عندما يتحدث شخص ما عن الفقر والبؤس، قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أنه يتحدث عن الأوضاع في البلدان النامية، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية . ولكن دراسة شملت القارة الأوروبية وجدت أن الفقر والبؤس يطالان أيضاً القارة العجوز، نتيجة للأزمة المالية التي تفجرت في العام 2008 . وحول هذا الموضوع، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً كتبه رئيس تحريرها للشؤون الأوروبية إيان تراينور، وجاء فيه:
أفادت دراسة شاملة نشرت في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي أن أوروبا تغرق اليوم في دورة طويلة من فقر متفاقم، وبطالة على نطاق واسع، وإقصاء اجتماعي، وتفاوت متعاظم، ويأس جمعي، وكل ذلك كان أساساً نتيجة لسياسات تقشف اعتمدت رداً على تزايد الديون والأزمة النقدية خلال السنوات الأربع الماضية .
قالت الدراسة المكونة من 68 صفحة، والتي أجراها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إنه بينما أخذت قارات أخرى تقلل الفقر بنجاح، فإن أوروبا تزيد انتشاره . والنتائج البعيدة المدى لهذه الأزمة لم تظهر بعد . ولكن المشكلات التي سببتها الأزمة ستستمر عقوداً، حتى إذا تغير الوضع الاقتصادي نحو الأفضل على المدى القصير . . ونحن نتساءل عما إذا كنا كقارة ندرك حقاً ما أصابنا .
وقد حصلت صحيفة الغارديان على حق نشر الدراسة، التي تتضمن إدانة للسياسة التي اعتمدت رداً على أزمة الديون التي بدأت في اليونان أواخر العام ،2009 وأثارت تساؤلات جوهرية حول قابلية استمرار اليورو كعملة موحدة . وتتوقع الدراسة آفاقاً كئيبة بالنسبة لعشرات ملايين الأوروبيين .
والمعدلات المرتفعة جداً للبطالة خصوصاً بين الشبان، الذين يعدون 120 مليون أوروبي، ويعيشون في الفقر أو هم مهددون بالفقر، زادت موجات الهجرة غير الشرعية، وأدت إلى انتشار كره الأجانب في البلدان المضيفة، وزادت من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية . وقدرت الدراسة أن خطر عدم الاستقرار السياسي يزيد بمرتين إلى ثلاث عن مثيله في الأنحاء الأخرى من العالم، وأن مستويات عدم الأمان الاقتصادي ترتفع بين الطبقات الوسطى التقليدية . وكل هذه العوامل تتآلف لتجعل مستقبل أوروبا أكثر غموضاً من أي وقت مضى خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية .
وتقول الدراسة: بينما تتجذر الأزمة الاقتصادية ويتسع نطاقها، أصبح ملايين الأوروبيين يعانون عدم الأمان الاقتصادي، ويشعرون بقلق شديد مما يخبئه لهم المستقبل . وهذه إحدى أسوأ الحالات النفسية والعقلية بالنسبة للبشر . ونحن نرى يأساً صامتاً ينتشر بين الأوروبيين، ما ينتج عنه اكتئاب، واستكانة، وفقدان الأمل . وبالمقارنة مع العام ،2009 هناك الآن ملايين إضافيون ممن يجدون أنفسهم مضطرين للوقوف في صفوف من أجل الحصول على إعانات غذائية، وعاجزين عن شراء أدوية أو الحصول على رعاية صحية . وهناك ملايين من العاطلين عن العمل، بينما كثيرون ممن لا تزال لديهم وظائف يواجهون صعوبات في تأمين احتياجات عائلاتهم بسبب أجورهم الضئيلة، والارتفاعات الكبيرة في الأسعار .
وتضيف الدراسة: كثيرون من أفراد الطبقة الوسطى سقطوا في دوامة الفقر، وأعداد الناس الذين يعتمدون على عمليات الصليب الأحمر لتوزيع الأغذية في 22 من البلدان التي شملتها الدراسة، ازدادت بنسبة 75% بين 2009 و2012 . وكثيرون من الناس يصبحون فقراء، والفقراء يزدادون فقراً .
والدراسة التي أجريت في النصف الأول من هذا العام، تضمنت مسحاً للبلدان ال 28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى 14 بلداً في مناطق البلقان، وأوروبا الشرقية، وآسيا الوسطى .
وفي الاتحاد الأوروبي، وجدت الدراسة أن الأثر الخطير للأزمة لم يقتصر فقط على بلدان جنوب أوروبا وايرلندا التي فتكت بها الأزمة، والتي استفادت من برامج إنقاذ دولية، بل طالت أيضاً بلداناً أوروبية حققت نجاحات اقتصادية، مثل ألمانيا وبعض الدول الاسكندنافية .
