على العكس من قداسة البابا، فرنسيس، المشهور بالتواضع والزهد في مباهج الحياة، كان الأسقف الألماني فرانز بيتر تبارتز، الذي ذكرت الأنباء أنه أنفق أكثر من 31 مليون يورو، لترميم مسكنه . . فأصبح مدار التعليقات في معظم وسائل الإعلام الألماني .
كتبت مجلة دير شبيغل، (15-10-2013) لا تزال الفضيحة المحيطة بإنفاق أسقف مُسرف في ألمانيا، تتفاعل في وسائل الإعلام، ويقول المحللون والمعلقون، إن هذه القضية، قد تكون نقطة تحوّل بالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكية في البلاد .
وتقول الصحيفة، إن الأسقف، قوبل بالازدراء في فرنسا، ووصف بالأسقف المبهرَج، كما أنه كان محور تغطية صحافية مكثفة في ألمانيا خلال هذا الأسبوع .
ويتعرض تبارتز لانتقاد شديد، لسماحه بأن تتضخم تكاليف بناء مقرّ ومسكن جديد له في ليمبورغ، بألمانيا، لتبلغ ما يقارب ثلث إجمالي ثروة الأسقفية . وتضيف المجلة قائلة، إن أسلوب حياته الباذخ، يناقض الرسالة التي نادى بها البابا فرانيسس، الذي كان يشاهَد في الأسابيع الأخيرة، وهو يطوف أرجاء مدينة الفاتيكان في سيارات قديمة .
وقد تضخمت تكاليف بناء مقرّ ومسكن جديد للأسقف تبارتز، حيث كانت تقدّر ب 5 .2 مليون يورو (37 .3 مليون دولار)، لتبلغ أكثر من 31 مليون يورو . وذكرت مصادر عديدة، مشاركة في البناء، أن طلبات تبارتز الخاصة، ومنها بناء حوض استحمام بتكلفة 15 ألف يورو، أسهمت في تجاوز التكاليف المقرّرة إلى حدٍّ كبير .
ويواجه تبارتز متاعب من جهة أخرى، حيث أخبر مراسلاً لمجلة دير شبيغل في صيف 2012 أنه كان قد سافر إلى الهند في رحلة بدرجة رجال الأعمال- لا الدرجة الأولى، كما أشار تقرير المجلة- ليلتقي بالفقراء، وذلك ادعاء كرره علناً في شهادتين تحت القسَم . ولكن المدعي العام في هامبورغ، يقول إن الاسقف، أدلى بإفادتين غير صحيحتين، ووجّه اليه الاتهام .
فإذا ثبت أنه مذنب في محكمة ابتدائية في هامبورغ، فسوف يكون أول أسقف في تاريخ الكنيسة في ألمانيا ما بعد الحرب، يُدان في محكمة جنائية . وقد أقام تبارتز دعوى قضائية على دير شبيغل، مدّعياً عليها بالكذب في تقريرها الصحفي .
وعلى الرغم من تصاعد الضغط الشعبي المطالب بتنحي تبارتز، فإن الأسقفية الكاثوليكية في ألمانيا، ظلت صامتة حول القضية .
وتقول المجلة، إن القضية ظلت بارزة في الإعلام الألماني، حيث قالت بعض افتتاحيات الصحف، إن القضية قد تهدد الهيئة الكهنوتية الحالية لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا .
وتشير صحيفة دي فيلت المحافظة، إلى أن وضع تبارتز، يخلق مشكلة أساسية لأساقفة البلاد: إن الأساقفة في مأزق . وبطبيعة الحال سوف يشعرون بالسعادة لو خرج تبارتز من المشهد في القريب العاجل . ولكن، إذا كان له أن يتنحى، فقد يكون ذلك بداية تطور خطر بالنسبة اليهم- تطوّر قد يهز صورة مكتب الكنيسة ويضعف موقف أعيان الكاثوليك على المدى البعيد . فأساقفة الكاثوليك، لا هُم مدراء ولا ساسة، حتى لو كانت وظائفهم تتضمن بعض المهمات المماثلة . فمسؤولياتهم الروحية والدنيوية، تُستمَدُّ من الله، لا من ثقة مجلس إشراف، أو من إرادة الناخبين . . . ولذلك فإن الكنيسة تقيم حدوداً عالية جداً لتنحي الأساقفة في وقت مبكر، أو لإقصائهم من مناصبهم .
