ربما لا تكون حملات التوعية البيئية في بعض الأحيان كافية لحثنا على اتباع سلوكيات بيئية إيجابية، ولذا فإن لبعض النظريات المنبثقة عن علم النفس الاجتماعي دوراً في إيصال بعض الأفكار البيئية التوعوية، وربما يكون المثال الأكثر شهرة في هذا المضمار ما حدث قبل سنوات عدة في هولندا .
المعروف أن الحمامات (المراحيض) في مطار أمستردام قذرة للغاية، لأن الذكور يتبولون وهم واقفون لا يتخذون الحطية والحذر كي لا يتناثر البول هنا وهناك ولقد عملت السلطات في المطار على إطلاق حملات توعوية تتعلق بهذا السلوك السلبي عن طريق الإعلانات والملصقات والتحذيرات من نقل الأمراض وضاعفت من أعداد الأشخاص العاملين في مجال النظافة والمراقبة، ولكن بكل أسف لم تفلح كل تلك الإجراءات في التخفيف من تلك الظاهرة السلبية جداً في بلد أوروبي يعتبر متطوراً في المجالات كافة تقريباً .
وأخيراً تم التوصل إلى فكرة بسيطة تتمثل في وضع ملصقات تحمل رسومات لذباب في وسط المبولات، وكانت أن انخفضت نسبة رذاذ البول المتطاير بنحو 80% في مراحيض المطار، ويبدو أن هذه الفكرة استرعت انتباه مستخدمي المراحيض في المطار وجعلتهم يحرصون على اتباع سلوك أكثر تهذيباً ونظافة من ذي قبل وذلك دون أن تقام الدنيا ولا تقعد، هذه الفكرة أطلق عليها علماء النفس الاجتماعي مصطلح nudhe أي اللفتة والتي تحولت إلى نظرية في العام ،2008 على يد الباحثين الأمريكيين: خبير الاقتصاد ريتشاد الأول ثالار ورجل القانون كاس سوستين حيث تبين لهذين الباحثين أن الفكرة على بساطتها، جعلت الناس يتبنون سلوكاً بيئياً بكل سلاسة .
يعتقد خبير علم النفس الأمريكي إيلك ويبر أنه من الصعوبة بمكان لفت انتباه الناس إلى مسألة يمكن أن تتحقق في المستقبل البعيد مثل خطورة ذوبان الكتل الجليدية في القطبين على سكان الأرض لأن مخزوننا المحدود من القلق يمنعنا من الإبقاء على مسألة الخوف من التغير البيئي في المستقبل في أدمغتنا بشكل مستمر، وذلك لأن مشكلات أخرى ذات آثار آنية فعلية تطل برأسها لتنسينا تلك المسألة البعيدة نوعاً ما كمشاكل فقدان العمل والأزمة المالية، وبالتالي فإنه للخروج من هذا المأزق، يحثنا الخبراء على إبراز الجهود الفردية وترسيخها في حياتنا اليومية، ففي العام ،2007 مثلاً شرعت إحدى مؤسسات الكهرباء الأمريكية بولاية كاليفورنيا في تزويد عددات الكهرباء بضوء أحمر يضيء بمجرد حدوث زيادة في استهلاك الفرد للكهرباء .
وخلال أسابيع عدة تبين أن نسبة استهلاك الكهرباء خلال ساعات الذروة انخفضت بمعدل 40% عن ذي قبل وحدث توفير لا يستهان به في الطاقة الكهربية المتبددة وغير الملاحظة بشكل فعلي من قبل المستهلك، ولكن يخشى الخبراء من تحول ذلك الضوء الأحمر الذي كان حلاً مناسباً للمستهلكين على المدى البعيد إلى عادة تجعل المستهلكين يتراخون في استخدامه كما كان الأمر في بداية التجربة!
في العام ،2008 واجه الباحثون الأمريكيون في كاليفورنيا مشكلة في عدم قدرتهم على حث المواطنين في هذه الولاية على استبدال أجهزة التكييف في منازلهم بالمراوح ووجهت الدعوة إلى 300 منزل، وقد ركز أحد الباحثين في هذه الحملة على مسألة التوفير المالي الذي يمكن أن يجنيه صاحب المنزل إذا ما نفذ هذا الأمر، في حين ركز باحث آخر على مسألة الإيهام في خفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري، أما الباحث الثالث فركز على نسبة الجيران المستخدمين للمراوح في المنزل، وبالفعل كان تأثير حملة الباحث الأخير على أصحاب المنازل أكثر فعالية فقد انخفضت نسبة استهلاك الطاقة الكهربية بنسبة 10% عن ذي قبل نظراً لأن المستهلك ينظر إلى جاره الذي يريه عملياً فائدة تغيير جهاز التكييف بالمروحة، وفي هذا الصدد تعلق الباحثة كارين ويس أستاذة علم النفس الاجتماعي والبيئوي في جامعة نيم الفرنسية على ذلك بالقول: الناس بطبعهم يحبون اتباع التيار المهيمن الموضة لأنهم ينظرون إليه على أنه معيار اجتماعي كما أنهم يرون أن العمل في الموضوع البيئي لا يكون ذا فعالية إذا كان انفرادياً من هذا المنطلق أصدرت الشركة الأمريكية opower فواتير كهرباء ترسل إلى صاحب المنزل مدعمة بمقارنات بيانية لألف مستهلك مجاور، ومرفق معها أيضاً نسبة استهلاك الأجهزة الكهربية عند كل جار، وكان من نتائج هذه الحملة أن حدث انخفاض في فاتورة المستهلك بمعدل 2% سنوياً أي ما يمثل بالنسبة ل11 مليون منزل توفيراً قدره 150 مليون دولار في فواتير الكهرباء فقط! ولقد استطاع خبير علم النفس الأمريكي روبرت سيالديني تحقيق إنجاز جديد في هذا الأمر، فلكي يختبر مدى تأثير مسألة المقارنة مع الجار في خفض الاستهلاك للكهرباء اعتمد على عملية تزوير الأرقام حيث انطلق الباحث من أسلوب عمل الفنادق التي تقترح على نزلائها من خلال ملصق إعلاني في الغرف عدم تغيير مناشف الحمام يومياً من أجل توفير استهلاك الماء .
كي تحافظ حملات التوعية البيئية على قوتها لكسب الإنسان وتوجيهه نحو السلوك الإيجابي لا تألو جهداً في اختراع طرق جديدة جذابة، فعلى سبيل المثال برمجت جامعة روتجرز بولاية نيوجرسي الأمريكية طابعاتها كي تصدر أوراقاً مكتوباً عليها من الجهتين وكانت النتيجة توفير 7 ملايين ورقة في الفصل الدراسي الواحد أي ما يعادل توفير 620 شجرة، ولقد أظهرت عملية الحرص على الخيار البيئي نتيجة إيجابية في السوبر ماركتات الفرنسية أيضاً فبعد أن تم سحب الأكياس البلاستيكية التي تستعمل لمرة واحدة وتوزع .