يقول إعلاميان إنه على الرغم من الكلام عن بروز تحالف روسي - صيني، إلا أن موسكو تتخوف من تنامي السيطرة الصينية في الشرق . والإعلاميان هما أندرو بوين، رئيس التحرير المساعد لمجلة ذي انتربريتر الروسية، والمعلق المستقل لوك رودهيفر، المتخصص في الشؤون الجيو- سياسية في منطقة أوراسيا . وقد نشر الكاتبان مقالاً في موقع ذي دبلومات بعنوان هل بدأت روسيا تخسر السيطرة على شرقها الأقصى؟، قالا فيه:
ترددت تكهنات كثيرة في الآونة الأخيرة بشأن تحالف ناشئ بين الصين وروسيا، خصوصاً في إطار استراتيجية الولايات المتحدة المسماة الانعطاف نحو آسيا . وتزامن هذا الانعطاف مع تزايد قلق روسيا بشأن شرقها الأقصى . ما دفعها إلى تعزيز وجودها السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة، ولكن برغم التدريبات العسكرية المشتركة التي أجراها البلدان حديثاً، وحرص شي جينبينغ على تخصيص أول زيارة له إلى الخارج كرئيس للصين إلى موسكو، وعلامات أخرى على تنامي التعاون بين البلدين، إلا أن هذه العلاقة الثنائية هي ثمرة حسابات روسية على مدى قصير، تقوم على أساس أنه إذا كانت مصالح البلدين متطابقة في الوقت الراهن، إلا أن الصين تمثل في الواقع أكبر تهديد للوجود الروسي في الشرق .
وكلما تقرر روسيا تأكيد نفوذها في ما تعتبره دائرة نفوذ لها في منطقة معينة، يمكن الافتراض أن جيشها سيكون عنصراً أساسياً في استراتيجيتها . والجيش الروسي أصبح أكثر نشاطاً بكثير في الفترة الأخيرة، وذلك في إطار الخطط التي وضعها الرئيس فلاديمير بوتين لتحديث القوات المسلحة وبناء قوة سريعة الحركة تعتمد على أحدث التكنولوجيا . وقد أخذ الجيش الروسي يجري أعداداً متزايدة في المناورات والتدريبات في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية .
وفي منتصف يوليو/تموز، أجرت روسيا والصين أكبر تدريبات بحرية مشتركة لهما حتى الآن . وشاركت الصين بسبع سفن حربية (من أسطولي بحري الصين الشمالي والجنوبي)، في حين شاركت روسيا بمجموعة منوعة من قطع بحرية رئيسة، بما فيها سفينة قيادة أسطول الهادي فارياغ الحاملة للصواريخ، وغواصة من فئة كيلو . وكانت هذه أكبر مناورات بحرية تجريها الصين بمشاركة دولة أجنبية، وقد شملت مواجهة غواصات وسفن معادية، وتدريبات على الدفاع الجوي . ويبدو أن هذه المناورات كانت تهدف لمواجهة القوات البحرية للولايات المتحدة وحلفائها .
ويرى كثيرون من المحللين في هذه التدريبات الروسية - الصينية مؤشراً إضافياً على توافق بين روسيا والصين حول ضرورة الرد بقوة على الانعطاف الأمريكي المتزايد نحو منطقة آسيا- الهادي .
ولكن روسيا والصين تتعاونان في أكثر من مجرد تدريبات بحرية على نطاق واسع . إذ إن البلدين يجريان تدريباً سنوياً على مكافحة الإرهاب يطلق عليه اسم مهمة سلام . وهذا التدريب يجري في كل من روسيا والصين بالتناوب كل سنة، وهو يشكّل مثالاً على التقارب العسكري المتزايد بين البلدين .
ومع ذلك، وبرغم الإشادات الحماسية التي صدرت عن بوتين ورئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف بشأن نوعية العلاقة بين البلدين، فإن التاريخ واعتبارات جيو - سياسية لابد أن تلطف التوقعات بشأن أي تحالف متعاظم بين روسيا والصين .
