يقول العالم الفيزيائي ميشيل دي بوديستا البريطاني إن مهمة الوصول إلى أقصى درجة للتجمد قد تبدو بلا نهاية ومحفوفة بالمخاطر وتعتبر من الروائع العلمية بالوقت نفسه .
فمنذ الصغر بدأنا نتعلم كيف نقيس درجات الحرارة باللمس، وكان آباؤنا يؤكدون أن غرف النوم لا يجب أن تكون ذات حرارة مرتفعة، ومع تقدمنا بالعمر بدأنا بقياس درجات الحرارة بالأرقام من خلال تعلمنا في المدارس، وأدركنا من خلال إحساسنا بحرارة أي مادة أن الماء يغلي عند 100 درجة مئوية، وأنه يتجمد عند الدرجة 0 مئوية، كما أصبحنا نعلم إذا كانت درجة حرارة الطقس في الخارج 20 درجة فهذا يعني أن الطقس معتدل وإذا تعدت درجة الحرارة إلى 37 فهذا يعني أننا في مناطق شبه صحراوية .
يمكننا قياس الحرارة من خلال وحدات قياس عديدة منها الكلفن وهو المقياس المعتمد من قبل المنظومة العالمية SI وهو مقياس كثير الاستعمال في الميادين العلمية، وسليسيوس (C) وهو المقياس الرئيس المعتمد في حياتنا اليومية في أغلبية دول العالم ويشار إليه أيضاً درجة حرارة مئوية، والفهرنهايت (F) وهو المقياس المعتمد في الولايات المتحدة الأمريكية .
أما درجة الحرارة المطلقة أو درجة التجمد المطلقة وهي (كلفن) ونقصد هنا بالمطلقة أي عندما تنعدم عندها ضغط الغاز أي أن درجة حرارة المادة فيها أقل ما يمكن أن تصل إليه على الإطلاق . واكتشف العلماء اقل درجة حرارة يمكن الوصول إليها هي 15 .273 درجة سيليسيوس أو مئوية تحت الصفر .
ومنذ اكتشاف العلماء لهذه الدرجة في القرن ،19 بدأت الدراسات بشكل أوسع لدراسة هذه الظاهرة الفيزيائية . ونال العديد من العلماء على أثر دراستهم للصفر المطلق جوائز نوبل .
إن معرفة قياس مفهوم الحرارة يجعل الأمور تبدو أسهل فالعديد من العلماء أمثال غاليليو واسحق نيوتن وروبرت بويله كانوا يعتقدون أن الحرارة هو نوع من السوائل المائعة وكانوا يسمونه (المسال الحراري)، كما أن الكثيرين من العلماء كانوا يعتقدون أن البرودة هي ذرات مخزنة .
وظهرت محاولات عديدة لقياس أقصى درجات الحرارة والبرودة وكانت جميعها محفوفة بالمخاطر، كما أظهرت دراسات سابقة أن مقياس درجة حرارة الأجسام تقاس بتمدد السوائل كلما تعرضت للحرارة، لذلك قام العلماء بوضع مادة سائلة في أنبوب رفيع، وقد تبين وضع المادة ودرجة حرارتها في نقطتين مهمتين هما: عندما تعرضت هذه المادة لماء مغلي وعندما تعرضت لجليد مسال، ووجدوا أن المادة السائلة تتمدد بدرجة متساوية لكل درجة زائدة من الحرارة، ولكن لم يستطيعوا التحديد بدقة قياس الحرارة بسبب عدم استخدامهم لمقاييس الحرارة التي لم تكن متوافرة وقتها .
وأول من وجد أقل درجة حرارة يمكن الوصول إليها هو العالم وليام طومسون أو (لورد كلفن) الفيزيائي والمهندس الأسكتلندي وهو من أسس الفيزياء الحديثة ولقد أطلق على اسمه وحدة قياس الحرارة المعادلة ل 1 درجة مئوية وهي الكلفن، كما قام وليام بحساب اخفض درجة حرارة مضافاً إليها المادة عندما تتوقف حركة الجزيئات بداخلها وهو ما يسمى بالصفر المطلق أو مقياس كلفن .
كثرت الأسئلة لدى العلماء حلول أي درجة يتحقق فيها الصفر المطلق، وحاولوا البحث عن إجابة لهذه التساؤلات، وأولهم كان عالم الفيزياء الفرنسي غيلوم امونتونس الذي قام بالتحقق من العلاقة بين الضغط ودرجة الحرارة في الغازات، حيث أثبتت أن ضغط الغاز يزداد بمقدار الثلث تقريباً إذا تعرضت للحرارة، والعكس صحيح .
واستكملت الدراسات بشكل جدي في القرن 19 ومع بداية السباق إلى استكشاف القطبين المتجمدين في الوقت نفسه حيث بدأت الرحلة المجهولة .
أشارت أغلب الدراسات العلمية إلى صعوبة توقيف الذرات عن الحركة لذلك أفضل طريقة هي توقيفها قدر الإمكان وهذا ما يتم في عمليات التبريد التي تحصل في الثلاجات التي نستخدمها في منازلنا حيث يتم تقليل حركة الذرات قدر المستطاع للحصول على برودة جيدة .
وفي أواخر عام 1870 قام المخترع الفرنسي بول لويس كانييه بتمديد السوائل بالبرودة وحصل بهذه العملية على الأكسجين السائل في الدرجة (-183) مئوية كما استطاع الحصول على النيتروجين في الدرجة (-196) مئوية أو كلفن .
كما قام العالم سكوتسمان جيمس بالحصول على الهيدروجين السائل بعد عملية تبريد المادة للدرجة (-250) مئوية، واستطاع هايك كامبرلينغ أونس عالم الفيزياء الهولندي من جامعة ليدن بالحصول على الهليوم المسال في الدرجة (-269) مئوية .
وبعد أن قام العلماء بتحويل هذه المواد إلى سوائل من خلال التبريد بدأت مرحلة جديدة من الدراسات، وفي عام 1911 قام كامبرلينغ بقياس المقاومة الكهربائية لبعض المعادن عند تعرضها للتبريد، فتبين لديه أن المقاومة الكهربائية تنقص بنسبة (15 ) مرة من درجة مغنطتها وقد حصل على إثر ذلك على جائزة نوبل للفيزياء عام 1913 وهذا الاكتشاف لا يزال مستخدماً في أيامنا هذه من خلال صور الرنين المغناطيسي .
كما تمت دراسة الوصول إلى التجمد المطلق من خلال دراسة الحركة الكمية وهي نظرية فيزيائية يتم من خلالها التعامل مع مقياس الذرات والجسيمات الذرية في درجة حرارة منخفضة، حيث يمكن إيجاد هذه النظرية الفيزيائية أيضاً عن طريق تعريض مادة الهليوم فائقة الميوعة للحرارة عن طريق أشعة الليزر .
ربما يبدو الأمر غريباً بعد قرن من اكتشاف كامرلينغ مازلنا نبحث عن ماذا سيحدث بعد الوصول لدرجة التجمد المطلقة أو الصفر المطلق، ولكن الجواب لا يبدو واضحاً إلى الآن فالأمر يبدو وكأننا في غرفة ما وكلما قمت بإنقاص برودة درجة واحدة ستحصل على جواب أوضح ومثبت وهذا نفسه ما يحصل عند تبريد الأجسام والذرات لذلك لا نعلم ماذا سيحصل عند تبريدها لما بعد درجة التجمد الأقصى ألا وهي 15 .273 درجة مئوية .