ليس مستغرباً أن يدعو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى التسلح بالطاقة الإيجابية، فها هي دبي وفي ظل قيادته لمختلف جوانب الحياة فيها تشمخ بعظمة بين غيرها من المدن بالنهضة الحضارية والعمرانية، والاقتصادية، والثقافية، التي تشهدها .
تمسك سموه بالطاقة الإيجابية، التي يتركز جانب منها على معرفة المرء لما يريد، والسعي بقوة وراء الأهداف لتحقيقها، ما هو في حقيقة الأمر سوى انعكاس لما يتمتع به سموه من دوافع داخلية إيجابية مشرقة، انعكست عملاً وإنجازاً ملموساً بفخر على أرض الواقع، وكانت بمثابة المحرك الأساسي نحو التميز، والعلو، والتطور، وتحقيق كثير مما قد تستصعب أذهان البعض بدءاً مجرد قبوله، وبالتالي ترى الاستحالة في تنفيذه أو تطبيقه، عاكسة بذلك تراجعها، وتخاذلها، وتقاعسها، وضعفها، ويأسها، ومسجلة نفسها بهذا في خانة الطاقة السلبية المتقزمة .
والطاقة الإيجابية تعني أن نافذة الأمل مشرّعة دائماً أمام صاحب هذه الرؤية المتفائلة، الآمل خيراً في الغد قبل اليوم، فالأحزان لا تتخطى عتبته النفسية، لقبوله بالقضاء والقدر، ولقناعته الإيمانية العالية، بأنه لا رادّ لقضاء الله في أي من طوارئ الأمور، وخطوب الأحداث، لذا فعبوره الأزمات أياً كانت يكون سريعاً، بل وتاركاً نفسه الواثقة مزودة بشحنات إيجابية إضافية من الانشراح، والإقبال على العمل، والإنجاز، والعطاء المتدفق، فيما وعلى العكس يأتي صاحب الطاقة السلبية بكثير من التراجع الذاتي، إذ يكون عادة صاحب نفس شحيحة التجاوب مع أي من المجريات، حتى المفرح منها، فالسلبية تعني الانهزام النفسي الداخلي، والنظرة السوداوية، والانغلاق على الذات في حزن، واكتئاب يتصدران ما عداهما، بل ويطغيان على تعامل صاحبهما مع الآخرين، فيصبح بمثابة قوة منفرة من التعاطي، والتعامل معه، وفي أغلب الأحيان يعكس ما بداخله على ما ومن حوله، فيخيم بانهزاميته على الأجواء، ويصبح مصدراً للتعاسة، جاذباً للتراجع، والانسحاب إلى الخلف، وليس دافعاً للتقدم إلى الأمام، والإحساس بالتفاؤل، والسعادة، والتأمل خيراً في ما هو آت .
وللطاقة الإيجابية دور كبير في شحذ الهمم، وتعزيز الدافعية الذاتية، التي تنعكس إيجاباً على المجموع العام، وتحدث أجواء مفعمة بالرغبة في العطاء، والإجادة، والابتكار والإبداع في العمل، والحقيقة فهذه الإيجابية في التعاطي مع المفردات الحياتية هي ما يحتاج إليه الفرد بشدة، خاصة حالياً في ظل المصاعب المعيشية، وكثير من الهموم التي تتسيد حياة البعض، لذا فوجودها من الأهمية بمكان، وعن ذلك نتحدث في تحقيقنا الآتي، الذي نقف فيه على حتمية تمتع المرء بهذه الطاقة، وكيفية اكتسابها، وانعكاسها العام على تطور العمل، والصعود بالأداءات إلى المستوى الأعلى، وضرورة تمتع القيادات الوظيفية بالإيجابية في التعامل مع المرؤوسين، لتحصيل القدر الأكبر من الإنجاز المتحضر، للمهام التي يتم تكليفهم بها على اختلافها .
