان أخذ شكله الحديث في العهد العثماني، وكان مقسماً إلى ثلاثة أقسام: أولها الميدان التحتاني المواجه لمنطقة باب المصلى، وبدايته من السويقة، ويشمل بداية طريق الحج المعروف باسم الدرب السلطاني، وعرف أيضاً باسم ميدان الحصى بسبب تربته المفروشة بالحصى، لوقوعه على مفاض سيل فرعي بردى القنوات والداراني، فكانت أرضه في سنوات المطر الغزير تنساح بالحصى المترسب في مهد السيل . ومن احيائه خان المغاربة، وزقاق الأربعين، وزقاق الاورفلي، وزقاق النقشبندي، والقبة الحمراء، والتيامنة، وزقاق القملة، وقاعة النشى، وزقاق الموصلي، والتنورية، والقرشي، والعسكري، والمحمص، وزقاق البصل، والقبيبات . وفيه جامع النارنج وجامع صهيب، وجامع الزاوية، وجامع القواص، والرفاعي، وجامع منجك، والكريمي المعروف اليوم بجامع الدقاق، ومدرسة الخانكية، ومدرستان أميريتان للبنين والبنات . وفيه أيضاً حمام الزين، وحمام السويقة، وحمام سنقر، وحمام الناصري، وكنيسة للروم الأرثوذوكس باسم القديس حنانيا، وكنيستان للروم الكاثوليك، ومدرسة لكل منهما، وفي هذا القسم من حي الميدان كانت تباع الحبوب بأنواعها، في حوانيت فسيحة يسميها أهل الشام بوايك، وفيه أهراء كبيرة لخزن الحبوب، ويضم كثيراً من الخانات والأحواش لربط الدواب والجمال ولايواء الفلاحين، إضافة إلى مصانع متعددة ومعامل للنسيج والحياكة وقاعات للنشاء . ثم الميدان الفوقاني، ويقع في منتهى المدينة من جهة القبلة، ويمتد من سوق الجزماتية إلى باب مصر . ويضم من الأحياء والمحال: سوق الجزماتية، الحقلة، ساحة عصفور، ساحة بحصيص، والراقية، وزقاق الطالع، وزقاق البرج، وزقاق الماء، وزقاق أبي حبل، والمشارقة، والحارس والجمالة، والقلاينية، والنصار، وزقاق قيصر، وفيه أيضاً جامع الدقاق، وزاوية الشيخ سعد الدين الجباوي، ومسجد العسالي، وحمام الدرب، وحمام التوتة، وحمام منجك، ومعمل السكة الحديدية الحجازية، ومحطة سكة حديد بيروت وتمديداتها، والثكنة المتطوعة، والثكنة العزيزية . بينما القسم الثالث أطلق عليه الميدان الوسطاني .

المعروف لدى أهل الشام عن حي الميدان، أنه كان يزدحم بالجموع الغفيرة أربع مرات في السنة: مرة عند خروج محمل الحج المبارك من أقصى الميدان الفوقاني إلى الحجاز، والثانية عند خروج موكب الجردة الذي يحمل المؤن لقافلة الحج إبان رجوعها، والثالثة عند رجوع الجردة ومعها مكاتيب الحجاج، والرابعة عند الخروج لاستقبال مركب الحج، وكانت ترافقها الأسواق الموسمية الحافلة بشتى أصناف الأطعمة والألبسة ولوزام الحياة إجمالاً، وقد نشأت حركة اقتصادية كاملة على حركة قافلة الحج، ما أفرز مهناً دائمة على مدار المواسم، مثل: متعهدي المطايا أو كما كان يطلق عليهم قديماً القاطرجية والحمالين، والأجراء، والأدلاء، والسقاة، والحراس، والمهاترة المسؤولين عن نصب الخيم . يشتهر حي الميدان بالكثير من بنيته الهندسية وخاصة زواياه الفريدة إلى جانب عدد كبير من آثاره المائلة إلى أيامنا هذه، ومنها: جامع منجك، المدرسة القنشلية، الزاوية السعدية، تربة أراق السلحدار، تربة التينبية، تربة الشيخ حسن بن المزلق . ومن آثار العهد العثماني في الميدان: جامع مراد باشا من أواخر القرن العاشر الهجري، وحمام فتحي من القرن الثاني عشر الهجري، إضافة إلى العديد من الدور الفخمة ومن أجملها وأشهرها دار الموصلي ودار البيطار، اللتان هدمتا مع عدد كبير من الأبنية الأخرى في أواخر السبعينات عند شق أوتوستراد يعرف اليوم بطريق المتحلق الجنوبي .

