عرف الإبداع العربي الحديث مجموعة من المبدعين الذين مارسوا العملية النقدية، وأسهموا بدور ملحوظ في التأصيل للإبداع الجديد . وهنا تتبادر أسئلة في هذا الجانب، ومنها: مدى قدرة الأديب على قراءة نص غيره من الأدباء؟ وهل الناقد المبدع (الذي يجمع بين العمليتين النقدية والإبداعية)، أقدر من غيره على قراءة النص الإبداعي؟ أم أن التخصص أمر مطلوب، خاصة أن الناقد لابد أن يكون قارئاً لكل ما هو جديد في النظريات النقدية التي تصدر في أنحاء العالم؟
هنا مواجهة بين شاعر مارس العمليتين هو أمجد ريّان، وناقد وباحث هو نبيل فرج .
د . أمجد ريّان: جيل الرواد لم يشتغل بالنقد الأدبي
يرى الشاعر والناقد د . أمجد ريّان، والذي صدر له حتى الآن أكثر من عشرين ديواناً شعرياً وكتاباً نقدياً، أن طبيعة النقد تختلف عن طبيعة الإبداع، وأن لجوء المبدعين لممارسة النقد يكون عند وجود حاجة ملحة، وهذا ما حدث مع جيل السبعينات في مصر حيث وجد هذا الجيل موقفاً مضاداً من النقاد، فبدؤوا في التنظير لتجربتهم، والمبدع إذا كتب نقداً فإنه يكون أقرب إلى روح النص الإبداعي .
ويرى د . ريّان أنه في الفترات التقليدية كان الناقد يختلف عن المبدع ويقول: في مرحلة الكلاسيكية الجديدة نجد أن حافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، والبارودي لم يشتغلوا بالنقد الأدبي على الإطلاق، بينما كان هناك نقاد متألقون مثل الشيخ حسين المرصفي في كتابه الوسيلة الأدبية، ونقاد آخرون كبار في الشام مثل جبر ضومط، وقساطي الحمصي، ولكن في مرحلة تالية عندما نشأت الحركة الرومانتيكية كانت حركة ثورية، لأنها رفضت المنظورات الجمالية السابقة، وانطلقت في منطقة جديدة تعلمها أبناؤها من هؤلاء الذين رحلوا إلى أوروبا وعادوا، ومنهم عبدالرحمن شكري على سبيل المثال الذي نقل إلينا فكر مجموعة الكنز الذهبي، فنقل إلينا الوهج الرومانتيكي الجديد، وكان تلامذته ومنهم عبدالقادر المازني، والعقاد، وكثيرون غيرهم قد بدؤوا يخوضون تجربة جديدة مختلفة عن السابق، لأن محور الاهتمام الشعري انتقل من الآخر إلى الذات، حتى إن العقاد كان يهاجم شوقي بفجاجة، ويحاكمه من منظور رومانتيكي ناسياً أن شوقي ينتمي إلى فكر جمالي سابق، ولما كان هؤلاء الشعراء المجددون قد انتقلوا إلى مرحلة جديدة، كان عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم بأنفسهم، لأن النقاد في الساحة الأدبية ينتمون لمرحلة سابقة .
إذن دائماً عندما يبدع الشعراء ويكتبون في منطقة جمالية أخرى، لابد عليهم أن يقوموا بالإبداع والتنظير معاً .
وعن شعراء السبعينات الذين كتبوا النقد يقول د . ريّان، الجيل الذي يسبقنا أميل للحس التقليدي الذي يتبع الفترة السابقة، فكان الشعراء غير النقاد فحجازي، وعبد الصبور غير رجاء النقاش، والنويهمي، أما جيل السبعينات فقد اعتنق فكر الحداثة الجديدة، ولأن معظم النقاد السابقين الذين واكبوا حركة الشعر الحر كانوا يرفضون الحداثة رفضاً مطلقاً، فكان على شعراء السبعينيات أن يقوموا بأنفسهم بالتنظير لتجربتهم توضيحاً واستشرافاً للمستقبل، ويبدو أن المسألة توسعت عند بعضهم حتى احترفوا النقد احترافاً كاملاً، ويجيب د، ريّان عن هذا التساؤل:
هل تختلف وجهة نظر الناقد للعمل الأدبي إذا كان مبدعا؟ . . قائلاً: بالطبع ستختلف النظرة اختلافاً كبيراً، لأن الناقد سيكون كبيراً عندما تكبر وتكثر معارفه وخبراته، وبالتأكيد خبراته كمبدع ستضاف إلى حصيلة ما يعرف في الفكر الجمالي والتطبيقي، ومن هنا تكون لديه قدرات خاصة في التعامل مع النصوص الأدبية، ولعل هذا لا يخص نقد الشعر فقط، بل نقد كل الأنواع الأدبية الأخرى، فعلى سبيل المثال الروائي إدوار الخراط مثلاً كناقد روائي لديه فرص أوسع وأدق وأكثر قدرة على اختراق النص الأدبي من غيره من النقاد، وما عليك إلا أن تقرأ نصاً من نصوصه النقدية حتى تتعرف إلى دقة التفاصيل التي التقطها بعين الناقد والمبدع أيضاً .
