صوت الإنسان هو الباب الذي يمكن للآخرين الدخول منه والتعرف إلى بعض ملامح الشخصية، فطبقة الصوت والطريقة التي يتحدث بها الشخص تكشف أسراراً كثيرة عنه منها نوعه سواء كان ذكراً أو أنثى، وبعض ملامح الوجه والبنية، وعمره إذا كان طفلاً أم شاباً أم طاعناً في السن، حتى منصبه في عمله ووضعه المالي، ولكنه في ذات الوقت ربما يخدع الكثيرين، وذلك وفق ما أوردته نيوساينتيست العلمية البريطانية .

عام 1927 ومع الاحتفال بمرور خمس سنوات على بدء بث إذاعة بي بي سي البريطانية، أراد عالم النفس البريطاني توم هيثرلي بير أن يكتشف ما يدور في عقول المستمعين، وانطباعاتهم عن الشخص الذي يقدم البرامج، فقام بتجنيد 9 أشخاص من أعمار مختلفة من بينهم ابنته ذات ال11 عاماً، وأحد رجال القضاء ووزير، وطلب منهم قراءة قطعة من إحدى روايات الكاتب العالمي تشارلز ديكنز، وتم بث أصواتهم عبر إذاعة بي بي سي، وطلب من المستمعين كتابة انطباعاتهم عن المتحدثين، ولاحظ أن عدداً منهم قدموا بعض التفاصيل الدقيقة عن شخصية المتحدثين من خلال سماعهم للصوت، فأحدهم وصف الوزير بأنه تعرض لمعاناة وصوته يبدو أكثر تعاطفاً، وبدأ يصف ملامحه بأنه شخص طويل وأكتافه دائرية ورقبته طويلة وذقنه مدبب، واستنتج وقتها بير أن صوت المرء يحمل الكثير من ملامحه، وأن الطريقة التي يتحدث بها الشخص يمكن أن ترسم صورة واضحة عنه، وأن تسرد بعض الحقائق عن تاريخه، رغم عدم وعيه بذلك أو بالكيفية التي تؤثر بها الانطباعات التي يتركها الصوت في سلوكه .

تقول جودي كيرمان المدير المشارك في معمل الصوت بجامعة كاليفورنيا بمدينة لوس انجلوس الأمريكية- والتي تقوم بإعداد بعض الدراسات عن أسرار الصوت- إن صوت الإنسان هو وجهه المسموع، وإنه يمكن أن يحدد مصداقية الفرد السياسية وراتبه الذي يتقاضاه ورغباته، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن أن تنعكس شخصية الفرد بشكل كامل من خلال صوته؟

يقول الأخصائي النفسي البريطاني توم هيثرلي بير إنه في مختلف الكائنات الحية يتم معرفة نوع المتحدث سواء كان ذكراً أو أنثى، من خلال نغمة الصوت، فالذكور في مختلف الكائنات تتمتع بتجويف صوتي واسع تجعله يبدو أجشاً، ما يجعلها أكثر جرأة على التنافس في ما بينها وطلب التزاوج، ويرجع ذلك غالباً للاختيار حيث تفضل الإناث الذكور ذات الصوت العالي .

ولدى الإنسان الأمر مختلف، فالتجويف الصوتي للذكور يكون أطول بمقدار 20 % عن الإناث، وكذلك لدى الذكور أحبال صوتية أطول، وبفرض أن ذلك يرجع لالاختيار الجنسي فعلى العكس تجد معظم النساء أن الرجل ذو الصوت المنخفض أكثر جاذبية، وكذلك يفضل الرجال النساء ذات الصوت المرتفع، وعندما قام فريق من الباحثين بتسجيل أصوات النساء في مراحل مختلفة أثناء فترة الطمث، وجد أن نغمة الصوت ترتفع بشكل بسيط، كما يبدأ الصوت في التوهج قبل فترة التبويض بيومين .

ورغم الاعتياد على الربط بين نغمة الصوت ونوع الشخص، إلا أن بعض الدراسات أثبتت إمكانية تشابه الأصوات بين الذكور والإناث، وهذا يفسر السبب في أن بعض الممثلين يمكنهم التحول إلى النوع الثاني بمنتهى السهولة خلال أدائهم لأحد الأدوار الكوميدية .

ويحدد الصوت أيضاً عمر الشخص، فكلما كبر الإنسان في السن أصبح أكثر بطأ في الكلام، فهو عندما يتحدث تقل تدريجياً العضلة المتحكمة في نغمة الصوت فيخرج ضعيفاً ويكون اللهاث فيه مسموعاً، وكشفت الباحثة كيرمان أن المستمعين في معملها كان لديهم القدرة على تقييم عمر المتحدث . ومع ذلك فقد كان هناك بعض الاستثناءات مثل طفلة لم تتجاوز الثالثة من العمر قيمها بعض المستمعين على أنها أصغر متحدث بينما قيمها البعض الآخر على أنها أكبر متحدث، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم وضوح مخارج النطق عندها، مما جعلها تتحدث بشكل بطيء، وظهر اللهاث واضحاً في نبرة صوتها .

