لا شيء في الكون معروف حتى الآن لدى العلماء يمكنه أن يتحرك بأسرع من الضوء، لكن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا تعكف على صنع مركبة فضائية تسير بأسرع من الضوء بعشر مرات! فما سر هذه المركبة وكيف لها أن تتحرك بهذه السرعة المذهلة؟ هذه المركبة يجري تصميمها والتفكير بسرعتها في مختبر إيجل ووركس على أيدي مهندسين فوق العادة في مركز ليندون جونسون الفضائي في هيوستون في الولايات المتحدة، حيث يعمل هؤلاء على إحداث ثورة في وسائل النقل الفضائي لبلوغ - على سبيل المثال - أقرب نجم إلى الأرض بعد الشمس وهو قنطور الأقرب أو بروكسيما سنتوري (نجم قزم أحمر يبعد عن الأرض نحو 2 .4 سنة ضوئية (40 مرفوعة إلى 10 أس 12 كيلومتراً) خلال أسبوعين فقط بدلاً من السنوات ال 75 ألفاً بوسائل النقل المتوافرة حالياً! ولكن كيف يمكن لهؤلاء أن يتخطوا حاجز سرعة الضوء البالغة 300 ألف كيلومتر في الثانية بهذه السهولة علماً بأن أينشتاين صاحب النظرية النسبية افترض استحالة بلوغ جسيمات المادة مهما بلغ صغرها سرعة الفوتونات الضوئية، وهي الجسيمات التي تحمل الضوء المرئي وكل أشكال الطاقة الكهرومغناطيسية حتى مع توفر كمية لا نهائية من الطاقة!
ولا شك في أن العلماء يعرفون جيداً استحالة بلوغ سرعة الضوء ولكن الفضاء الذي تتحرك فيه المركبة التي يفكرون في تصميمها يمكنه أن يتمدد بسرعات مذهلة تماماً كما حدث قبل 8 .13 مليار سنة، ففي لحظة حدوث ما يسمى بالانفجار العظيم حدث توسع سريع في الكون على غرار بالون نقوم بنفخه . فعلى سبيل المثال أصبحت المسافة بين نقطتين تقعان على بعد سم واحد تبلغ مليارات المليارات من الكيلومترات، كل ذلك حدث خلال فترة زمنية قدرها 10 مرفوعة الى القوة ناقص 35 من الثانية! والحقيقة أن فكرة الباحثين تكمن في أن التمدد المحلي للفضاء سيؤدي إلى حمل المركبة معه، وذلك على غرار الموجة التي تحمل المتزلج فوقها في اتجاه حركتها، ولكن كيف سيتم إطلاق العنان لهذه الموجة الهائلة؟ في هذا الصدد لابد من اللجوء إلى النظرية النسبية التي تقول وفقاً لأينشتاين إن مسار الفضاء - الزمن يتشوه هندسياً بفعل حركة النجوم أو الكواكب وليست الجاذبية (الثقالة) إلا نتيجة سلوك الأجرام في حركتها مساراً منحنياً على خط الفضاء- الزمن، وذلك على غرار شرشف مشدود من كل الجوانب ألقينا فيه كرة حديدية من أحد الأطراف فنجد عندها أن الكرة تحدث في وسط الشرشف انحناء ما يعني أنه كلما كانت الجاذبية قوية زاد ذلك من تشوه حيز الفضاء - الزمن . ولذا يقول العلماء إن هندسة الكون مملوءة بالمطبات التي تجعل في حيز الفضاء - الزمن منحنيات مكونة من خرائط كونية خفية . .!
المادة اللغز
والواقع أن هذه الفضاءات الطيعة لا تنحني لمجرد الانحناء، بل تخضع لمعادلات النسبية العامة التي تسمح للفضاء أن يتمدد في نقطة محددة لحمل المركبة التي نحن بصددها حسبما أكد في العام 1994 الفيزيائي المكسيكي ميجيل ألكوبيير الذي كان أول من تخيل هذا النوع من الدفع الثوري للمركبات الفضائية . ولقد أثبت هذا الباحث بالحسابات أنه إذا ما قمنا بنفخ الفضاء خلف المركبة فإننا نحصل مقدماً على انضغاط بالدرجة نفسها، وهذا يعني أنه عند عبور المركبة في الانتفاخ والانضغاط فإننا سنعود إلى نقطة البداية وهكذا دواليك، ويشير ألكوبيير إلى أن هذه العملية تحتاج لمادة خاصة تجعل الفضاء يتشوه هندسياً لأنه لن يتشوه هكذا من تلقاء نفسه وأطلق ألكوبيير عليها اسم المادة اللغز! ويرى الباحث أن كرتين من هذه المادة تتنافران بدلاً من أن تتجاذبا كما يحدث في عالم المادة الكلاسيكية الخاضعة للجاذبية، بل إن مادة هاتين الكرتين يجب أن تولدا شكلاً من الجاذبية المضادة! ووفقاً لحسابات ألكوبيير فإن المادة اللغز ستحمل طاقة سالبة! ولا يظنن القارىء أن ما يقوله ألكوبيير هو ضرب من الهذيان والخيال، فعلماء الفيزياء الفلكية يعرفون جيداً هذه المادة وهي واحدة من المرشحات القوية لتقديم تفسير منطقي لما يسمى بتضخم الكون في لحظة الانفجار العظيم، كما أنها اليوم المسؤولة عن استمرار توسعه .
