تشكل الحياة بتنوعها الخصب ما بين الأمل والحب والانطلاق، واحدة من سمات الشعر المعاصر لدى الشعوب التي عانت في تاريخها الحديث، شكلاً من أشكال المحو والمصادرة والظلم بشتى أنواعه، ولنقل محو الشخصية واللغة والتاريخ المشترك لهذه البلدان . في هذا السياق يأتي الشعر المعاصر في بلدان حوض المتوسط، شأنه شأن الشعر والأدب في دول البلقان، ليشكل دالة على تنامي البعد الإنساني، وبحث الشاعر عن فضاء أوسع من الحلم الإنساني، وذلك المخبوء في ثنايا الذات في علاقتها مع الآخر، وبحثها عن الدافئ المتخفي وراء سراديب الألم والنأي والإقصاء .
يقول الشاعر الكوسوفي علي بودريميا المولود سنة 1943 في قصيدة له بعنوان كلمات عن الحب: كل ما هو جميل عن الحب/ لم يذكر بعد/ ما زال هناك شيء ليقال في الحياة/ باسم وقت آخر/ في وقت مبكر أو متأخر/ هو يأتي دائماً/ حين ننسى أن نحب/ فالحب ليس ليومنا هذا فقط .
المقطع الشعري السابق الذي يبدو متأثراً بما سبق أن كتبه الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت: (أجمل البحار: ذلك الذي لم يزره أحد بعد/ أجمل الأطفال: ذلك الذي لم يكبر بعد/ أجمل أيامنا: تلك التي لم نعشها بعد . . . إلخ) يشي بما كان يكابده الشاعر الكوسوفي لكنّ ذلك لم يفقده الأمل بالحياة، ومثل هذا النموذج الذي يتكرر في قصائد شعراء كوسوفيين جمعتهم مختارات من الشعر الكوسوفي المعاصر من اختيار وترجمة محمد الأرناؤوط، وصدر عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمّان، يمثل في غالبيته نمطاً فريداً من الشعر المكتوب لدى دول حوض البحر الأبيض المتوسط .
بورديميا عثرت عليه الشرطة ميتاً بجانب نهر لوديف في ،2012 وكان من المفترض أن يشارك في مهرجان لوديف الشعري، وتوصف تجربته التي بدأت في ،1961 بميزات خاصة في الشعر الألباني، بل هو يعد أحد رواد التجديد في هذا الشعر، كما أثر في الشعراء الكوسوفيين الذين أتوا من بعده، وقد تميز دائماً باستلهام التراث الشفاهي لموطنه، كما كان لتأثير الطبيعة الجبلية التي تتكون منها ألبانيا وسحرها الفريد أثره في قصائده، كما هي حال من سبقوه من الشعراء في هذه المنطقة التي عانت من الظلم الأوروبي .
غنى بودريميا للحرية المنشودة، وكانت لأشعاره رمزية شفيفة تشبه إلى حد كبير تلك الرومانسية التي كتبت بها قصائد لشعراء عرب ينتتمون إلى حوض المتوسط نفسه، من بلدان غرب آسيا وشمال إفريقيا ومحيط البحر الأحمر والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، بما يدلل على عمق الحضارات الإنسانية التي نشأت في هذه المنطقة، كل هذا نجده لدى قائمة من الشعراء الكوسوفيين في الكتاب المذكور ومنهم: بسيم بوكشي، وفخر الدين غونغا، وحازم شكريلي، ومحمد كرفيشي، ورحمان ديداي، وموسى رمضاني وغيرهم .