يرسم الصوت بعض الملامح الشخصية لصاحبه من خلال الطريقة التي يتحدث بها، فقد وصف أحد المستمعين في المعمل مخبراً شرطياً بأنه ذو بنية كبيرة وقوية ولونه متوسط بين الأسمر والأبيض، وشعره غير مرتب، وعندما طلب منه أن يوضح ما يقصده بأن شعره غير مرتب أعطى وصفاً تفصيلياً فقال إنه لا يقصد بذلك أنه مجعد ولكنه لا يتم تسريحه بطريقة صحيحة فيبدو غير مرتب . . وبالفعل نجح عدد من المستمعين في تحديد بعض ملامح الأشخاص من خلال صوتهم، ومع ذلك فهناك بعض الآراء التي ترى أنه من الصعب إقران صور الوجوه بالأصوات التي تصدر من الأشخاص ولكن الدراسات التي أجريت أثبتت العكس حيث استطاع المستمعون ربط صور وجوه الأشخاص بأصواتهم .

ويبدو أن معرفة الحالة النفسية للمتحدث من خلال سماع صوته أمر لم يحسم بعد، فرغم الثقة في أحكام المستمعين إلا أنها تعتمد على الانحياز .

وتحدد طبقة الصوت بعض المميزات الموجودة في الشخص فبالنسبة للجنسين فإن الصوت الأجش ( الذي يتسم بالعمق) مرتبط بالكفاءة العالية والقدرة على القيادة، وأظهرت دراسة أجريت على 800 ذكر يعملون كمديرين تنفيذيين في بعض الشركات الأمريكية أن الأشخاص الذين يتمتعون بصوت عال أجش يكونون في الغالب مسؤولين عن مهام كبيرة في الشركات التي يعملون بها، ويتقاضون أجراً يعادل 190 ألف دولار في السنة بالمقارنة بزملائهم الذكور ذوي الأصوات المنخفضة، بينما يبدو الأمر مختلفاً بالنسبة للنساء، فقوة الصوت وعمقه يجعلان المرأة تبدو أكثر قوةً وحزماً وهذا يكون على حساب جاذبيتها، ويبدو ذلك واضحاً في الانتخابات حيث تتجه الأنظار للمرأة، وتنال عدداً أكبر من أصوات المقترعين إذا كانت تمتلك صوتاً قوياً، ولذلك لم تكن قوة صوت مارغريت تاتشر سراً خفياً على مستشاريها الذين ساعدوها على أن تكون طبقة صوتها أكثر رسمية .

وتعد طبقة الصوت من الأمور الشائكة في الولايات المتحدة لذلك يرى الخبراء وجوب تسديد النصح لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في حالة رغبتها في الترشح للانتخابات الأمريكية في ،2016 لإجراء تعديلات على صوتها .

وفي دراسة أجريت عام 1995 للمقارنة بين طبقات صوت النساء في كل من اليابان وهولندا، تبيّن أن المرأة اليابانية تتمتع بصوت أعلى من الهولندية، ويعكس ذلك عدة قيم ثقافية وعادات مجتمعية منها أن الرجل هو المسؤول عن تدبير نفقات البيت وحماية الأسرة، وهذه من القيم الثقافية التي يحرص عليها المجتمع الياباني أكثر من نظيره الهولندي، وكشفت أيضاً عن أن صوت المرأة في كل من السويد والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وكندا أخذ يزداد جأشاً وعمقاً منذ خمسينات القرن الماضي بأكثر من 20 درجة هرتز .

ويرى بعض الخبراء أن اللهجة التي يتحدث بها المرء تلعب دوراً كبيراً في تقييمه، فالاختلافات اللغوية تساعد على معرفة هوية المرء الثقافية، بينما علماء الانثروبولوجيا يؤكدون أن نطق مخارج الحروف بطريقة مميزة ساعد الإنسان الأول على التمييز بين أقاربه قبل أن يستخدم اللغة المنطوقة أو المحكية، وأن إتقان الصوت يتطلب بعض الوقت، ومع التدريب يصبح أكثر مرونة، وأنه ينمو مع الشخص منذ بدء تعلمه للكلام وهو جزء لا يتجزأ منه مثل وجهه تماماً، وأن تغييره ربما يجعل الشخص يتحول لآخر جديد .