عوامل مختلفة
تذكر أن أفكارك من صنعك أنت، ولن يستطيع أي إنسان على وجه الأرض أن يغيرها لك، ولكنك الوحيد القادر على تغييرها، وجعلها تخدمك، وتساعدك على الاتزان والسعادة، هذا القول الذي يعد بمثابة شعار هو ما دعت إليه د . آمال حجازي المستشارة في الإرشاد النفسي، التي تؤكد أن الإيجابية تتطلب بشكل أساسي الإيمان بالله عز وجل، والاستعانة به، والتوكل عليه، والاعتقاد والتوقع الإيجابي، والتركيز على الحل عند مواجهة الصعوبات، وعدم الخضوع لما قد تسببه من تأثير سلبي في الجانب الروحي، والصحي، والعائلي، والاجتماعي، والمهني للفرد، والاستفادة من التحديات، والثقة في النفس، والعيش بالأمل، وغير ذلك .
وتوجهت إلى أن التفكير السلبي أخطر مما يتصور أي إنسان، حيث يجعل الحياة سلسلة من المتاعب، والأحاسيس، والسلوكيات السلبية، كما يفتح ملفات العقل السلبية كلها، ويسبب الأمراض النفسية، والعضوية، والتعاسة، ويؤدي إلى ضياع فرص العمل، وبالتالي يحدث الفشل، علاوة على أن البرمجة السلبية هي التي تجذب الإنسان إلى الخلف، ولا يستطيع معها الحركة، والسير إلى الأمام، والتقدم، والنمو .
وكما تبين الأسباب التي تقف وراء التفكير السلبي، فإنها تتركز على عدم وجود أهداف محددة للإنسان، حيث هناك أشخاص لا يعرفون ما يريدون، وأشخاص يعرفون ما يريدون، ولكنهم لا يفعلون أي شيء للحصول عليه، فيما من يعرفون ما يريدون، ولديهم أهداف محددة، لكنهم لا يثقون بقدراتهم، وأيضاً فهناك أشخاص يعرفون بالتحدي ما يريدون، ولكنهم يتأثرون سلباً بالعالم الخارجي، وفي المقابل فهناك النوع الإيجابي الذي ذكره صاحب السمو نائب رئيس الدولة، وهم الأشخاص الذين يعرفون ما يريدون، ويذهبون وراء أهدافهم بقوة حتى يحققوها، وهؤلاء يثبتون أنفسهم، ويحولون أحلامهم إلى إنجازات مميزة .
وأيضاً فهناك أسباب أخرى وراء السلبية منها الاعتياد على الشيء مهما كان، وهو الروتين السلبي، الذي يؤدي بالفرد إلى الإحساس بالضيق، وفقدان الأمل والدافعية، وكذا عدم الاهتمام بكل ما ومن حوله، فضلاً عن المؤثرات الداخلية والخارجية، التي تفرز السلبية أو الإيجابية، ومن أخطرها التقبل الذاتي، الذي من الممكن أن يكون بمثابة قوة عمل مع أو ضد الفرد، وأيضاً المزاج المنخفض أو المرتفع، والذي وفقاً لطبيعته قد يسبب للفرد مشكلات مع نفسه أو مع الآخرين، وكذا الصحبة السلبية التي تسهم في التركيز على السلبيات، فمن يعيش في محيط سلبي، تصبح حياته سلسلة من المتاعب، والعكس، علاوة على ما لوسائل الإعلام من دور في إرساء الإيجابية بين أفراد المجتمع، أو العكس وفقاً لما تعرضه، وغير ذلك .
ثقافة اجتماعية
والطاقة الإيجابية يمكن تحويلها إلى ثقافة اجتماعية، إذا آمنا بها، وبذلك فهناك انعكاس آخر على الواقع المجتمعي، حيث ووفقاً لقول د . سعاد العريمي أستاذ مساعد قسم علم الاجتماع في جامعة الإمارات، فالعلاقات بموجب هذه الطاقة تسير على منوال تصاعدي، في التأثير في الآخر، ويأتي هنا دور البيئة الاجتماعية في إنتاج الطاقة الإيجابية، إذا كانت محفزة، ويحدث العكس إذا كانت مثبطة، فيما يكون تأثير الطاقة الإيجابية اجتماعياً رغم أن مبعثها فردي .
