فلسطين المحتلة - حصة سيف:
كان ولا يزال حلم العودة يراود أصحاب الأرض منذ اغتصابها، لم يعد أمنية خاصة فقط بمن يملكون حق العودة وتقرير المصير، بات أملاً عربياً يراه كل مخلص في منامه وفي يقظته، وتحول إلى مطلب قومي يرجوه كل من يتحدث بلغة الضاد . وكيف لا وقد استوحش الاحتلال مستغلاً ما تمر به بعض دول الأمة من خلافات، ومن حين إلى آخر يحاول طمس الهوية العربية ومقدراتها الثابتة، فتارة يعبث بأساسات المسجد الأقصى وتارة أخرى يحاول منع العرب من الصلاة فيه، ولكن لا تزال السواعد الفلسطينية تحمل حجارة الأرض المقدسة لتدافع بها عنه، كما تتحرك آلة الإعلام من وقت لآخر لتوثيق الاعتداءات السافرة على تراث وحضارة شعب بأكمله .
انطلقت وفود إعلامية عربية من الإمارات والأردن والكويت والمغرب تلبية لدعوة إعلامية من فلسطين . لم تكن رحلة عادية حيث تضمن برنامجها أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وزيارة المدن والمحافظات الفلسطينية، واللقاء مع الشعب الفلسطيني الذي يعاني الأمرين في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" البغيض، كانت تلبيتنا للدعوة من منطلق دعم هذا الشعب الصامد، واللقاء معه على أرض الواقع وتلمس معاناته بدلاً من الاكتفاء بمتابعتها تلفزيونياً أو إعلامياً .
الانفراد بالضحية، هو ما ساعد الاحتلال على فرض سياساته، والتمادي بممارساته العدوانية، بينما ينشغل العرب بمشاكلهم الداخلية، والخارجية، ويتركون العدو الصهيوني يدنس المقدسات ويسعى لتهويدها من دون أي اعتراض يعيق طريقه .
إن منع فلسطينيي الضفة وغزة من دخول مدينة القدس، على أهلها المرابطين حول المسجد الأقصى أن يقفوا وحدهم يدافعون عن مقدساتهم بأجسادهم العارية وأيديهم الخاوية إلا من الحجارة .
عند أبواب بيت المقدس لم نكن نتوقع الدخول، إذ يصعب ذلك على أصحاب الأرض الفلسطينية، فكيف بالقادمين من الخارج، إلا أن مجازفة أهل القدس بدخولنا عبر مركباتهم الخاصة (الأجرة السياحية)، كانت مغامرة حسبت لنا، وشهدنا المواجهات التي تجري بين جنود مدججين بالسلاح وشباب عزل يدافعون عن أرضهم المقدسة بما ملكت أياديهم .
في باحة القدس الشريف، كانت المواجهات التي بعثت فينا الأمل بنهوض الأمة من جديد من العدم، من قوة الصمود التي لمسناها من المرابطين المصلين العزل في المسجد الأقصى .
يشهد كل حجر في المواقع التي زرناها على انتهاكات الكيان التي لم يخل منها مكان ولم يسلم شبر طالته أيديهم، فالمستوطنات منتشرة في الضفة الغربية، ومتمكنة فوق الهضاب تحتل مواقع استراتيجية، على طول الطريق إلى بيت لحم، فيما بدو النقب من الفلسطينيين والمهجرين بخيامهم ومنازلهم المتنقلة مع حلالهم من الأغنام في السهول وبين الوديان، لا حق لهم في الاستقرار ولا يمكنهم بناء منازل، وهم مهددون في أي لحظة بالرحيل من تلك الأراضي، من دون أن يكون لهم - كأصحاب أرض - الحق في العيش على أرضهم في أمان، مادام الاحتلال جاثماً على صدورهم، وتشهد أشجار الزيتون المحروقة المقابلة للمستوطنات على تعرضهم للظلم، حتى الشجر الأخضر لم يسلم من أذاهم، ورغم ذلك فالفلسطيني البسيط، مازال يكافح ليثبت بقاءه على أرضه رغم كل الظروف الطاردة التي تفتك بحياة أسرته .