المشكلة الكبرى في ذلك أننا لم نستطع حتى الآن التقاط أقل جسيم من هذه المادة، ولذا يعارض الكثير من العلماء وجودها . وقد أظهرت حسابات ألكوبيير أننا سنحتاج إلى ما يعادل كتلة المشتري من هذه المادة لدفع المركبة الفضائية المعنية .
حتى هذه النقطة ربما يبدو الأمر غير مشجع، لكن مؤسس مختبر إيجل ووركس المهندس هارولد وايت المتخصص في الدفع الصاروخي يرى غير ذلك، ففي سبتمبر/ أيلول الماضي وأثناء مراجعته أعمال الباحث ألكوبيير، أكد وايت أنه بامتلاك 500 كيلوغرام من المادة اللغز فقط، فإنه من الممكن حجز المركبة داخل فقاعة يبلغ قطرها 10 أمتار كي تحمل مع الموجة الفضائية بسرعة تفوق سرعة الضوء بعشر مرات! الأمر الآخر أن وايت بدأ بالفعل في صنع نموذج للمركبة التي يتخذ شكلها عجلة السيارة علماً بأنه لا يمتلك حتى الآن المادة اللغز، لكنه يقول إنه من الممكن بفضل مفعول أو تأثير كازيميير توليد الطاقة السالبة من الفراغ!
تقلبات الفراغ المتكررة
الجدير بالذكر أن ظاهرة كازيميير Casimir نسبة إلى مكتشفها الهولندي كازيميير في العام 1948 هي قوى فيزيائية ناتجة عن المجال المكمم وحاول كازيميير منذ نصف قرن فهم سبب بطء حركة بعض الموائع fluids كصلصة المايونيز مثلاً ورأى أنه من ناحية كهروديناميكا الكم يوجد بين لوحين معدنيين غير مشحونين موضوعين في الفراغ وتفصلهما بضعة ميكرومترات تأثيراً ناتجاً عن قوى الفوتونات الافتراضية التي تؤسس المجال وتولد قوة جذب أو تنافر صافية (اعتماداً على وضعية اللوحين) . وتم قياس هذه القوة فعلاً . اليوم، تتراكم الأدلة على أن جل الكثافة الطاقوية للكون توجد في شكل مجهول يسمى الطاقة المظلمة، وهي طاقة نجهل حتى الآن شكلها أو أصلها، لكن يفترض أن لها صلة بتقلبات الفراغ المتكررة vacuum fluctuations التي تشبه تأثير كازيميير، لكن الفضاء هو الذي يولدها بطريقة ما . ويبدو أن هذه الطاقة المظلمة المنتشرة والغامضة لها قوة تنافر جذبوي يؤثر في كل المواد، ما يرجح أنه سيؤدي إلى توسع لانهائي للكون . ويضع الكثير من الباحثين نصب أعينهم فك رموز تقلبات الفراغ . من جهته يعمل الباحث وايت على صنع منطقة من الطاقة السالبة ليمرر فيها شعاعاً ليزرياً ليثبت صحة مبدأ الطاقة السالبة وتأثير كازيميير والقدرة على توليد الطاقة المطلوبة لتحريك المركبة أو بمعنى آخر إحداث تشويه بسيط في حيز الفضاء- الزمن على المستوى المخبري ليتم تطبيقه فيما بعد على المستوى الفضائي . ويضرب وايت مثالاً على تفاؤله الكبير بالقول إن المفاعل النووي الذي شيد في شيكاغو في العام 1942 لم يكن قادراً على توليد طاقة كافية لإشعال لمبة صغيرة لكن في أقل من سنة استطاع مفاعل ثانٍ تزويد مدينة كاملة بالطاقة .