في أعقاب التدريبات البحرية المشتركة مباشرة، بدأت روسيا أضخم مناورات عسكرية تجريها منذ الحقبة السوفييتية، وكانت تستهدف استعراض خطط روسيا لتحديث قواتها المسلحة، وتوجيه رسالة إلى الصين تفيد بأنها ليست القوة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قوة عسكرية عظيمة . وهذه المناورات السريعة، التي شكّلت اختباراً لجاهزية القوات المسلحة الروسية، شارك فيها، حسب التقارير الروسية، نحو 160 ألف جندي، و130 طائرة و70 سفينة .
وروسيا أجرت أيضاً تدريبات أخرى على نطاق أضيق في المنطقة، استهدفت عرض القدرة الروسية على القيام بعمليات عسكرية تشارك فيها أفرع متعددة للقوات المسلحة، وكذلك عرض القوة الروسية بمواجهة الصين . وأطلق على هذه التدريبات اسم فوستوك، ويعني محطة الشرق .
ولكن لابد من الإشارة إلى أن تقارير إعلامية روسية أثارت تساؤلات جدية حول ما إذا كانت مثل هذه الأعداد الضخمة من القوات قد شاركت فعلاً في المناورات، وما إذا كانت قد جرت بطريقة أكثر من مرضية، حسب تعبير بوتين . وحسب مقال للصحافي الكسندر غولتس في صحيفة موسكو تايمز، فإن كبار قادة الجيش ضخّموا أعداد القوات المشاركة في المناورات بهدف التأثير في بوتين وكسب رضاه .
وفي جميع الأحوال، فإن عنصراً رئيساً في خطط روسيا لنشر قوتها في المنطقة هو أسطول المحيط الهادي . وهذا الاسطول بقي مهملاً لزمن طويل، ومن المقرر الآن تجهيزه بأحدث التكنولوجيات البحرية . وفي الوقت الراهن، يتكوّن أسطول الهادي من سفينة القيادة فارياغ، ومدمرات، وعشرات من الغواصات (بما فيها خمس غواصات من فئة دلتا 3 تحمل صواريخ نووية عابرة للقارات) . ولكن هذا الأسطول يستعد الآن للحصول على سفن من بين أحدث وأكثر السفن الحربية الروسية تطوراً من الناحية التكنولوجية، وذلك تنفيذاً لخطط بوتين بشأن تحديث القوات المسلحة الروسية، خصوصاً منها البحرية، وتوجيه الاهتمام نحو الشرق الأقصى، الذي يعاني بصورة مزمنة نقص الاستثمارات . وفي غضون سنوات مقبلة عدة، يفترض أن يتسلم أسطول الهادي سفينة هجومية أو اثنتين من فئة ميسترال، وعدداً من المدمرات، وإحدى أولى الغواصات النووية الجديدة من فئة بوراي . وتقضي خطط بوتين بتزويد أسطول الهادي بثمان من غواصات بوراي، التي تحمل 16 صاروخاً نووياً بالستياً من فئة بولافا، التي ستشكل صلب قوة الردع النووية البحرية الروسية .
والغاية من سلسلة التدريبات والمناورات العسكرية هي إظهار أن روسيا لم تعد اليوم ظل الجيش الذي كانت تملكه إبان الحقبة السوفييتية . وروسيا مصممة على الا تنحدر إلى مرتبة لاعب ثانوي في الشرق الأقصى، أو السماح بأن تصبح القوة الاقتصادية والسكانية الصينية هي الغالبة في المنطقة . ولهذا السبب تشكل سلسلة التدريبات والمناورات العسكرية، التي توصف بأنها ضخمة وفعالة، عنصراً أساسياً في إظهار القوة الروسية في المنطقة .
