الأرقام الصحيحة والبيانات الدقيقة تشكلان القاعدة الأساسية لأية عملية تخطيطية أياً كانت نوعيتها، كما أن تحليل هذه الأرقام وتلك البيانات هو الضامن لجدوى استخدامهما في تحديد الأهداف المأمولة من عملية التخطيط باعتباره ضوءاً كاشفاً للطريق نحو المستقبل .

المركز الوطني العماني للمعلومات حديث التأسيس يلعب دوراً حيوياً ضمن إطار هذا المفهوم، وعليه تقع مسؤوليات جسام في صدارتها تنقية الأرقام والبيانات في مختلف الوزارات والجهات الحكومية والخاصة على حد سواء من خلال مراجعتها وتدقيقها، مستهدفاً الفصل بين الصالح والطالح، وما يمكن التأسيس عليه، وذاك الذي يستوجب الاستبعاد من المعادلة التنموية تماماً، خاصة أن عدداً من اللقاءات التي شهدتها الغرفة العمانية خلال الأسابيع الماضية كشفت عن واقع مؤسف يتمثل فيما يمكن تسميته بظاهرة فوضى الأرقام التي كانت موضعاً لانتقادات المشاركين، حيث تبين وجود تضارب بين الأرقام الواردة من جهات حكومية متعددة من ناحية وعدم دقة البيانات من ناحية ثانية من خلال تكاثر الأرقام التقديرية والبيانات التي يصعب التعويل عليها، نظراً لتباينها وعدم وضوحها واختلافها بين جهة وأخرى!

مهمة صعبة ودقيقة تنتظر المركز العماني للمعلومات باعتباره الرافد الأساسي للمجلس الأعلى للتخطيط مع بدء الإعداد للخطة الخمسية التاسعة المتممة لاستراتيجية الرؤية المستقبلية للاقتصاد العمانية ،2020 فليس من المعقول الحديث عن أرقام تقريبية يقال إنها تحققت كأهداف سبق وضعها ضمن برامج تنفيذية للتعمين في القطاعات الاقتصادية المختلفة قبل عشر سنوات، وهو ما يعني شبهة الظن في أحسن الأحوال حول احتمالية وجود نوع من العشوائية في التعاطي مع قضايا تتعلق بالتخطيط للمستقبل في زمن لا يعرف غير التخطيط العلمي الدقيق، ولا يعترف بقراءة الكف لتحديد الطريق إلى مستقبل آمن يضمن الاحتياجات الأساسية والخدمات الضرورية للكافة في إطار من العدالة والمساواة المضمونة بنصوص النظام الأساسي للدولة العمانية .

الأرقام التي أعلنها مؤخراً وزير القوى العاملة حول أعداد العمالة الوافدة في السلطنة سبقها بأسبوعين فقط إعلان عن أرقام مختلفة من الجهة نفسها كانت أقل بأكثر من مئة ألف وافد، كما أن اعتماد أعداد الوافدين الصادرة عن وزارة القوى العاملة لا يمكن التعويل عليه في قياس نبض التركيبة السكانية، ذلك لأنها لا تشمل أسر هؤلاء الذين لا تشملهم بالضرورة بيانات القوى العاملة باعتبارهم مرافقين ليسوا مطالبين باستخراج بطاقة عمل، وإنما يمكن التعويل على الأرقام التي تصدر عن الأحوال المدنية المعنية بإصدار بطاقة المقيم بغض النظر عما إذا كان عاملاً أو مرافقاً لعامل أو موظفاً سواء بالحكومة أو القطاع الخاص، وكذلك عن الهجرة والجوازات المعنية بإصدار تأشيرات الدخول ومنح الإقامات للوافدين والوافدات بمن فيهم الأطفال وإن كانوا في سن الرضاعة .

فإذا كانت وزارة القوى العاملة تتحدث عن وجود مليون وستمئة ألف من القوى العاملة الوافدة المسجلة لديها، فالواقع يفرض الاعتراف بوجود ربما مئات آلاف آخرين من الأسر المرافقة المسجلين لدى الهجرة والجوازات والأحوال المدنية، وحاصل جمع هؤلاء وأولئك يكشف الصورة الحقيقية لواقع التركيبة السكانية الوافدة التي من المؤكد أنها مغايرة تماماً للنتائج النهائية المعلن عنها في آخر تعداد للسكان قبل ثلاثة أعوام، الذي يشير إلى أن عدد الوافدين - وليس العمالة الوافدة كما تذكر أرقام القوى العاملة - بلغ 816 ألفاً فقط!

وإذا شئنا التسليم بنتائج هذا التعداد واعتمادها، فهي تعني أن أعداد الوافدين تضاعفت خلال أقل من ثلاث سنوات بكل ما يحمله هذا المؤشر من إنذارات بالخطر في شأن اختلال التركيبة السكانية في ظل معدلات الزيادة الضئيلة لأعداد المواطنين التي لا تضاهي نظيرتها من الوافدين، حيث لا تزيد على سبعين ألف مولود سنوياً .

نستشهد بأرقام العمالة الوافدة باعتبارها الحاضرة دائماً في الجدليات الاقتصادية العمانية نظراً لارتباطها بسياسات وبرامج وطنية عديدة، ما يجعل من دقتها ضرورة للتعامل الصحيح مع معطيات تلك البرامج الكاشفة لمعالم الطريق نحو المستقبل بعيداً عن الضبابية .

[email protected]