بيت لحم
كانت أولى محطات الرحلة في محافظة بيت لحم حيث زرنا كنيسة المهد وبجانبها كان يصدح الآذان ويذكر بقراءة القرآن، في مسجد من طابقين يقابلها مباشرة، حيث تجتمع الديانتان، الإسلامية والمسيحية، وتتوقف أجراس الكنيسة حين يبدأ الآذان والصلاة، فيما تجمع كنيسة المهد التي ولد في موقعها عيسى بن مريم عليه السلام جميع مسيحيي العالم، يزوروها ويحجون إليها سنوياً، دخلنا إليها وداخل المغارة التي يمنع زائروها من وضع العقال أو القبعة احتراماً للموقع، انتظرنا ريثما انتهي أحد القساوسة من تبخير المكان لاستقبال زواره، وكان أول موقع يرشدنا إليه موضع مولد المسيح، ووضع عليه شكل هندسي على هيئة نجمة فضية وعلى الطرف الآخر في المكان نفسه النخلة التي هزتها مريم عليها السلام قبل ولادتها لتساقط عليها رطباً جنياً، وفيما بينهما يقع مهد المسيح عيسى عليه السلام .
مخيم عايدة
زرنا مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين في بيت لحم، هؤلاء الذين تركوا ديارهم خلال حرب 1984 وهو من مخيمات الضفة الغربية ويقع في محافظة بيت لحم، وضع الفلسطينيون على أحد بواباته مجسماً لأكبر مفتاح في العالم، ليذكروا المجتمع الدولي بحقهم في العودة المشروعة لديارهم التي اغتصبها الكيان عنوة، ويقع بالقرب من المخيم جدار الفصل العنصري الذي لون الفلسطينيون ودعاة السلام والحرية لوحاته برسوم رمزية تعكس الألم الذي يعتصر حياتهم ومرارة العيش وسط الحصار .
حدثت مواجهات بين أطفال الحجارة والجنود الصهاينة في اليوم السابق لحضورنا، ومازالت طلقات الرصاص المطاطي بحوزة الأطفال، اقتربنا من بوابة الجدار العنصري، وطلب الجندي البغيض أن نبتعد فوراً ثم رد عليه أحد رجال المخيم بأن أمره غير مستجاب كونه يأمر بغير سند قانوني، ثم غير أمره بأن يبتعد أطفال الحجارة عن البوابة، فأبعد الأطفال، وبقينا نلتقط الصور الجماعية أمام بوابة الجدار .
برك سليمان
تقع ضمن ضاحية محافظة بيت لحم، 3 برك تسقي القدس التي كانت تعاني شح المياه، وتصلها من خلال أنابيب حجرية، تمر بأراضي بيت لحم إلى القدس، يعود عمرها إلى القرن الأول قبل الميلاد، رممها السلطان العثماني سليمان القانوني، وكانت محط أنظار الغزاة على مر العصور حينما كانوا يحاربون مصادر المياه للتحكم في الشعوب، وتقدر القدرة الاستيعابية لها بحوالي 350 ألف متر مكعب، كما بنيت بجانبها قلعة مراد لحمايتها من الاعتداء، يصل عمرها إلى 400 عام .
أقيم مشروع برك سليمان على أراضي الأوقاف الإسلامية جنوب بيت لحم بين قريتي أرطاس والخضر، ويعتبر من أضخم المشاريع السياحية في فلسطين ويمتاز بوجوده ضمن أهم المناطق التاريخية والطبيعية في فلسطين، واستغلت قلعة مراد كمتحف أثري تعرض فيه آثار وقطع أثرية ونادرة تعود ل 3 عصور متتالية، الحجري والنحاسي والإسلامي، كما تشمل القلعة حالياً مطاعم عدة يتسع أحدها ل 1000 شخص، كما يحتل المشروع مساحة واسعة تقدر ب 200 دونم، ويطمع الاحتلال في ضمها لتراثه ويرجعها إلى النبي سليمان عليه السلام إلا أن التاريخ يشهد على أن الاسم يرجع للملك سليمان القانوني العثماني، الذي عمرها وأعاد صيانتها في عهده لتسمى بعدها باسمه .
