بغداد - زيدان الربيعي:
كان العام 2013 حافلاً بالتطورات الأمنية والسياسية التي تؤشر إلى بداية تبدل في المشهدين الإقليمي والعالمي وفي العلاقات الدولية التي قد تكون بمثابة إرهاصات لتشكيل نظام عالمي تعددي جديد، بعد أن لوحظ انكفاء أمريكي في أكثر من موقع، وتقدم قوى عالمية أخرى مثل روسيا والصين والبرازيل المشهد والمشاركة في صياغة الحلول .
لكن المنطقة العربية ظلت في العام ،2013 خصوصاً بعض الدول مثل مصر التي تخلصت من نظام "الإخوان" وسقوط حكم محمد مرسي بعد التظاهرات المليونية يوم 30 يونيو/ حزيران والعراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن، مازالت تعاني اضطرابات واقتتالاً داخلياً جراء تصاعد نشاط المجموعات الإرهابية والتكفيرية التي نجم عنها سقوط آلاف الضحايا وتشرد مئات الآلاف الذين تحولوا إلى لاجئين في دول الجوار وغيرها، إضافة إلى الدمار الهائل الذي أصاب البنى التحتية في هذه الدول .
كذلك، فإن العديد من دول العالم، خصوصاً في إفريقيا وآسيا وأوروبا، شهدت اضطرابات وتظاهرات ومواجهات وحروباً على خلفيات سياسية واقتصادية وإثنية .
وإذ يدخل العالم عاماً جديداً فإنه يحمل معه بقايا هذه الصراعات والحروب وسط محاولات دؤوبة للتصدي لها، لأنها باتت تشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين .
شهد العراق خلال عام 2013 الكثير من الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية والطبيعية التي تركت الكثير من الآثار والتداعيات على أبناء وادي الرافدين، حيث كان عام 2013 عاماً زاخراً بالإرهاب والدم والتظاهرات والاعتصامات والأمطار الغزيرة التي جعلت الكثير من المدن العراقية تتعرض للغرق، فضلاً عن ذلك كان عام 2013 قد شهد بعض الأزمات والخلافات السياسية بين القادة السياسيين، كما شهد العام المذكور غياباً تاماً للرئيس العراقي جلال الطالباني عن ممارسة سلطاته الدستورية والقانونية نتيجة لتعرضه لجلطة دماغية في نهاية عام 2012 أدت إلى رقوده في أحد المستشفيات الألمانية . كما شهد العام نفسه إجراء انتخابات مجالس المحافظات في 15 محافظة عراقية وإجراء انتخابات في ثلاث محافظات أيضاً بإقليم كردستان العراق .
بدأ العام 2013 بتصاعد التظاهرات والاعتصامات في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى وأجزاء من العاصمة بغداد، حيث حاولت حكومة المالكي احتواء التظاهرات والاعتصامات عبر تنفيذ بعض المطالب أو التهديد بإنهائها بقوة، كما منعت الحكومة العراقية نقل التظاهرات من تلك المحافظات إلى العاصمة بغداد . إلا أنها لاتزال مستمرة لغاية الآن رغم أن الحكومة استطاعت إضعافها والتقليل من تأثيرها . لكن خصوم المالكي حاولوا ركوب موجة التظاهرات والاعتصامات عبر طرق مختلفة، إلا أن ملتقى هذه الطرق تمثل بالمطالبة باستقالة المالكي أو إسقاط حكومته، لكن الأخير استطاع أن يضرب خصومه ويعيد بعض وزراء "العراقية" قبل أن تتفتت وتصبح كتلاً متعددة، إلى حكومته من جديد بعد أن كانوا استقالوا أو انسحبوا منها تضامناً مع المتظاهرين والمعتصمين، حيث تراجع وزير الزراعة عز الدين الدولة عن استقالته وكذلك الحال مع وزير العلوم والتكنولوجيا عبد الكريم السامرائي وأيضاً وزير التربية محمد تميم ووزير الكهرباء كريم عفتان ووزير الصناعة أحمد الكربولي، بينما تم قبول استقالة وزير المالية رافع العيساوي الذي تم توجيه له عدة تهم مختلفة . كما شهد عام 2013 انسحاب وزراء الكتلة الصدرية من جلسات مجلس الوزراء لرفض زعيمهم مقتدى الصدر قرار تصويتهم على إلغاء البطاقة التموينية .
كما شهد العام ذاته فشل البرلمان العراقي في استجواب رئيس الحكومة نوري المالكي في ضوء حصول بعض الانهيارات الأمنية أو الأزمات السياسية رغم أن البرلمان وضعه تحت الاستجواب منذ عام ،2012 كما فشل اجتماع أربيل الذي عقد هناك بتواجد الكتل السياسية التي حاولت عام 2012 سحب الثقة من المالكي في إقناع التحالف الوطني بترشيح بديل منه ليخلفه في رئاسة الوزراء، حيث أبدت كتل التحالف الوطني تمسكها بالمالكي ورفضت المساومة على هذا المقترح .