وبسبب هذا الفهم المقدس، لم يُضطر الأساقفة أبداً إلى الالتزام بقوانين ديمقراطية الإعلام . وبصرف النظر عن مدى حدة الانتقادات التي توجه اليهم، ظلت مكانتهم، فوق النقد .
فإذا فقد تبارتز وظيفته لأن الضغط الشعبي أصبح كبيراً، لا لأن جهاز الكنيسة اتخذ القرار، فستكون الكنيسة قد أذعنت للغضب الشعبي . وهذا هو السبب في أن الأساقفة الألمان يتجنبون اتخاذ أي مواقف واضحة . فهم يعرفون أن هذا يمكن أن يكون أول خرق في السدّ الذي يقيهم، ومن شأنه أن يهددهم . صحيح أن قضية ليمبورغ سوف تشكّل سابقة . فإذا استمر المنتقدون مدة طويلة في توجيه سهام النقد لممثلي الكنيسة، فهنالك احتمال لأن تدعهم الكنيسة يسقطون . وتلك رسالة ضمنية يرغب الأساقفة في تجنبها بكل ثمن .
وكتبت صحيفة سودويتشي تسايتونغ، (يسار الوسط): كل الحق على البابا . لعل الانتقاد الموجه لهذا الأسقف، لم يكن بهذه الشدّة، لولا وجود هذا البابا . ولعل الناس كانوا سيقولون، هذه هي حال الكنيسة في ألمانيا . . . من دون هذا البابا الجديد، كان الأسقف تبارتزْ، سيُعتبر العيّنة الروحية الصادقة، لكنيسة تبشر بالماء، ولكنها تشرب النبيذ، وتخفي نرجسيتها وحبَّها لنفسها، بالحديث العذب عن حبّ الله . من دون البابا، كان انتقاد الأمير الأبرشي الصغير، سيخبو سريعاً جدّاً . . ولكن الانتقاد لن يتخافت . . لأن البابا والمطالب التي يناشد الكنيسة بها، إدانة لذات النظام الذي يجسده تبارتز .
لقد اتخذ هذا البابا لنفسه اسم فرانسيس، الذي تتناقض رسالته تناقضاً صارخاً مع أبهة هيئة كهنوت الكنيسة . عِشْ في فقر من أجل الفقراء . هذه هي الرسالة الفرنسيسيّة التي بشّر بها البابا . ومبالغات وأكاذيب هذا الاسقف الألماني الآن، تثير الشكوك حول هذا المسار . وذلك يجعل السلوكيات الغريبة التافهة التي أقدم عليها هذا الأسقف، خطرة إلى هذا الحد على البابا .
لا يتعلق الأمر بالأسقف شخصياً . فهو مجرد ممثل شاذ وإن يكن عادياً لنظام كان فيه المال، والممتلكات والثروة- ولا تزال- أموراً مهمة . ويشكل الأسقف الآن عامل خطورة على هذا النظام . وهو يجلب الانتباه إلى غرائب جهازٍ لم يسمح وحسب لتبارتز، بأن يصبح أسقفاً، بل منحه السلطة ليفعل ما يريد من دون حدود أو قيود- لأن هذه هي الحال التي بُنيت عليها هيئة الكهنوت الكاثوليكي . إن الأساقفة الآخرين، أذكياء بما فيه الكفاية لاجتناب ممارسة هذه السلطة، والتصرف بتحفظ والإصغاء للمجالس الاستشارية .
وكتبت صحيفة فرانكفورتر الماينه، (يمين الوسط) . . ليس هنالك مدىً لم يبلغهتبارتز فان إلسْت، ونائبه العام، في التملص من إطلاع المتطفلين المزعومين على التمويل الحقيقي لمقرّ الأسقفية البالغ 31 مليون يورو . لقد جرّدوا مجلس الرهبان من السلطة، ونصّبوا مجلس تمويل أبرشي، اضطرّ أعضاؤهم إلى الموافقة على السرّية، وأوكلوا إدارة الحسابات لشركة محاسبة خارجية . ولكن جدار الصمت لم يصمد . . وبنشاط يمكن وصفه بأنه إجرامي، تجاهل الأسقف وأعوانه كل عقبة قانونية، وحصّنوا أنفسهم فيما يبدو من الرقباء البسطاء حتى النهاية . ولكن من شأن ذلك، أن تكون له عواقب قانونية بالنسبة إلى كل المتورطين، لأن ثلث المدخرات التي بنتها الأبرشية على مدى قرنين تقريباً، تم تبديدها خلال ثلاث سنوات فقط . . .