الجنة المغلقة
تقع بلدة أرطاس (ومعناها الجنة المغلقة)، على تل جبلي بنيت المنازل على سهوله وعلى التلال من قمتها إلى أن تنبسط مع الأرض، وخصصت مساحات للمزارع حيث تميزت بتربتها الخصبة كما اتسمت أرطاس بجمالها الذي اندمجت فيه المباني القديمة مع سفوح الجبال والأراضي الخضراء، كاسمها تماماً، وتعتبر جنة راسخة تبدأ من أعلى الجبل إلى سهله، وتقع بجانبها قرية الخضر، ومقابلها مقبرة الشهداء .
الخليل
تعتبر مدينة الخليل من أقدم مدن العالم وأعرقها تاريخاً وحضارة، تقع إلى الجنوب من القدس وتبعد عنها 35 كيلومتراً، بناها العرب الكنعانيون منذ ما يزيد على 5500 سنة، وأطلقوا عليها "أربع" نسبة إلى ملكها العربي الكنعاني الذي يحمل الاسم نفسه، عاش ودفن فيها النبي إبراهيم عليه السلام وأبناؤه إسحاق ويعقوب، وزوجاتهم عليهم جميعاً السلام، وشيد الحرم الإبراهيمي الشريف فوق قبورهم، وبنيت المدينة حوله، وسميت بذلك الاسم نسبة إلى خليل الله النبي إبراهيم عليه السلام وبقيت مأهولة على مر الزمن، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 662 .454 ألف نسمة، وتعود معظم مباني البلدة القديمة إلى العصور الأيوبي والمملوكي والعثماني .
أكد محمد غازي نعمان رئيس مجلس ادارة غرفة تجارة وصناعة وزراعة الخليل أمين سر اتحاد الغرف الفلسطينية، على أن 37% من صادرات فلسطين تخرج من الخليل وفيها 45% من الصناعات الفلسطينية و65% من التجارة الفلسطينية في الخليل، كما عرفت بصناعاتها المختلفة ذات الجودة العالية والتي وصلت للعالمية، موضحاً أن دعم الصناعات الفلسطينية يساند الفلسطيني الأعزل ويزيد من صموده تجاه اعتداءات وممارسات الكيان "الإسرائيلي" .
لجنة الإعمار
استقبلنا في الخليل د . علي القواسمي رئيس لجنة إعمار الخليل الذي ذكر تاريخها حين أصدر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قراراً رئاسياً في عام 1996 يقضي بتشكيلها من شخصيات ومؤسسات المحافظة، لإعادة إحياء البلدة القديمة عبر ترميم مبانيها وإعادة استخدام المهجور منها وتأهيل بنيتها التحتية، والحفاظ على تراثها الثقافي وعناصر الوحدة التكوينية للمباني والنسيج العمراني والحد من التوسع الاستيطاني الذي يقطع أوصال البلدة القديمة، من خلال تقديم الخدمات القانونية والاجتماعية والصحية لدعم صمود الأهالي .
وتضمن إعمار البلدة القديمة ترميم الزوايا والمقامات والتكايا ومعاصر الزيتون والسمسم، إضافة إلى 1500 وحدة سكنية، ورياض الأطفال والمركز الصحي وصالونات التجميل والحدائق والمتنزهات الصغيرة التي تخدم أطفال البلدة .
تضم البلدة معصرة زيتون قديمة استخدمت فيها الحجارة الكبيرة المثقوبة لتحريك الصخرة من خلال الدابة المستخدمة آنذاك، كما وضعت بغرفة أخرى منها الآلة الحديدية التي استخدمت لاحقاً، ووضعت لتذكر بماضي الخليل العتيق واشتهاره بالزيتون، وكيفية عصره بكميات كبيرة، تكفي للإنتاج المحلي والتصدير للخارج . واستطاعت لجنة إعمار الخليل أن تزيد عدد سكان البلدة القديمة، وتحتفظ بمقوماتها التراثية، فمازالت سككها الضيقة ومبانيها المقوسة تشهد على عراقة تاريخها، وليس من الغريب أن تجد بين حاراتها حظيرة دجاج أو ماعز، كما بني فيها مستوصف الخليل الخيري بتمويل من الصندوق العربي للإنماء الاجتماعي والاقتصادي، فيما تشتهر الخليل حالياً بصناعاتها النوعية التي نافست بها المنتجات العالمية، حيث زرنا مصنعاً للمواد البلاستيكية وآخر لمنتجات الألبان الطازجة .