جماعة الفتيان

تاريخياً، كانت حماية حي الميدان موكلة دائماً إلى جماعة من شبان الحي عرفوا بلقب الأحداث، أي الفتيان، وكانوا النواة الحقيقية للمقاومة الشعبية ضد الغزاة، وقد اتصفوا بالجرأة والصلابة وسرعة الحركة والمناورة، وكانت لهم تنظيمات شبه صوفية تقوم على مبدأ الفتوة بما تحمله من معاني النجدة والفداء والاستماتة في الدفاع عن الوطن والعرض، وصدق الكلمة، والوفاء بالوعد . وهؤلاء الأحداث كانوا في الواقع الأصل القديم لفئة القبضايات والزكرتية وهذه التسميات شاعت في العهد العثماني . وفي أثناء الاحتلال الفرنسي لسوريا حارب أهل الميدان إلى جانب أشقائهم أهل الشاغور وبقية أحياء دمشق والمدن السورية قوى الاحتلال بضراوة، وكان لهم دور بارز في استقلال سوريا .

اشتهر من أهل الميدان عدد من الأسر العريقة منهم: العابد، سكر، البيطار، الحكيم، المهايني، دعبول، حبنكة، النوري، حتاحت، الرفاعي، الجباوي، الحملي، سرحان، خطاب، الميداني، الصباغ، الساسة، الغبرة، البرغلي، أبو حرب، سحلول . إلى جانب مجموعة من العلماء الأفاضل، منهم: المجاهد الشيخ محمد الأشمر، الذي نفته القوات الفرنسية خارج دمشق، والشيخ حسن حبنكة الميداني، والشيخ حسين خطاب، والشيخ محمد كريم راجح، ومن أعيانهم المجاهد أبو صياح الحرش والمجاهد غالب بحصاص، ولايزال أهل الشام يرون في أبناء الميدان صفات النخوة والكرم والحمية ويعبرون عن ذلك في بعض أمثالهم الشعبية المأثورة عن الشهامة الميدانية .

مطبخ متميز

إضافة إلى هذه الأصالة التاريخية، يتميز حي الميدان بمطبخه العريق حيث ينتشر فيه الكثير من محال الحلويات والمطاعم، التي تقدم أطعمة من جميع الأنواع والألوان الشرقية والغربية . ولايزال أهل دمشق يفضلون ابتياع اللحوم والسمن العربي والقشدة وسائر المشتقات الحيوانية من حي الميدان، إضافة إلى أصناف الحلويات الشامية الشهيرة، كالكنافة والمغشوشة والنمورة والقطايف والمبرومة والآسية والبرازق والغريبة، وبالإجمال يمتد شارع المطبخ الميداني لمسافة 2 كم تقريباً، ويشهد إقبالاً كبيراً من السياح الأجانب والعرب، بينما يزدحم طوال شهر رمضان وأيام العيد بالمشترين والمتذوقين للحلويات الشامية والمأكولات الشعبية التي يشتهر بها حي الميدان وخصوصاً في شهر الصوم الكريم .

هذا الموجز البسيط يختصر القليل عن أصالة وعراقة حي الميدان في دمشق العاصمة السورية، إلا أنه من دون شك لا يفي بمسيرته الحضارية عبر العصور، وأوابده المعمارية المهمة، وتاريخه الشعبي ودور أهم عائلاته في سيرة دمشق، على صعيد العلم والدين والتربية والجهاد والفنون والصناعة والاقتصاد .