اغتيالات
وقتل النائب عن العراقية عيفان العيساوي في مدينة الفلوجة التي شهدت أيضاً في نهاية العام الحالي مقتل منظم الحراك الشعبي فيها الشيخ خالد محمود الجميلي، كما قتل منسق الحراك الشعبي في كركوك بنيان العبيدي، بينما نجا بأعجوبة نائب رئيس الوزراء صالح المطلك من محاولة اغتيال في ساحة اعتصام الرمادي وكذلك الحال مع وزير المالية رافع العيساوي ورئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي وشقيقه محافظ نينوى .
ولاية المالكي ومجزرة الحويجة
وفي محاولة من خصوم المالكي لمنع ترشيحه لولاية ثالثة مرر البرلمان العراقي مشروع قرار يحدد ولايات الرئاسات الثلاث بدورتين فقط، إلا أن المحكمة الاتحادية نقضت هذا القرار، لأنه يتعارض مع الدستور العراقي النافذ حسب تفسيرها الذي يعد ملزماً للجميع . وتعرضت ساحة اعتصام الحويجة في محافظة كركوك إلى مجزرة كبيرة عندما قامت قوات الجيش العراقي باقتحام الساحة بعد أن تعرض بعض جنود الجيش العراقي إلى الاختطاف والقتل من قبل بعض المتواجدين في الساحة المذكورة، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين والمعتصمين، حيث كادت هذه المشكلة أن تسبب أزمة كبيرة جداً داخل البلد، لولا جهد المرجعيات الدينية وبعض السياسيين وشيوخ العشائر في احتوائها قبل أن تستفحل .
وتم اختيار لويس ساكو بطريركاً جديداً لكلدان العراق والعالم . كما شهد العام المذكور توتراً كبيراً بين العراق وتركيا إثر تدخلات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالشأن العراقي، إلا أن نهاية العام نفسه شهدت ترطيباً في أجواء العلاقات بين البلدين، حيث تبادل المسؤولون في البلدين الزيارات . وفي العام 2013 هبطت أول طائرة عراقية في مطارات الكويت بعد توقف دام 22 عاماً . كما شهد العام المذكور حادثة هي الأولى في البرلمان العراقي عندما قامت عضو البرلمان العراقي عن الكتلة العراقية الحرة عالية نصيف بضرب رئيس الكتلة العراقية النيابية النائب سلمان الجميلي بحذائها في صالة البرلمان بعد أن قام الأخير بتهديدها والتجاوز عليها بألفاظ نابية حسب قولها .
تباعد وتقارب بين بغداد وأربيل
شهد عام 2013 حصول نوع من التباعد بين بغداد وإقليم كردستان على أثر قيام الحكومة العراقية بالتحشيد على تمرير قانون الموازنة العامة لعام 2013 وفق نظام الأغلبية وليس عبر نظام التوافق السياسي الذي اعتادت عليه الكتل السياسية في السنوات الماضية، حيث أدى تمرير الموازنة العامة إلى مقاطعة الوزراء الأكراد لجلسات مجلس الوزراء وكذلك مقاطعة النواب الأكراد لجلسات البرلمان لأكثر من ثلاثة أشهر قبل أن تحصل ليونة في الموقف بين الجانبين عندما قام رئيس الوزراء نوري المالكي بعقد جلسة مجلس الوزراء العراقي في أربيل والتقى هناك رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني بينما قام الأخير بزيارة بغداد بعد غياب عنها دام لأكثر من ثلاث سنوات . ورغم مطالبات العديد من المنظمات الدولية للحكومة العراقية بإيقاف تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المدانين من قبل القضاء العراقي، إلا أن الحكومة العراقية قامت بتنفيذ الكثير من أحكام الإعدام خلال عام ،2013 إذ بعد كل إعلان لوزارة العدل العراقية بتنفيذ أحكام الإعدام تقوم المنظمات الدولية بتحذير حكومة بغداد من الاستمرار بها حتى إن نائب رئيس الوزراء العراقي صالح المطلك توقع عزل العراق عن العالم بسبب عدم انصياع حكومته لمطالبات المنظمات الدولية في هذا الجانب . أعلن زعيم التيار الصدري العام 2013 اعتزال العملي السياسي احتجاجاً على الوضع الذي وصل إليه البلد على جميع الصعد، إلا أنه عدل عن هذا القرار بعد مرور نحو شهرين، كما قدّم النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي قصي السهيل "وهو قيادي في كتلة الصدر" استقالته من منصبه، لكن الضغوط الكثيرة التي تعرض لها من قبل الكتل السياسية جعلته يعدل عن قراره هذا ويعود إلى منصبه .