المسجد الإبراهيمي
وبداخل البلدة القديمة في الخليل، وبعد المرور على 3 بوابات حديدية يقف جندي الاحتلال في استقبال المصلين، وبعده قبل الدخول للمسجد الإبراهيمي نقطة للكيان يصطف بها 4 جنود للتفتيش الشخصي، بعدها تدخل ممر المسجد المتكون من درجات توصلك إليه، على يمين الممر تظهر ساحات الصلاة المفروشة بالسجاد الأحمر، ترى بعده قاعة كبيرة فيها مقام السيدة سارة زوجة النبي إبراهيم عليه السلام، والجزء المقابل فاصل حديدي، يقسم المسجد إلى قسمين أحدها لليهود الذين تمت مكافأتهم بتقسيم المسجد، بعد المجزرة التي ارتكبها طبيب أمريكي يهودي قتل 29 مصلياً به عام 1994 في شهر رمضان المبارك . وداخله يوجد مقام إبراهيم عليه السلام .
نابلس
كانت نابلس ولا تزال عنواناً للصمود، عرفت بأنها محافظة صناعية تجارية، اشتهرت بصناعاتها القديمة، ولا يزال يصدر منها الصابون النابلسي المصنوع من زيت الزيتون، غير الكنافة النابلسية التي اشتهرت بها حلويات الأقصى، حوصرت لمدة خمس سنوات متتالية، وتأثرت تجارتها وصناعتها إلا أنها لا تزال تجاهد لاستعادة مجدها التجاري والصناعي .
الجدار العنصري
بالقرب من محافظة بيت لحم وأمام مخيم عايدة، زرنا الجدار العنصري الذي أقامه الكيان في عام 2002 لبسط سيطرته على الشعب الفلسطيني الأعزل بشكل ينافي حقوق الإنسان، ولم تجد صرخات الإغاثة اليومية للعالم من ممارسات الاحتلال العنصرية، ورغم تلك الآلام يصر الشعب الفلسطيني على المقاومة والتأقلم مع الأحداث مهما كانت قساوتها، ويظل متشبثاً بأرضه مهما بلغت الانتهاكات والممارسات العنجهية، حول الشعب الفلسطيني الجدار إلى لوحة كبيرة يعبر فيها للعالم عن حقوقه المسلوبة، ومخطوطة عملاقة توثق الانتهاكات، وترصد المواجهات غير المتكافئة بين جنود مسلحين وأطفال يستخدمون الحجارة .
الطريق إلى القدس
انطلقنا يوم الجمعة من رام الله إلى القدس، حيث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، توزعنا على 3 مركبات، كانت مركبتنا الأولى من حيث الترتيب، كان سائق المركبة يقود بسرعة متناهية وكأنه يسابق الوقت، ليرتطم بالمواجهة، ليتخلص من المجازفة بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر، والمناظر بجانبي الطريق تمر وكأنها شريط الذكريات، مبان قديمة وأخرى تحت الإنشاء، سكك ضيقة وممرات أسمنتية متشابكة، وطريق ممتد بشكل مستقيم، تراءى لنا من بعيد الجدار الفاصل، والبوابة تقترب، والجميع صامتون وكأن على رؤوسهم الطير، نترقب لحظة الدخول، قلوبنا ترتل: "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، اقتربنا من البوابة العسكرية، انخفضت السرعة تدريجياً، ننظر للجنود، خشيت أن يميزوا ملابسي، حجابي وعباءتي ولون بشرتي، خشيت أن يكون كل ذلك سبباً في ضياع الفرصة من الآخرين، ثوان تمهل وإشارة السماح بالدخول، ترتسم البسمة على وجوهنا، تطل فرحة الدخول، ملاقاة المسجد الأقصى، والصلاة فيه، يهاتف السائق قائد المركبة الثانية، يخبره بإنجازه، دقائق وتأتي البشرى الثانية دخول الثانية من دون عرقلة، أما الثالثة فبعد التفتيش سمحوا بالدخول فقط لإعلامي كويتي أظهر لهم بطاقة الدخول "الإسرائيلية" من دون أن يبرز جوازه، وعادت المركبة أدراجها تحمل إعلاميين أردنيين، أظهرا بطاقة الدخول مع جوازهما، ما دفع الجندي لرفض دخولهما، لم ييأسا، أعادا المحاولة ونجحا في الدخول عبر بوابة أخرى، حيث تتميز القدس بتوفر أكثر من بوابة ضمن الجدار العنصري البغيض الذي يفصلها عن الضفة الغربية .
