غيب الموت، أمس، أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، بعد صراع طويل مع المرض، وذلك عن عمر يناهز 82 عاماً، وشيع جثمانه المئات من مسجد السيدة نفيسة في القاهرة . ووصف المستشار الإعلامي في الرئاسة، أحمد المسلماني، الفقيد بأنه كان مثالاً ونموذجاً في الإخلاص والكفاءة والوطنية، فظل طوال عمله يعمل بجد ومهنية .
ويعرف أن الفقيد شقيق للخبير الجيولوجي في وكالة ناسا الأمريكية فاروق الباز، والذي كثيراً ما كان يصرح بأنه أخذ على نفسه عهدا هو وشقيقه أن يظل أسامة متحدثاً في السياسة بعيداً عن العلم، وأظل أنا منشغلاً بالعلم بعيداً عن السياسة .
ولد الباز في قرية طوخ الأقلام التابعة لمركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية في العام ،1931 والتحق بجامعة القاهرة ليحصل على درجة الليسانس في القانون في العام ،1954 ليلتحق بالعمل في النيابة العامة لسنوات، قبل أن ينتقل للعمل في وزارة الخارجية في وظيفة سكرتير ثانٍ، ثم وكيلاً للمعهد الدبلوماسي لسنوات نجح خلالها في الحصول على درجة الدكتوراه في القانون العام، من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة عام ،1962 وهي الدرجة العملية التي أهلته للعمل كمستشار سياسي لوزير الخارجية، ويحصل على درجة سفير عام 1975 .
بدأ حياته العملية كوكيل نيابة إلى أن جرى تعيينه كسكرتير ثان في وزارة الخارجية عام ،1958 ثم وكيلاً للمعهد الدبلوماسي التابع للوزارة، اختير بعدها مستشاراً سياسيا لوزير الخارجية، وكان أصغر مسؤول يحمل صفة بدرجة سفير عام 1975 .
ومن وقتها وحتى دخوله رئاسة الجمهورية للعمل مستشارا للرئيس الأسبق، وصف الباز بأنه مايسترو السياسة الخارجية، كونه شارك في العديد من الملفات الحيوية، أبرزها مفاوضات كامب ديفيد، كما تولى الملف الفلسطيني الإسرائيلي مدة طويلة .
وطوال عمله بالرئاسة، حرص الباز على أن يتواصل بدوائر المثقفين والمبدعين، إذ كان حريصا على المشاركة في العديد من الفعاليات إما مشاركا في مداخلاتها، أو مكتفيا بالحضور، دون مداخلات، ما جعله يحظى بتقدير في هذه الأوساط، تزايدت جماهيريا عندما كان يرتاد المواصلات العامة وعلى رأسها مرفق مترو الأنفاق، فضلا عن التجول في الأسواق بمفرده دون حراسة .
وفي سنوات حكم مبارك الأخيرة اتسم دوره بالغموض كمستشار سياسي له، ما كان يرجعه المراقبون إلى آرائه الإصلاحية التي كان يرى فيها ضرورة أن يقدم نظام مبارك على حزمة إجراءات إصلاحية تضمن إحداث تحول جذري في بنية النظام القائم، فضلا عن انه لم يكن يوما منتميا للحزب الوطني الحاكم وقتها، على خلاف العديد من المسؤولين الذين كانوا ينتمون إليه .
ولم تشفع التصريحات التي كان يصدرها الباز بأنه الرئيس (مبارك) لا يعد نجله لتسلم السلطة، إلا أن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن المحاولات التي كان يقوم بها قصر الرئاسة وقتها لتهيئة جمال ليخلف والده في المنصب الرئاسي .
وظلت الحيرة تنتاب كثيرين بشأن الإبعاد الواضح للباز عن آلية صنع القرار في داخل القصر الرئاسي لمبارك، ففيما كان البعض يذهب إلى تعاظم نفوذ جمال والحزب الوطني داخل القصر، فإن آخرين رأوا أن رئيس جهاز المخابرات العامة وقتها، عمر سليمان، هو السبب وراء ذلك، بعدما كان يتم تكليفه بالعديد من الملفات التي كان يتولاها الباز بنفسه، وعلى رأسها الملفان الفلسطيني والإسرائيلي .
ولم يكن غريبا على سكان القاهرة طوال سنوات عمل الباز في السياسة، أن يتابعوه وهو يتريض كل صباح بالقرب من بيته في ضاحية المعادي، أو يصادفوه وهو يقطع شوارع وسط البلد، متوجها إلى مبنى وزارة الخارجية، أو عابرا ميدان التحرير باتجاه النادي الدبلوماسي، من دون حراسة تمنعه من مصافحة المارة، أو تبادل أطراف الحديث مع باعة الصحف في الشوارع المطلة على الميدان، أو رد تحية سائق تاكسي .
لم يقطع أسامة الباز تلك العادة اليومية، وهو الذي كان يشغل حتى وقت قريب ذلك الموقع الرفيع، والذي أصبح بمقتضاه الرجل الأكثر قربا من مبارك، بل والرجل الوحيد الذي كان قادراً على أن يراجعه في بعض قراراته، حتى إن لم يأخذ مبارك بتلك المراجعات، وهو الأمر الذي لعب دوراً كبيراً في اتخاذ الباز قراره الأخير في نهايات العام ،2008 بالابتعاد تماماً ليس فحسب عن مؤسسة الرئاسة، بل وعن السياسة برمتها في بلد كان على وشك الانفجار، وكأنه كان يقرأ المستقبل، ويتنبأ بما سوف يجرى بعد سنوات قليلة .
ربما لن ينسى المصريون وهم يسجلون في كتاب التاريخ، ذكرياتهم عن تلك الأيام العاصفة في تاريخهم الحديث، ذلك المشهد المفعم بالإنسانية والنبل في آنٍ، وعشرات من الشباب يلتفون حول الدكتور أسامة الباز، وهو يدلف إلى ميدان التحرير يوم 7 فبراير من العام ،2011 بصحبة حفيده البالغ من العمر عشر سنوات، متكئاً على يد ابنته وقد أعياه المرض، وكأنما كان يريد أن يبلغ الحشود الهادرة التي تدفقت على ميدان الثورة، بأنه معهم في مطالبهم العادلة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، تلك التي تحدث عنها كثيرًا، وطالب مبارك بالانتباه إليها، والإنصات إلى أنات البسطاء والمحرومين، قبل أن تحجب غيوم التوريث الداكنة الحقائق عن عيني الصقر العجوز .