ويقول علماء النفس إنه إذا صادق الفرد شخصاً مكتئباً، فمشاعره السلبية تتصدر إلى الآخر، فمثلاً الإحباط، والانكسار، من المشاعر الفردية، التي تتحول إلى دوائر، أي إلى مجموعة من البشر، وتؤثر في الجماعة، فيما تنعكس الحالة الإيجابية على المجموعة بشكل أسرع، لأن الناس يحبون تلقي الفرح، وبالتالي ينعكس ذلك على الإنتاج، فإذا وجدت الطاقة الإيجابية في مصنع، أو معمل، أو حقل زراعي، يحدث تفاعل إيجابي، ويتضاعف إنتاج الأفراد، والعكس صحيح إذا كان المؤثر سلبياً .
والطاقة الإيجابية تتولد من خلال الإيمان بالشيء، فعندما نؤمن بشيء نعطيه الثقة، وبالتالي يكون لدى الفرد حافز، يحول قدراته كافة إلى طاقة إيجابية منتجة، والحقيقة فهذه الثقة موجودة في الدولة بين أفراد المجتمع والحاكم، فالشعور المتبادل بذلك معزز بشكل كبير بين القيادة والشعب، بما يجعله متفائلاً وسعيداً، فيما إذا فقد الشعب ثقته في حاكمه يصير محبطاً، وتتولد الطاقة السلبية، عدا ذلك فالطاقة الإيجابية تنعكس على المجتمع إجمالاً، وتحفز الإنتاجية، والإبداع والتميز، خاصة إذا وثق الناس ببعضهم بعضاً، والحقيقة فلدى بعض المجتمعات بيئة دافعة، وحاضنة للأفراد، تؤهلهم لأن ينتجوا طاقة إيجابية، وبعضها مثبط ومحبط، يكون السبب في تكاثر الشعور السلبي .
الفريق الواحد
وللطاقة الإيجابية دور كبير في ترسيخ وقبول فكرة العمل الجماعي، والعمل بروح الفريق الواحد، والإيمان بفاعلية ذلك، في النهوض بالأداء إجمالاً، إذا تمتع القائد بهذه الطاقة الدافعة، التي تجعله شريكاً لمرؤوسيه في إدارة العمل من دون مركزية، وتسلط، حيث يؤكد محمد بن هندي رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، أن تمتع قائد الفريق أو الجماعة بالطاقة الإيجابية يؤدي إلى إرساء أجواء من الراحة، والهدوء على العمل، بما يفرز منتجاً متميزاً، حيث من الأهمية بمكان تجرد قائد العمل من الأنا العالية، والإيمان بالعمل بروح الفريق، وإعطاء كل عنصر في العمل من الأكبر للأصغر، الدور الواجب في الأداء، والإنجاز، والتميز، وإشعار الآخر بأهميته، وقيمته، ومراعاة ظروفه، ومشاركته في اتخاذ القرار، والأخذ بيده، والاستماع إلى المبادرات، بما يؤدي إلى إحداث حالة من الرضا العام، الذي ما هو إلا جانب مهم من الطاقة الإيجابية، التي بالتالي تنعكس على مرتكزات العمل والحياة ككل، فإذا تمتع القائد بهذه الصفات، تحقق الرضا النفسي للآخرين، وحدثت حالة من السكينة انعكست إيجاباً على عطائهم .
ويرى أن هناك أدبيات إيجابية لا بد من مراعاتها في منظومة العمل والحياة إجمالاً، على رأسها تجنب التعالي على الناس، وتقدير طرح الآخر لرأي ما، أو وجهة نظر سواء كانت كبيرة أو صغيرة، فعالة أم غير ذلك، وإحساسه بالأهمية، وبأنه شريك في العطاء، لاسيما أن الحياة نفسها شراكات مختلفة سواء في العمل، وفي البيت، وفي الأسرة، ومع الأصدقاء، وخلاف ذلك، مع وجوب التخلص من السلبية التي تفرزها هموم الحياة، والتي يجب تخطيها بالأمل، والتفاؤل، والرضا بما كتبه الله تعالى، فالحياة لم تجبل على توفير السعادة الدائمة للإنسان، ولكن القبول بماهيتها، وما فيها من أفراح وأتراح، وأيضاً لا بد أن يرضى الفرد عن ذاته، وتكون لديه القدرة على إعادة التوازن مع نفسه والآخرين، وأن يتواصل إيجابياً مع الآخرين، ويعوّد نفسه العفو، والتسامح، ولا يضخم الصغائر، ويكون متزناً في حياته، وبمجمل هذه الأمور تتعزز لديه الطاقة الإيجابية، التي تدفعه إلى الأمام، وتساعده على الإجادة والتميز .
