تصيب التوائم المتماثلة العديد من الأشخاص بالحيرة في كيفية التفريق بينهما، حيث تكمن الصعوبة في تحديد هويتهم بسبب تشابه الشكل وأدق الملامح، إضافة إلى الصوت والإيماءات، والتي لا يستطيع أحد معرفتها من الوهلة الأولى إلا من يعيش معهما لفترات طويلة، وينتج في أغلب الأحيان عن تلك الحيرة العديد من المواقف الطريفة في الحياة العامة، ولكن حين انتقالها لمجال الجريمة والملاحقات الأمنية يصبح الأمر معقداً للغاية .

في كثير من الحوادث لم تستطع تحاليل الحمض النووي والمعروف باسم ال DNA من التفريق بين التوائم لتشابهها الشديد، وهو الأمر الذي لا يمكن معه تحديد هوية مرتكب الجريمة بشكل قاطع أمام القضاء، فعلى سبيل المثال قام أحد القضاة الكنديين بالحكم على توأمين متماثلين قاما معاً باقتحام منزل وسرقته بالحكم نفسه، بسبب عدم قدرة الشرطة والتحليلات الجنائية من تحديد من قام فيهما بالاعتداء ومن قام باستخدام السلاح في القتل، لعدم وجود أي نوع من البصمات في مسرح الجريمة . فعلى الرغم من أنه لا يزال هناك بعض الفروق الطفيفة التي يمكن رصدها في تحليل ال DNA فإن تكلفة كشفها باهظة وغير قابلة للتطبيق العملي في أغلب الأحيان . تحدث بعض العلماء عن أسلوب جديد وهو التعرف على ملامح الوجه ولكن بتقنية عالية لوجود اختلاف دائم بينها مهما كان التوأم متماثلين، بسبب العوامل البيئية وغيرها التي تعيد تشكيل خطوط الوجه . وفي السياق نفسه قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بتمويل مشروع بحثي بعنوان أيام مهرجان التوائم يتضمن فعاليات يشارك فيها العديد من التوائم المتماثلة ليتيح للعلماء الفرصة لاختبار تكنولوجيا جديدة عن المقاييس الحيوية للتعرف إلى هوية الأشخاص تلقائياً على أساس الصفات الفسيولوجية بخاصة من خلال ملامح الوجه بين أزواج التوائم .

يقول ماريوس ساويدس الأستاذ في جامعة كارنجي ميلون في ولاية بنسلفانيا الأمريكية والمشارك في المشروع، إن المفتاح الذي يمكنه التفريق بين التوائم هو مراقبة سلوكياتهم وطبيعة انعكاسها على وجوههم في المواقف المختلفة، ويضيف بأنه عندما يتبنى أي إنسان تعبيراً معيناً أو حتى ابتسامة، حينها يقوم العقل بدوره في كيفية إظهاره، وهنا يحدث التباين في ردود الانفعال . جمع ساويدس المئات من الصور الملتقطة خلال إحدى فعاليات تجمع التوائم، وقام بمقارنة كل زوج منها من خلال رصد ردود الفعل التلقائية على الوجه في لحظة تعرض التوأمين للموقف نفسه خلال الاحتفال، وقد لاحظ اختلافات متعددة بين كل التوائم دون استثناء في طبيعة وزمن وسرعة رد الفعل وانعكاسه على تغيير الملامح لحظياً، حتى إن التوائم الذين أظهروا تعبيرات وجه حيادية تجاه الموقف نفسه كان يشوبها قدر ملحوظ من الاختلاف وعدم التماثل .

أصبحت حالة عدم التماثل تلك جلية جداً حينما قام عدد من طلاب ساويدس بعمل قص للصور الرقمية لوجوه التوائم بشكل نصف طولي، وعمل تطابق بنصف أحد التوائم الأيمن مع نصف وجه أخيه الأيسر والعكس، هنا بدت مفارقات عدة أثبتت وجود اختلاف جذري يمكن ملاحظته بسهولة وترقيمها في نقاط واضحة تكشف الاختلاف بين الاثنين . ومن خلال تطبيق الوسيلة السابقة بأكبر عدد من الصور للتوأم الواحد، تمكن الفريق من رصد مراحل تغير الوجه بمرور الوقت خلال فترة زمنية قصيرة وهو وقت الفعالية الترفيهية .