تغلغل سكاني واقتصادي
دواعي قلق روسيا من التمدد الصيني المطرد في الشرق الأقصى كانت تتزايد باطراد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، إذ إن عدد سكان المنطقة تراجع بنسبة 20% منذ العام ،1991 ليهبط إلى 28 .6 مليون نسمة فقط . ويتوقع أن ينخفض هذا الرقم إلى 7 .4 مليون نسمة بحلول العام 2025 .
وعلى الجانب المقابل من الحدود، تضم الأقاليم الثلاثة في شمالي شرق الصين 110 ملايين نسمة . وفي أعقاب انتخابه رئيساً للمرة الأولى عام ،2000 أطلق بوتين تحذيراً شهيراً بقوله إنه إذا لم تتغير الاتجاهات الحالية، فإن الروس في المناطق الحدودية سوف يتكلمون باللغات الصينية واليابانية والكورية في غضون بضعة عقود . وبعد 12 سنة، أعاد بوتين طرح هذا الموضوع، ووصف تنمية الشرق الأقصى الروسي بأنها المهمة الجيو- سياسية الأكثر أهمية التي تواجه روسيا .
غير أن الأنباء الآتية من الشرق الأقصى هذا الصيف تواصل إثبات التغلغل السكاني والاقتصادي الصيني السريع في المنطقة . وفي منتصف أغسطس/آب، أعلن أن بنك التنمية الصيني المملوك للدولة يدرس أيضاً إنفاق ما يصل إلى خمسة مليارات دولار على مشروعات متنوعة في الشرق الأقصى، وذلك في إطار برامج للدولة الروسية تركز على التنمية في المنطقة . وهذه الخطوة ليست سوى الأحدث في سلسلة خطوات من جانب روسيا أعطت الصين دوراً متزايداً في تنمية المنطقة، وهو دور أخذ الكرملين يسلم به أكثر فأكثر منذ أن دعا الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف علناً في مايو/أيار 2009 إلى جذب استثمارات صينية إلى المنطقة . ومنذ ذلك الحين، حصل ميدفيديف، الذي يتولى الآن رئاسة الوزارة، قطعاً على ما سعى إليه . فقد أفادت وسائل الإعلام الصينية في 2011 أن مجموع استثمارات الصين المباشرة في الشرق الأقصى بلغ 3 مليارات دولار، في حين أن روسيا كانت قد خصصت لتلك المناطق في العام 2010 أقل من ثلت هذا المبلغ .
وقد أبرز مقال نشر في الصحافة اليابانية ثم ترجم إلى اللغة الروسية في أغسطس/آب الماضي الدور المتعاظم للصين في المنطقة . ونشر المقال تحت عنوان نحو سيبيريا صينية، وركز على أن سكاناً صينيين يعيشون على الجانب الآخر من الحدود الروسية يجدون دائماً طرقاً جديدة لعبور الحدود إلى الشرق الأقصى الروسي، حيث يقومون بأعمال زراعية، على الرغم من قانون روسي يحظر على الأجانب امتلاك أو استئجار أراضٍ . وروى عامل صيني يدعى سو شاويان، أجريت معه مقابلة من أجل المقال، أنه حصل على عدة ملايين الدولارات كقروض من بنوك صينية لشراء معدات زراعية يستخدمها الآن في الشرق الأقصى . وفي غضون سنوات عدة، سيتمكن من تسديد جميع القروض، ويبدأ في جني أرباح كبيرة . وعلى الرغم من المحاولات الروسية للحد من تدفق العمال الصينيين، قال سو: أستطيع أن أضمن لكم 100% أن عدد الصينيين الذين يعلمون بقصة نجاحي فيرغبون في الاستثمار مثلي سيزداد . هذه الأرض هي كنز دفين . وأشار المقال إلى أن الحكومات الإقليمية الروسية قلقة جداً بشأن التوسع السريع للسيطرة الصينية .
وتشير تقديرات إلى أن عدد العمال الصينيين الضيوف في الشرق الأقصى يبلغ الآن نصف مليون .