أيام دامية
كان عام 2013 من الأعوام الدامية جداً في العراق، إذ تعرضت الكثير من المدن العراقية ولاسيما العاصمة بغداد وكركوك ونينوى والبصرة وصلاح الدين وديالى إلى هجمات دموية كثيرة بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والعمليات الانتحارية، إذ سقط المئات بين قتيل وجريح جراء هذه الهجمات الإرهابية التي لم تستطع الأجهزة الأمنية إيقافها رغم وعودها العديدة إلى المواطنين بتغيير خططها الأمنية . في حين شهد قضاء طوز خرماتو التابع لمحافظة صلاح الدين ما يشبه الإبادة الجماعية بعد أن توالت عليه الهجمات بالسيارات الملغومة . ويمكن اعتبار عام 2013 عاماً لهروب السجناء من السجون العراقية، إذ تعرضت الكثير من السجون العراقية في بغداد ونينوى وصلاح الدين إلى هجمات منسقة من قبل الجماعات المسلحة أدت إلى هروب الكثير من السجناء وكانت حادثة سجن أبي غريب الذي يقع في أطراف بغداد هي الأبرز في هذا المجال، بعد أن قام انتحاريون باقتحام السجن وتهريب أكثر من 500 سجين أغلبهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة .
سيول وأمطار وهزات
وتعرض الكثير من المدن والقرى العراقية إلى أمطار غزيرة وسيول دمرت الكثير من المباني والمنازل والمزارع، حتى تطلب الأمر في بعض الأحيان تدخل الطائرات المروحية التابعة للجيش العراقي لإنقاذ العائلات التي تحاصرتها المياه والسيول . كما تعرضت بعض المدن العراقية لهزات أرضية خفيفة أرعبت العراقيين، لكنها لم تتسبب بحصول وفيات أو انهيارات كبيرة للدور والمنازل .
انتخابات مجالس المحافظات
شهد عام 2013 إجراء انتخابات مجالس المحافظات، حيث تم تأجيل انتخابات محافظتي الانبار ونينوى من قبل الحكومة العراقية لمدة شهرين، في حين أسفرت الانتخابات المذكورة عن فوز ائتلاف المالكي بالمركز الأول
في عشر محافظات، إلا أنه لم يحقق الأغلبية، ما
جعل الكتل الأخرى تنتزع من ائتلافه الكثير من المناصب في بغداد والبصرة وواسط، كما جرت انتخابات برلمان إقليم كردستان . حيث شهدت انتخابات المحافظات إقبالاً ضعيفاً من الناخبين، بينما شهدت انتخابات برلمان إقليم كردستان إقبالاً كبيراً .
توقيع وثيقة السلم الأهلي
وتم توقيع وثيقة السلم الأهلي من قبل أغلب قادة الكتل السياسية التي نصت على حرمة الدم العراقي وتهدئة الخطاب السياسي، حيث تبنى هذه الوثيقة نائب الرئيس العراقي خضير الخزاعي وقد رفضت التوقيع عليها جبهة الحوار الوطني بزعامة نائب رئيس الوزراء العراقي صالح المطلك وكذلك زعيم القائمة العراقية إياد علاوي وبعض الشخصيات الأخرى، كما قام رئيس المجلس الإسلامي العراقي الأعلى عمار الحكيم بإجراء مصالحة بين رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي .
خروج العراق من البند السابع
ورغم الأحداث الدموية والأزمات السياسية التي حدثت في عام ،2013 إلا أن هذا العام شهد انفراجاً لملف مهم جداً عانى منه العراق منذ عام ،1990 حيث تم خروج العراق من طائلة البند السابع في مجلس الأمن الدولي بعد أن أوفى بكل التزاماته لدولة الكويت .
وزار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي روسيا والولايات المتحدة وإيران، حيث عقد مع قادتها الكثير من المباحثات والملفات ذات الاهتمام المشترك، كما تم توقيع عدد من العقود مع هذه البلدان .
وشهدت الأشهر الماضية عودة جديدة إلى التهجير الطائفي في بعض المدن في مختلف المحافظات، مما ولد مخاوف كبيرة لدى عموم العراقيين من احتمال عودة هذه الظاهرة مرة أخرى، حيث شهدت محافظات البصرة والناصرية وواسط استهدافاً لحياة بعض رجالات عشائر السعدون، ثم تطور الأمر إلى قيام مجموعات مسلحة بتهجير أبناء تلك العشيرة التي لها امتدادات قوية في معظم تلك المحافظات، فضلاً عن المحافظات الأخرى، لكن رئيس الوزراء نوري المالكي تدخل شخصياً في إيقاف الأذى الذي تعرض لها أبناء هذه العشيرة . كما شهدت محافظة ديالى عمليات تهجير طائفي مماثلة . كذلك شهدت أحياء ومدن أخرى عمليات تهجير طائفي قليلة .
العنف يضرب الإقليم
تعرض إقليم كردستان إلى عمليات استهداف عدة استهدفت محافظتي أربيل والسليمانية مما خلف بعض
القتلى والجرحى فضلاً عن ذلك أدت هذه الاستهدافات
إلى قيام سلطات الإقليم بتشديد الإجراءات الأمنية عند
مداخل الإقليم وكذلك في داخله لتفادي تجدد مثل هذه العمليات .