على الجانب الآخر من رصد تغير ملامح الوجه الدائمة في الأوقات الطويلة، يتضح أن الوجوه تتغير بسبب عوامل عدة منها العمر والعادات كالتدخين وتغير الوزن والبدانة وتبدل تعبيرات الوجه حسب التعليم والمعرفة والخبرات، ويقول هنا ساويدس، إن إمكانية التفريق بين توأمين متماثلين في مرحلة عمرية متقدمة، أسهل كثيراً من التفريق بينهما وهما صغيران بسبب تعرضهما للعوامل البيئية والاجتماعية والغذائية نفسها، ولكن بكبر السن فيكون الزمن قد وضع بصمته عليهما بشكل مختلف . قام طلاب ساويدس بإعداد خوارزمية، وهي نظام للحلول الحسابية، وذلك لتحديد عمر أي شخص داخل صورة بواسطة فحص خطوط وأنسجة الوجه، في 9 مناطق حول العينين والمنطقة الفاصلة بين أعلى الشفتين وفتحة الأنف، ويقول ساويدس، إنه حتى الشباب يتكون لديهم مثل تلك الخطوط على الوجه وليس الكبار فقط . وبالفعل فقد كيفوا تلك الخوارزمية للعمل على تلك المعطيات بعد تحويلها لعمليات حسابية بحتة، من خلال أرقام ورموز وإيجاد علاقات بينها، وبموجبها جرت عمليات حسابية عدة معقدة لحساب عمر خطوط الوجه واختلافها بين التوائم المتماثلة، وتبين بإجرائها على مئات الصور ل 638 زوجاً من التوائم المتماثلة، استطاع البرنامج الحسابي أن يفرق بين التوأم الواحد بنسبة 90 في المئة . وبإجراء تلك العملية الحسابية في كشف الجرائم، يمكن التقاط أية صورة من كاميرا مراقبة أمنية، وإذا تبين أن للمشتبه فيه توأماً، يتم تزويد البرنامج بصور عدة تحمل تعبيرات وجه مختلفة، ومن هنا يمكنه التعرف إلى صاحب الصورة من بين التوأمين بكل سهولة . يقول كيفن بوير الأستاذ في جامعة نوتردام بولاية أنديانا الأمريكية الذي أعد قاعدة البيانات التي استخدمها ساويدس وطلابه، إن كل التقنيات المستخدمة للتفريق بين التوائم المتماثلة، لابد أن يتم إعدادها بشكل أكاديمي ليتدرب عليها رجال الشرطة وبخاصة العاملون في مجال الطب الشرعي، فلا يمكن أن تكون مجرد تطبيقات حوسبية كافية لإدانة شخص ما بارتكاب جريمة قد تكلفه حياته ظلماً، ولكن بمساعدة تلك التقنيات مثل التطبيق الجديد يمكن توسعة نطاق عمله ليتعرف إلى كل الأوجه .

تواجه تقنيات التعرف إلى الوجوه تحديات عدة أمام المحققون، فلا يمكنها التعرف إلى الوجوه في كافة الاحتمالات والمواقف بحسب نوع وملابسات الجرائم، إذا إن العلماء يؤكدون كفاءتها بنسبة تأتي دائماً بأقل من 90% مما يجعل الأمر في غاية الخطورة على القضاة والمحلفين بالنطق بالحكم خاصة في القضايا المهمة، ففي العام الماضي وعلى الرغم من وجود شكوك حقيقية لارتكابه جريمة قتل أخيه التوأم، تمت تبرئة الكولومبي وائل علي من تهمة قتل أخيه واصل، بعد أربعة أعوام قضاها رجال الشرطة في جمع الأدلة لإثبات تورطه من عدمه، وتقرر في النهاية إطلاق سراحه بسبب أن تحليلات DNA لهما متطابقة تماماً، وأي دلائل أخرى أمام هذا التحليل أصبحت بالنسبة لهيئة المحلفين لا قيمة لها، ويقول العلماء لا بديل عن إيجاد حل علمي لتفرقة تحليلات DNA لتصبح الأدلة قاطعة، ويؤكدون أن ذلك الأمل ليس ببعيد، ففي عام 2008 اكتشف علماء الوراثة في جامعة ألاباما الأمريكية أن الحمض النووي للتوائم المتماثلة يحتوي أحياناً على أعداد مختلفة للنسخ الجينية الخاصة بهم، وفي عام 2005 وجد العالم ماريو فراجا في المعهد الوطني لأبحاث السرطان بعض التغيرات الجنية التي تعني أن التوائم ليسوا دائماً متماثلين .