هذه التغيرات السكانية تقلق بشدة القيادة الروسية، كما أظهر ذلك تصريح أدلى به ميدفيديف في أغسطس/آب 2012 . فبعد يومين من إرسال غواصتين نوويتين جديدتين للانضمام إلى أسطول المحيط الهادي، حذر ميدفيديف من أن حماية الشرق الأقصى من التوسع المفرط لدول متاخمة أمر حيوي، وقال إن من المهم عدم السماح بمظاهر سلبية . . بما في ذلك تشكل جيوب خاصة بمواطنين أجانب . وإذا كان الجزء الأول من تصريح ميدفيديف موجهاً بوضوح نحو الصين، فإن الجزء الثاني هو على الأرجح تحذير من العواقب المحتملة لسياسات روسيا ذاتها الهادفة إلى تنمية المنطقة .
وقد بدأ فيكتور إيشاييف، الذي عينه بوتين مسؤولاً عن الشرق الأقصى، برنامجاً لتنمية المنطقة من خلال جذب 1 .1 مليون عامل جديد إلى المنطقة خلال فترة السنوات العشر المقبلة، بمن فيهم عمال من الخارج . وحتى الآن، وصل إلى الشرق الأقصى ما يتراوح بين 240 و280 ألفاً من العمال الضيوف، جاءوا من مناطق القوقاز وآسيا الوسطى . وهذا عدد كبير، نظراً إلى العدد الصغير والمتناقص للسكان المحليين .
وتقول مارلين لاروييل، الباحثة في معهد آسيا الوسطى والقوقاز التابع لجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، في إيجاز سياسي نشرته حديثاً: إذا نمت المنطقة القطبية الروسية اقتصادياً، فسوف يعني ذلك زيادة سريعة في أعداد مسلمين روس ومهاجرين آخرين قادمين من آسيا الوسطى، وهذه معضلة هوية لا تستطيع روسيا حلها في الوقت الراهن . ونظراً إلى مصادمات عرقية تندلع بوتيرة متزايدة بين مواطنين روس وعمال أجانب قادمين من جمهوريات سوفييتية سابقة، من المرجح أن تؤدي هذه الاستراتيجية لجذب عمال أجانب ليس فقط إلى توترات عرقية في المنطقة، وإنما أيضاً إلى نزوح سكان روس محليين من الشرق الأقصى . وفي الواقع، بدأ كثيرون من هؤلاء يغادرون المنطقة لأسباب متنوعة، مثل السعي لكسب أجور أعلى، والهروب من منطقة تعاني بنية تحتية سيئة، وأخذوا يستقرون في روسيا الأوروبية، وحتى في الصين ذاتها بأعداد متزايدة .
وقد طرح سياسيون روس اقتراحاً آخر بشأن تنمية الشرق الأقصى، يقضي بنقل عاصمة روسيا من الجانب الأوروبي للبلاد إلى الجانب الآسيوي . وبرغم استحالة تطبيق فكرة إعادة توطين مئات آلاف المسؤولين في قارة أخرى، فإن وزير الدفاع سيرغي شويغو وعمدة مدينة فلاديفوستوك (على ساحل المحيط الهادي) كانا من ضمن الذين عرضوا هذا الاقتراح . ويؤكد هذا الاقتراح قلق روسيا الشديد من انحسار سيطرتها على الشرق الأقصى إذا لم يحظ بالاهتمام اللازم . وحتى الآن، كان لجهود التنمية نتائج متفاوتة جداً .
وهكذا، فإن التعزيزات الكبيرة لأسطول الهادي الروسي لا تتناقض فقط مع تفسخ البنى التحتية في المنطقة، وإنما أيضاً مع العوامل التي ستصنع مستقبل الشرق الأقصى: إذ إن القوة الجيو - سياسية في القرن الواحد والعشرين تحدد بحجم الاستثمارات الخارجية المباشرة وهجرة العمال عبر الدول، بقدر ما تحدد بعرض القوة العسكرية . وكل قوة أسطول الهادي لن تفعل شيئاً يذكر لمنع المنطقة من الاستمرار في خروجها ببطء من دائرة نفوذ روسيا .