اجتمعنا أمام بوابة العامود الشاهقة، كان منظرها مهيباً، يدخل المصلون ومرتادو السوق القديم والبلدة العتيقة من 7 بوابات، أشهرها بوابة العامود، تجد البائعين عن يمينك ويسارك، يبيعون كل ما يخطر على بالك، مأكولات، ثياب، أدوات مطبخ وزينة، وتفترش النساء الممر بالمنتصف على درجات السلالم المؤدية إلى ساحة القبة والمسجد الأقصى، تسمع خلال طريقك، ترتيل آيات من القرآن الكريم، وأناشيد دينية، تعبق المكان بروحانية وسكينة، وفي منتصفه يقف جنديان بزيهما الأخضر، يشوهون تلك السكينة، أمام الحواجز الحديدية الجاهزة لإغلاق أي مدخل وممر، ندخل بلا اكتراث بهم، نصل لباحة المقدس نسمع آيات من الذكر الحكيم، تدمع عيناك تلقائياً، تحمد ربك على وجودك في ذلك المكان، استقبلنا محافظ القدس عدنان الحسيني، وشرح لنا الانتهاكات التي تتعرض لها مدينة المقدس بشكل يومي من قبل الصهاينة، ومحاولاتهم المتكررة لتهويد البلدة القديمة، بما في ذلك المسجد الأقصى ويخبرنا عن الحفريات التي أثرت في الجدران والبنية التحتية للبلدة القديمة وما جاورها، بدأت الصلاة، ألقى الإمام خطبة الجمعة، وضمَّنها الدعوة لشعب مصر إلى التوحد ودرء الفتن والخلافات فشعبنا والمقدسات بحاجة إليهم قائلاً: "أنتم نبض الأمة وقلبها، ونحن نرسل إليكم من مسرى الرحاب الطاهرة ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة للكف عن إغلاق المعابر ورفع الحصار عن غزة، فأهلنا في القطاع يعانون محنة شديدة لا يعلمها إلا الله، أدعو الله أن يوحد المسلمون في أرض مصر والشام، استطاع أعداء الإسلام أن ينكلوا بالمسلمين، أين أيام المعتصم وهارون الرشيد أين أيام نور الدين وصلاح الدين ومن كان معهما، أيام خرج العلماء والأدباء، واليوم فلا علم ولا علماء ولا حضارة، فيا أيها المسلمون انقذوا إخوانكم في تلك البلاد"، كما ذكر الإمام في خطبته التنكيل بالمسلمين في الكونغو، داعياً الله بنصرهم .
وما إن انتهت الصلاة حتى سمعنا أصوات قنابل وصراخ نساء حيث خصصت لهن قبة الصخرة للصلاة فيها يوم الجمعة، أصواتٌ تتعالى وصياح أطفال، تفقدت زميلتي ولم أجدها من حولي حينها، خرجت من القبة، وحدي من بين النساء، الرجال يهدئوننا ويحاولون طمأنتنا: "لا تصرخن، لا تتجمعن أمام الباب، انتشرن في الباحة"، بينما أصوات ومشاهد القنابل تتراءى لنا على حول ساحة القبة، والجنود يهرولون من مكان إلى آخر مدججين بالسلاح، واضعين أقنعة تحميهم من قنابل الغاز التي يرمونها على شباب الحجارة، ومن غاز الفلفل المسيلة للدموع، في أماكن عدة في منتصف باحة الحرم، بعد فترة لا تتجاوز 10 دقائق هدأت الساحة، وتجمع الجنود وهم ينسحبون ووراءهم المصلين يكبرون بأعلى أصواتهم والجنود يهرولون هرباً .
