بينما تعلن وكالات الأمم المتحدة عن انحسار الفقر في العالم وتحسن أحوال المحرومين - نسبياً - إلا أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء يتزايد باطراد، والهوة بين الشريحتين الاجتماعيتين تزداد عمقاً . وحول هذا الموضوع كتب الاقتصادي الإيطالي روبيرتو سافيو، مؤسس ورئيس وكالة انتر برس سرفيس، إحدى أبرز وكالات الأنباء العالمية، مقالاً نشره موقع زي نت، وجاء فيه .

أصدر مركز تحليل الاقصاء الاجتماعي في كلية لندن للاقتصاد حديثاً دراسة لفتت الانتباه إلى واقع أنه إذا استمر المعدل الحالي للتفاوت الاجتماعي، فإن المملكة المتحدة ستعود بحلول العام 2025 إلى مجتمع عدم المساواة في القرن التاسع عشر . وبكلمات أخرى، نحن نعود الآن إلى زمن الملكة فيكتوريا .

في العام ،2010 كانت رواتب الرؤساء التنفيذيين لأكبر 100 شركة في بريطانيا قد ارتفعت بنسبة 49%، بينما كان متوسط زيادة الرواتب 7 .2% فقط . وحسب تقرير للهيئة المصرفية الأوروبية يغطي العامين 2010 و،2011 فإن 2436 مصرفياً كانوا يكسبون أكثر من مليون يورو في السنة، مقابل 162 في فرنسا، و36 في هولندا، ونحو 50% من تمويلات حزب المحافظين في بريطانيا تأتي من القطاع المالي . فلا عجب إذاً أن يكون رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مجبراً على اختيار مصالح المال والأعمال في لندن بدلاً من أوروبا .

وهذا الاتجاه هو ذاته على مستوى العالم . ففي الصين، هناك 3 .1 مليون مليونير . وقد ابلغت فوربس، مجلة الأغنياء، في أحدث تقرير لها، بفرح قرائها أن قائمة فوربس بأصحاب المليارات في العام 2013 تزهو الآن ب 1426 اسماً - بمن فيهم 122 في الصين . ويبلغ الإجمالي الصافي لثروات أصحاب المليارات هؤلاء 4 .5 تريليون دولار، مقابل 6 .4 تريليون دولار في العام السابق . وقالت المجلة: وجدنا 210 ثروات جديدة تكتب بعشرة أرقام .

وما يعنيه ذلك هو أن مجموع ثروات أصحاب المليارات في قائمة فوربس يزيد الآن على ميزانية الولايات المتحدة التي تبلغ 8 .3 تريليون دولار للعام الحالي . ومجموع هذه الثروات أصبح يفوق ميزانية الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات وإذا جمعنا ما يملكه فقط أصحاب المليارات العشرة الذين يتصدرون قائمة فوربس، نجد أن ثرواتهم تبلغ 5 .451 مليار دولار .

بكلمات أخرى، إذا وضعنا الأشخاص ال 300 الأكثر ثراء في العالم في طائرة ذات 300 مقعد، فإن مجموع ثرواتهم سيزيد على مجموع ما يملكه ثلاثة مليارات إنسان، أي نحو نصف البشرية .

وقد كتب الفائزان بجائزة نوبل للاقتصاد، الأمريكيان بول كروغمان (2008) وجوزيف ستيغليتز (2001)، باسهاب حول مسألة كيف يوقف جور التفاوت الاجتماعي التنمية ويتسبب بأزمات اقتصادية . ووثق كروغمان كيف أن تزايد التفاوت الاجتماعي ترافق مع الأزمتين الاقتصاديتين الكبريين عامي 1929 و2008 . وفي ثلاثينات القرن الماضي، اتخذ العديد من دول العالم اجراءات على نطاق واسع لمعالجة التفاوت الاجتماعي وتضخم المصالح الراسخة .

وفي عالم اليوم أيضاً، يجب أن تكون هذه المسألة الموضوع الرئيس في تفكيرنا (وهذا ما لم يفعله الرئيس الأمريكي باراك أوباما) . ويجب ألا ننسى أنه في عصر الأديب والناقد الاجتماعي الإنجليزي تشارلز ديكنز (1812-1870)، كان كارل ماركس يكتب حول استغلال الأطفال في المناجم البريطانية . وفي عام ،1848 اهتزت أوروبا بفعل سلسلة انتفاضات اجتماعية فجرها في عز الثورة الصناعية استغلال الرساميل للعمال إلى أقصى الحدود . وبعد قمع هذه الانتفاضات، ولدت حركة سياسية تقدمية، وانشئت نقابات عمالية .

وقد وضع ماركس اطاراً علمياً لتلك الموجة المتواصلة في الاهتزازات . وبعد الثورة الروسية الأولى التي باءت بالفشل عام ،1905 جاءت الثورة البلشفية (السوفياتية) الناجحة عام ،1917 ما أوجد تهديداً للرأسمالية .

وخلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، بذلت جهود نشطة في كل مكان من أجل تجنب تكرار النموذج الروسي . وهكذا أصبحت النقابات العمالية مشروعة وجزءاً من المؤسسة، ودخل اليسار إلى البرلمانات، واطلق عدد من المبادرات من أجل الاستجابة لمطالب الطبقات الشعبية . وما من حزب يميني في السلطة حاول يوماً تقليص هذه المكاسب الاجتماعية، وأقصى ما استطاعت احزاب اليمين فعله كان ابطاء هذه المكاسب .

غير أن الحرب العالمية الثانية غيرت المشهد العالمي بصورة درامية، وزرعت بذور الحرب الباردة . وبعد إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام ،1945 ليكونا حارسين للنظام النقدي العالمي، انشئت الأمم المتحدة عام 1945 باسم الحوكمة العالمية .

وقيم الحوكمة العالمية كان لها مضمون اجتماعي بارز جداً، أصبح متضمناً في الدساتير الوطنية . وقائمة هذه القيم كانت طويلة، وقد شملت العدالة الاجتماعية، والمساواة، والمشاركة الشعبية، وحقوق العمال، وحقوق الإنسان، وارتقاء النساء، والتعليم للجميع، ولكن دعونا نتوقف لحظة للتفكير في الأمر: هل من الممكن في يومنا هذا تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو الميثاق الحالي للأمم المتحدة؟ وهل كانت الولايات المتحدة ستلتزم بدفع 25% من الأكلاف؟

مع انهيار جدار برلين، انبثق عالم جديد، والمنتصر كان الرأسمالية، وليس الغرب . والعولمة أصبحت تفهم على أنها حرية كاملة للرساميل والاستثمارات، ما يوفر اليسر للناس وفقاً ل نظرية التدفق البطيء، أو نظرية اقتصاد التنقيط (وهي نظرية Trickle-dowm theory في الولايات المتحدة، التي يتبناها المدافعون عن، أو المطالبون بخفض الضرائب عن كبريات الشركات والمصالح . وحجتهم في ذلك أن الأغنياء في المجتمع سيكون لديهم فائض يستثمرونه في مشاريع جديدة تخلف فرصاً للعمل وتخفض البطالة، وأن جزءاً من هذا الفائض سيصل بالتالي تنقيطاً إلى شرائح الفقراء وذوي الدخل المحدود . ولكن النتيجة لم تكن ظهور مشاريع جديدة، بل إن معظم الشركات الكبرى استغلت الفائض الناتج عن تخفيض الضرائب للاستحواذ على شركات ومصانع صغيرة، ولم تخلق بالتالي أي فرص عمل) .

ولابد من الاشارة أيضاً إلى أن الكثير جداً كتب وقيل عن الجنّات الضريبية والتهرب من دفع الضرائب . وفي هذا المجال، ليس من الضروري تقديم احصاءات، بل تكفي الاشارة إلى أن 32 تريليون دولار مودعة الآن في جنّات ضريبية .

إذاً، السؤال الحقيقي هو: في مجتمع من التفاوت الاجتماعي الهائل، هل الديمقراطية ناجحة؟ أم أنها أصبحت مجرد آلية شكلية تناسب أولئك الذين داخل النظام والمؤسسة، وتتجاهل المحرومين؟ وهل أولئك ال 300 شخص فاحشو الثراء الجالسون في الطائرة لديهم ذات النظرة للعالم مثل الثلاثة مليارات فقير الذين بقوا على الأرض؟ وإذا كان الجواب كلا، فهل نظرة الثلاثة مليارات تقدر مثل نظرة ال 300 شخص الجالسين في الطائرة؟

إننا نعرف جيداً أن الناس في العصر الفيكتوري لم يكونوا متساوين في ذلك النوع من الديمقراطية . وجميعنا نعرف كم تطلب الأمر من الدماء والبؤس حتى وصل العالم إلى فترة النمو الهادف إلى التناغم الاجتماعي، والتي استمرت حتى العام 1989 . ولكن هل سمعتم ذلك النوع من التساؤلات بشأن العودة إلى الماضي على السنة لاعبين نافذين من أمثال أوباما، وميركل، وكاميرون، وراخوي وغيرهم؟

دعونا لا ننسى، مثلاً، حالات مثل حالة سيلفيو برلسكوني، الملياردير الايطالي الذي أسس ومول حزبه، وتولى رئاسة الوزراء خلال القسم الأكبر في العشرين سنة الماضية، ثم ادانته محكمة بجرم الاحتيال على الدولة، ومع ذلك، فهو يمسك اليوم بمصير حكومة ايطاليا . أنه جزء من ديمقراطية اليوم . ولكن هل هذه ديمقراطية حقيقية؟