صفات القائد
يقول حمد المزروع مدير عام دائرة التسجيل العقاري: نحن اليوم نتعلم القيادة وصفات القائد في المدارس والمعاهد والجامعات وكل يوم تطالعنا الدراسات بنظريات وعلوم جديدة في القيادة، وهي في الأساس صفات قائد الأمة رسولنا الذي بعث رحمة للعالمين منذ أربعة عشر قرناً، فمنه تعلمنا أن الإخلاص والإتقان في العمل يحققان النجاح، وأن حب الناس وقضاء حوائجهم هما القيادة، وأن البذل والعطاء هما من مفاتيح التميز .
فالقائد هو من يتصرف بالحكمة والاتزان وبروح إيجابية، وهو من يخلق جواً من الحماسة والتحفيز في العمل، ليمد فريقه بدفعات من الطاقة والإيجابية والرغبة في العطاء .
فليس كل ذي منصب قائد، فالقائد الحقيقي ناجح في أي موضع يوضع فيه سواء أكان رئيساً أم جندياً، وهو الذي يبقى على اطلاع بالأحداث من حوله، يثقف ويطور من نفسه، ويقرأ في مجال تخصصه، ويكون صاحب ثقافة عالية، والقائد الإيجابي ليس بالضرورة أن يكون أذكى المجموعة، لكن لا بد أن يكون عميق الفكر، ذا نظرة ثاقبة شجاعاً في اتخاذ القرار، يسخر جهده لإبراز رؤية مؤسسته، ويتبناها بإخلاص .
منهاج متخصص
قال د .علي بن حنيفة مدير مركز تدريب وتأهيل العاملين في المنطقة الشرقية: الطاقة الإيجابية عبارة عن قوة العزيمة المتولدة في العقل الباطن للإنسان وجسده كاملاً، وخاصة في موضع القلب، وإذا أراد الشخص أن يفجرها، فالأمر بيده، ولكن يحتاج إلى واقع وهدف يستطيع من خلاله أن يكون وينتج هذه الطاقة الإيجابية، بشرط أن يكون هناك ما يحفزه، ويسانده ويدعمه، ليطور ما بداخله من طاقة إلى الأفضل .
ولكي نحقق أثراً ملموساً للطاقة الإيجابية على الموظفين في الحكومات والمؤسسات، سواء كانت اتحادية أو محلية، أو في القطاع الخاص، وفي مختلف المجالات، فلا بد أن نهيئ الجو الوظيفي بشقيه النفسي والإداري للموظف، والبيئة المناسبة التي يستطيع من خلالها تفجير وإظهار الطاقة الإيجابية الموجودة لديه، وتوظيفها في أدائه للعمل الميداني، سواء كان فنياً أو إدارياً، ونقترح وضع منهاج بمسمى كيفية تحضير الإنسان للطاقة الإيجابية، يتم تدريسه للطلاب في المراحل الدنيا والعليا، مع تخصيص فصل دراسي في جامعات الدولة كافة لذلك .
والحقيقة فبيئة ومناخ العمل في الدولة يشجعان بشكل مباشر على تفجير الطاقة الإيجابية، خاصة للدعم الذي يتلقاه الجميع من صاحب السمو حاكم دبي، فإذا نظرنا إلى هذا الرجل المعلم من خلال سيرته اليومية، نرى بأم أعيننا أن الطاقة الإيجابية كاملة متمثلة في سموه، وأيضاً فما نراه اليوم من عطاءات وزارة التربية والتعليم، وما يقدمه كثير من العاملين في الحقل التربوي، والتغيير الشامل في المناهج وطرائق التدريس، والمستوى المتقدم الرحب في ذلك، الذي انعكس على النتائج التربوية والعلمية للطلاب في جميع أنحاء الدولة، يعتبر دليل هذه الطاقة الإيجابية لدى جنود الميدان التربوي، خاصة في مجال التدريب والتأهيل .