يغلب على الكتابات الروائية النسائية في الإمارات طغيان ضمير المتكلم المفرد أنا، حيث تروى الأحداث بلسان امرأة متكلمة، يسيطر صوتها على كل الأصوات الأخرى، حتى إن القصة أحياناً تصبح نوعاً من التداعي الحر لهذه الشخصية، فتسبر الكاتبة أغوارها النفسية ونوازعها وآلامها، ولن يجد القارئ عناء كبيراً في الحصول على أمثلة لهذا النوع من الكتابة، بدءاً برواية شجن بنت القدر لسارة الجروان وهي أول عمل روائي لكاتبة إماراتية، مروراً برواية عيناك يا حمدة للكاتبة آمنة المنصوري، ثم لعله أنت لباسمة يونس، وشارع المحاكم لأسماء الزرعوني وللقمر وجه آخر لفتحية النمر وزاوية حادة وكمائن العتمة لفاطمة المزروعي، واللائحة تطول، وحتى في المجموعات القصصية فإن الظاهرة تحضر أيضاً، ونتذكر هنا كتاب مريم والحظ السعيد لمريم الساعدي .
ما الذي يجعل هذا الكم من الكتابة السردية مسكوناً بضمير المتكلم؟ هل هو محاولة من الكاتبة للبوح بما في نفسها، وسرد ذاتها من وراء حجاب شفاف؟ أم هو سعي لسبر أغوار البطلة (المرأة) واستخراج مكنونات نفسها، لإبراز أزمتها، أم أن الأمر يتعلق بنقص في الأدوات الفنية للكاتبة؟
من الوارد أن تكون الكاتبة بحاجة إلى البوح، لأنه سلوك بشري طبيعي، يلجأ إليه الإنسان في حالات التأزم النفسي لكي يفرج عن نفسه، وينزع قنبلة الغضب أو الندم أو الحزن التي تتفاعل في أعماقه، والكتابة هي الوسيلة الأقرب لذلك، خاصة لدى من أعطوا موهبتها، ويمكن بمعنى ما النظر إلى الأدب على أنه بوح كما كانت تقول بذلك المدرسة الرومانطيقية، فقد تحتاج الكاتبة بشدة إلى البوح وتسيطر عليها تلك الحاجة، فتدفعها إلى البحث عن نسق كتابي سردي واصطناع شخصية تخفي تحتها ذاتها، لتقول ما تريد أن تقوله، وهي في مأمن من سهام اللوم أو الاتهام أو الرقيب الاجتماعي عموماً، فإذا كان الرجل الذي يتمتع بقدر كبير من الحرية والسلطة في مجتمعاتنا يحتاج أحياناً إلى هذا البوح النفسي، فمن باب أولى أن تكون المرأة تحتاجها في كل حين، لأنها هي الخاضعة لسلطة الرجل، وكثيراً ما تعاني جور تلك السلطة وتجاوزها لحدودها، حتى يصل طغيانها إلى محاولة طمس إنسانية المرأة، ونفي كل خيار لها، فتنسد أمامها الطرق ولا تجد سوى طريق البوح الإنساني الشجي تلجأ إليه لتفريغ مكنوناتها .
من المحتمل إذاً أن تكون بعض تلك القصص ناجمة جزئياً عن هذا العامل، خصوصاً وأن المجتمع عاش في العقود الماضية فترة تحول عميق، تمثلت في الانسلاخ من نمط حياة تقليدي إلى نمط حياة جديد .
لكن الحاجة للبوح لا يمكن أن تكون العامل الوحيد الذي يصنع تلك الظاهرة (طغيان ضمير المتكلمة أنا)، لأن الظاهرة الإنسانية لا ترد إلى عامل واحد، وطبيعة البشر تتنوع، وتختلف دوافعهم، فلا بد أن تكون هناك أسباب أخرى لهذا التوجه، فقد يكون الدافع إليه فني محض، فتكون الكاتبة أرادت بالتركيز على ضمير المتكلم أن تستنطق بطلتها (المرأة)، وتغوص في أعماقها إلى أبعد الحدود، لذلك تخفي الكاتبة كل الأصوات الأخرى وتصب قصتها عبر قناة واحدة، هي قناة المرأة المتكلمة، وهذا الخيار قد ينجح في حالات معينة فتكتب به قصة جيدة، لكنه في أغلب الحالات يخفق، لأن الرواية تتلبس بذاتية الشخصية الوحيدة، والنظرة الأحادية .
من الأسباب الأخرى لهذا الحضور الطاغي لصوت البطلة أن الكاتبة قد لا تكون واعية تماماً بطبيعة الكتابة السردية عموماً، والرواية خصوصاً، فتدخل إلى الكتابة دون أن تعرف مزالق كل خيار فني، ومحاذيره، وتجد نفسها أسيرة لأقرب خيار وهو أن تترك الشخصية تتكلم على سجيتها، وفي هذه الحالة تقع في مطبات لا تستطيع الخروج منها، ويتحول صوت البطلة إلى انطباعات ذاتية وشكوى ونظرة سوداوية إلى الكون، لأنها تفقد بهذه الأنا النظرة الموضوعية للحياة، وتعوزها القدرة على فصل الأشياء عن ذاتها، والنظر إليها من مسافة، وهذه الحالة نجدها في بدايات بعض الكاتبات، وكثيراً ما تصاحب تلك البدايات نواقص فنية من قبيل عدم إحكام الشخصية، وعدم الإقناعية في الأحداث، وفجائية الحلول، وغيرها .
ومهما يكن من تفسير لأسباب تلك الظاهرة فإنه لا مراء في أن تلك الكتابات على اختلاف مستوياتها الفنية ودوافعها الكتابة، عالجت بصدق واقع المرأة الإماراتية وأسهمت في الدفاع عنها، وفي زيادة وعيها بالحياة .