عادت الساحة لهدوئها وسكينتها، تلوثت ببقايا القنابل، التقيت بعدها بمقدسية سألتني عن موطني، أخبرتها أنني من الإمارات، وما لبثت أن أخرجت من حقيبتها حلويات صغيرة وزعتها علينا فرحاً بقدومنا للقدس، دخلنا المسجد الأقصى، امتلأت رائحته بالغاز الخانق، إذ كان الجنود المعتدون يرمون القنابل داخل المسجد الذي تحصن فيه المصلون، النساء والرجال بعد الحادثة متفرقين بالمسجد الذي صمم سقفه من أقواس فريدة، ومصاطب جانبية لقراءة القرآن والتدارس، والمصلون غير عابئين بالجو الخانق من الغاز، بعدها تجولنا في أسواق البلدة القديمة وأغلب البائعين من محافظة الخليل، كان الكعك المقدسي المزين بالسمسم، وعصير الرمان المحلي والحلي الفضية القديمة والملابس السوداء المطرزة بالأحمر أكثر ما لفت نظري في السوق، ودعنا بعد ذلك بيت المقدس بنظرات يملؤها الأمل بإعادته للأمة الإسلامية والعربية .

لقطات
* ادعم الصناعة الفلسطينية، تدعم الصمود، لا تعطني سمكة، ادعمني حين اصطاد، نداء أطلقه أحد المسؤولين في غرفة تجارة وصناعة وزراعة الخليل .
* يسمى الفلسطينيون كل شخص حسب منطقته، فالمواطن من بيت لحم يسمى "تلحمي" ومن الخليل خلايلي، ومن بيت جالا بجالي، من رام الله رملاوي .
* نظمت دورة الإعلام السياحي العربي الثانية التي تستضيفها فلسطين بالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين وبلدية الخليل ووزارة السياحة والمنظمة العربية للسياحة وجمعية الملتقى الإعلامي، استمرت لمدة أسبوع، نظمت فيها زيارات لمناطق مختلفة لكل من بيت لحم والخليل ونابلس والقدس وتضمن البرنامج الصلاة في المسجد الأقصى .
* الطريق إلى القدس محفوف بالمخاطر، حيث غامر أهلها بإدخال الوفد الإعلامي العربي باستخدام مركبات الأجرة التي تحمل الأرقام الصفراء من خلال باب العامود، وهو أكبر أبواب مدينة القدس وأجملها، يقع في منتصف السور الشمالي بين بابي الساهرة والجديد، مصنوع من الخشب المصفح بالنحاس، يبلغ طوله نحو 42 متراً، وارتفاعه من القاعدة إلى قمته نحو 17 متراً وعرضه أربعة أمتار ونصف ونقش عليه العثمانيون عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
* تنهمر دموعك لا إرادياً عندما تصل إلى تلك البقعة المباركة حيث الحارات القديمة والتجارة في الممرات المؤدية إلى المسجد، ترتقي الدرج ليكتحل نظرك بالقبة الذهبية التي تحتضن الصخرة التي أم تحتها نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام الأنبياء كلهم . تكمل مسيرتك بالهبوط من فوق الربوة، تحتضن نظراتك رؤية المسجد الأقصى والأشجار الباسقة من حوله تتوسط الميضأة أمام أبواب المسجد، ويوم الجمعة تصلي النساء تحت قبة الصخرة والرجال في المسجد الأقصى .
* جاء ضمن الوفد الإعلامي صحفي أردني فلسطيني الأصل تجاوز عمره الستين، دخل معنا لأول مرة للقدس وصلى في رحابها الطاهرة، ولم تخوله أصوله أن يدخل للأراضي المقدسة طوال حياته، بينما خولته مهنته كإعلامي، وتمكن من نقل ما يحدث داخل أسواره العتيقة وداخل الجدار العنصري البغيض .
* أكدت الإعلامية الفلسطينية نجود القاسم أن سياسة الكيان بمنع الفلسطينيين من دخول القدس، هدفها إبعاد المسجد الأقصى والمدينة من اهتمام أهل فلسطين، فالأغلبية العظمى من الأجيال الحالية لا تعرف "القدس" ولا "المسجد الأقصى" إلا من خلال الصور، ونحاول جاهدين غرسها في اهتمامهم من جديد .