كرست تركيا نفسها بعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية ومواقف أنقرة الحازمة حيال إسرائيل، بطلة في نظر الشارع العربي الذي يئس من عجز أنظمته عن مواجهة الدولة العبرية، وهي باتت تمثل بحسب المحللين نموذجاً مقبولاً لشعوب المنطقة في وجه النموذج الإيراني .

فمن المحيط إلى الخليج مروراً بالقدس والمدن العربية في إسرائيل، حمل متظاهرون أعلاماً تركية إلى جانب صور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان .

وقال المحلل السياسي المتخصص في الشؤون التركية ميشال نوفل إن التزام تركيا المتزايد بالحقوق الفلسطينية وإصرارها عليها، وتصعيد أردوغان وصعوده إلى واجهة الصراع مع إسرائيل تجعل الشارع العربي ينظر إليه مثل عبدالناصر الجديد .

وبحسب نوفل الذي اصدر كتابه عودة تركيا إلى الشرق، فإن تركيا لم يعد ينظر إليها كحصان طروادة للغرب في المنطقة، في إشارة إلى تحالف تركيا الوثيق مع الولايات المتحدة وأوروبا واعترافها بإسرائيل قبل أي دولة إسلامية أخرى .ويضيف نوفل أن الدور التركي الجديد وازن وموازن، أي انه يعوض عن انكفاء الأنظمة العربية ويضع حداً لإسرائيل من جهة، ويحمل توازناً إيجابياً في وجه إيران من جهة أخرى .

وفي كل مناسبة او تظاهرة نظمت في العالم العربي خلال الأيام الماضية حول أسطول الحرية، كانت الحشود تصفق مطولاً وبحرارة لتركيا .

وقال المحلل السياسي والصحافي المخضرم المقيم في لندن عبدالوهاب بدرخان ان الخط التركي يمثل خشبة الخلاص للشارع العربي مقابل عدم جدوى الأنظمة العربية وعدم جدوى ما تقوم به لتحقيق مكاسب في وجه إسرائيل .

ورأى بدرخان أن محور الاعتدال (الذي تتزعمه السعودية ومصر) كان في حالة سيئة أيام (الرئيس الأمريكي السابق جورج) بوش وما زال في حال سيئة، وتركيا تسد الفراغ، فالدور المصري غائب والسعودية دورها محدود وسوريا لا تستطيع أن تلعب دوراً وحدها .

وباتت تركيا، التي حبس رئيس وزرائها أنفاس الشارع العربي عندما واجه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بقوة في دافوس بسبب الحرب على غزة، قوة بديلة تعطي الأمل بحسب المحلل .

ويرى بدرخان أن شعبية تركيا كان يمكن أن تكون مجيرة لإيران التي هي أيضاً تضع نفسها في مواجهة شرسة مع إسرائيل، لكن الصراع السني-الشيعي حال دون ذلك، إضافة إلى طابع التحدي والفوقية والاستكبار على العرب في الدور الإيراني، على حد قوله .

من جانبه، قال المحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن عبدالباري عطوان أن تركيا أدركت بحسها الذكي أن البوابة الفلسطينية هي الوحيدة التي يمكن أن تعطيها دوراً كبيراً في العالم الإسلامي، ولو أن شعبيتها لدى العرب تقوم أيضاً على أنها نموذج اقتصادي وديمقراطي وإسلامي معتدل .

أضاف عطوان انه لو ترشح أردوغان في العالم الإسلامي لحكم العالم الإسلامي دون إطلاق رصاصة واحدة ولأول مرة يضع العرب القومية جانباً وتطغى الإسلامية المعتدلة على القومية العربية .

وأكد عطوان أن تركيا تحظى بقبول اكبر في المنطقة مقارنة بإيران لان الأتراك سنة ولأنهم لا يتصادمون مع الغرب كما تفعل إيران، كما أن لتركيا بحسب قوله تأثيراً كبيراً لكونها عضواً في الحلف الأطلسي .

وبحسب المحللين الثلاثة، تعطي تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية صورة ايجابية عن إسلام منفتح وديمقراطي، وهي صورة تجذب المسلمين العرب الذي سئموا من إلصاق صورة الإرهاب بهم .

لكن صعود الدور التركي بشكل صاروخي في العالم العربي لا يمكن أن يكون من دون حدود أو من دون إثارة حساسيات لدى القوى العربية التقليدية .

وقال نوفل إن هناك تشككا عربياً على المستوى الرسمي إزاء الدور التركي، لا سيما لدى مصر التي تعد القوة العربية الأبرز، لكن التشكك يبقى مضمراً لان أي نقد علني لتركيا ليس شعبياً وليس رابحاً . ورأى أن بعض الأنظمة تريد استخدام تصاعد الدور التركي في المواجهة مع إيران أو في الصراع السني-الشيعي وتركيا لا تريد ذلك . (أ .ف . ب)