وفي العام الماضي، أطلق الصليب الأحمر الاسباني نداء وطنياً من أجل مساعدة الناس المحتاجين، وكان هذا أول نداء من نوعه في هذا البلد . ووجدت الدراسة أن نسبة الانتحار بين النساء في اليونان تضاعفت على الأقل . وفي سلوفينيا، لم يتسلم العديد من الموظفين رواتبهم طوال أشهر . وفي فرنسا، سقط 350 ألف شخص إلى ما دون حد الفقر في الفترة بين 2008 و2011 . وفي فنلندا، عولج شخص من بين كل خمسة ولدوا في عام 1987 من اضطرابات نفسية وعقلية مرتبطة بالركود الاقتصادي في البلاد خلال التسعينات . وبرغم نجاح ألمانيا، الذي كان موضع تباه بتجنب معدلات البطالة المرتفعة التي سجلت في الجزء الأكبر من الاتحاد الأوروبي، فإن ربع الموظفين في هذا البلد يصنفون على أنهم من ذوي الأجور المتدنية . ونحو نصف عقود التوظيف الجديدة التي أبرمت منذ 2008 كانت تتعلق بوظائف تسمى صغيرة، وهي وظائف لبعض الوقت ومتدنية الأجر، ولا تشمل عادة ضمانات اجتماعية، ولا تضمن أماناً اقتصادياً يذكر . وفي يوليو/ تموز من العام الماضي، لم يكسب 600 ألف موظف في ألمانيا لديهم ضمان اجتماعي على ما يكفي لإعالة أنفسهم وعائلاتهم .
ووجدت الدراسة أن هذه المشكلات أثرت في أغنى مجتمعات أوروبا، مثل الدنمارك ولوكسمبورغ .
وفي دول البلطيق والمجر، هاجر ما يصل إلى 13% من السكان في السنوات الأخيرة بسبب الحرمان الاقتصادي . وسجلت الدراسة دفقاً متعاظماً للهجرة بين دول أوروبية، من الشرق إلى الغرب أساساً، بحثاً عن عمل .
وأزمة الوظائف هي إحدى أكثر المسائل المضنية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو . ومن بين أكثر من 26 مليون عاطل عن العمل في الاتحاد الأوروبي، هناك 11 مليوناً لم يجدوا وظيفة منذ أكثر من سنة، أي نحو ضعف المستوى الذي سجل قبل خمس سنوات عندما تفجرت الأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة .
ووجدت الدراسة أن التأثير الاجتماعي لهذا الوضع هائل . وعلى سبيل المثال، في اليونان وإسبانيا، أخذ أبناء راشدون لديهم عائلات يعودون للعيش مع أهلهم،بحيث أصبحت أجيال متعددة تعيش في بيت عائلي واحد يعيل ساكنيه عائل واحد . وفي مدينة ميلان، العاصمة المالية لإيطاليا، أصبحت رؤية أناس ينامون في العراء، بعد أن كانوا في السابق ينتمون لطبقة متوسطة موسرة، مشهداً مألوفاً .
وأرقام البطالة المتفشية بين الجيل الشاب في ربع البلدان التي شملتها الدراسة تتراوح بين 13% وأكثر من 60% . ولكن الدراسة قالت أيضاً إن ما لا يقل تحطيماً للعائلات هو المستوى المرتفع جداً للبطالة بين شريحة السكان في أعمار 50 - 64 سنة، حيث ارتفع هذا المستوى في الاتحاد الأوروبي من 8 .2 مليون شخص إلى 6 .4 مليون في الفترة من 2008 إلى 2012 .
وقالت الدراسة: المعدل الذي ارتفعت به أرقام البطالة خلال الأشهر ال 24 الأخيرة وحدها، هو مؤشر على أن الأزمة تزداد سوءاً، مع ما يستتبع ذلك من أكلاف شخصية موجعة، وخطر انتشار التطرف والقلاقل . وعندما نضيف إلى ذلك ارتفاع أكلاف المعيشة، يصبح لدينا مزيج خطر .
وبالرغم من التصور الشائع عن نجاح ألمانيا -المحرك الاقتصادي لأوروبا- فإن الدراسة استشهدت بالوضع في أكبر بلد في الاتحاد الأوروبي لتبين اتساع التفاوت في الثراء، ما يثير تساؤلات حول استمرارية النموذج التقليدي للاتحاد الأوروبي، وهو اقتصاد السوق الاجتماعي (اقتصاد حر مع ضمان اجتماعي) . وحسب مؤسسة برتلسمان الإعلامية الألمانية، فإن نحو 5 .5 مليون ألماني فقدوا مرتبتهم الاجتماعية كأفراد من الطبقة الوسطى على مدى العقد الأخير، وانضموا إلى صفوف ذوي الدخل المحدود، بينما ارتقى نصف مليون آخرون خلال الفترة ذاتها إلى طبقة ذوي المداخيل المرتفعة .