نبيل فرج:التراث الغربي يحفل بنماذج من المبدعين النقاد
الناقد نبيل فرج يؤكد صاحب المؤلفات العديدة في النقد وتحقيق التراث، أن النقد في حد ذاته إبداع، وأنه من الضروري أن يطلع المبدع على كل النظريات الأدبية حتى وإن لم يكتب نقداً، وأن المبدع إذا كتب نقداً ربما يأخذ ذلك من تجربته الإبداعية، وإن كان الأمر محكوماً بقوة الموهبة وضعفها في البداية أرجو ألا نفرق بين الناقد والمبدع، لأن النقد إبداع كما أن الفن نقد، وكثير من نقاد العالم مارسوا الإبداع وكثير من المبدعين كانوا نقاداً، وأعتقد أن أي مطلع على التراث الإنساني يستطيع أن يجد هذا القاسم المشترك الذي يتجلى بأقصى درجات الوضوح عند شاعر وناقد مثل كوليردج أو شاعر وناقد مثل ت . س اليوت .
والذين يقرؤون شاعراً مسرحياً مثل وليم شكسبير، يستطيعون أن يستخلصوا من أعماله المسرحية نظريته الفنية والنقدية، ولعل نجيب محفوظ على أساس أنه لم يكتب في النقد يستطيع القارئ بسهولة أن يستخلص من أدبه الروائي والقصصي النظرية النقدية التي يأخذ بها، بل إني أشعر أن شاعراً خالداً مثل أبي العلاء المعري وضع يده على الحياة، يملك في نصوصه من النظرات النقدية المتصلة بهذه الحياة وبالفن، ما يمكن أن يجعله ناقداً من طراز رفيع .
ويقول فرج: لا شك أن المعرفة بكل ألوانها سلاح لا غنى عنه سواء للمبدع أو للناقد، غير أن عبء الناقد في معرفة مناهج الفكر الإنساني تعد ضرورة لا غنى عنها، بينما يمكن للمبدع أقولها بحذر شديد أن يكتفي بحسه الجياش بالمجتمع، ومع هذا فإنه يرقى بهذا الحس إلى أقصى مداه .
والشعراء الشعبيون يمثلون هذا المنحى الذي يستمد فنه من الحياة مباشرة .
ويروى عن بعض أدباء الصف الأول في مصر وغيرها، أنهم لم يكونوا يملكون مكتبات ضخمة تزودهم بفنهم، مثلما يكون الوضع بالنسبة للنقاد الذين يتعين عليهم أن يقفوا على مناهج الفكر والثقافة في بلادهم وأنحاء العالم، وهناك من النقاد مثل محمد مفيد الشوباشي الذي نسيته الحركة الثقافية، مارسوا بكفاءة متوازية الشعر والنقد والقصة والرواية والترجمة على أرضية فكرية واحدة أو غير متناقضة .
ولكن البعض يرى أن المبدع إذا عمل بالنقد، فإن ذلك يؤثر بالسلب في إبداعه؟ . . ويجيب فرج: هذه القضية تتوقف على مواهب المبدع، فعندما تكون هذه المواهب طاغية، فإن تراكم المعرفة النقدية قد لا تستطيع أن تؤثر بالسلب في هذه الموهبة .
قوة الموهبة هي التي تحمي هذا الطراز من النقاد المبدعين من ضعف الإنتاج الإبداعي، ولكن في العموم فإن الثقافة التي يحتاجها الناقد قد تجيء على حساب موهبته الفنية، وعلى سبيل المثال الناقد الكبير عبدالقادر القط، ذلك أنه كان في ديوانه ذكريات شباب شاعراً عمودياً رومانسياً، ولكنه كان مع هذا من أكثر المنافحين عن الشعر الحر اقتناعاً منه بأنه أقدر على التعبير عن متغيرات العصر الذي ينتمي إليه .
أما النقد الانطباعي الذي لا يقوم على أسس فكرية، فإن قيمته تكون عادة محدودة بمستوى كاتبه، ويحيى حقي يقدم النموذج الجيد للنقد الانطباعي، وكما نجد في كتابه المهم خطوات في النقد، أما كتابه المهم فجر القصة المصرية، فيعد واحداً من الكتب التي عرفت بالتجارب الأولى بالقصة المصرية .