إعداد: عمر عدس وصباح كنعان
خلال العقد الأخير، أحال المجتمع الدولي إلى القضاء الجنائي الدولي قادة دول -معظمهم أفارقة- بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب . ولكن لماذا لم يحاكم قادة مثل أرييل شارون رغم وضوح جرائم الحرب التي ارتكبوها؟ الأكاديمي والمؤرخ الأمريكي هوان كول يرى أن المعيار في هذه المسألة هو ما إذا كان القادة المتهمون مفيدين لهذه أو تلك من القوى الكبرى في العالم . وفي مقال حول هذا الموضوع نشره موقع "كومون دريمس"، كتب يقول:
إنه لأمر مشين أن يحضر نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن جنازة أرييل شارون، نظراً إلى أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق كان بالتأكيد مذنباً بارتكاب جرائم حرب . وينبغي أيضاً تحميله مسؤولية الكثير من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط . ولو أمكن محاكمته، لكان اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أيضاً أمراً ملائماً .
وهذا يفرض سؤالاً: لماذا بقي شارون يحظى بالتكريم، حتى في مماته، بينما زعماء آخرون كثيرون ارتكبوا انتهاكات مماثلة للقانون الدولي أصبحوا منبوذين وواجهوا اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية؟
وعلى سبيل المثال، اتهم مسؤول قيادي إثيوبي المحكمة الجنائية الدولية بأنها "تنتقي الأفارقة"، مشيراً إلى أن 99% من القادة الذين اتهمتهم المحكمة بارتكاب جرائم حرب هم أفارقة .
والرئيس باراك أوباما لم يزر كينيا خلال جولته عبر إفريقيا، لأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات إلى رئيسها أوهورو كينياتا .
في العام ،2000 بدأ سريان مفعول القانون الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، الذي وقعه المجتمع الدولي في روما . واليوم، صادقت 122 دولة على إنشاء المحكمة .
واللافت للنظر أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" والسودان، من بين الدول القليلة التي رفضت توقيع معاهدة روما، وأعلنت أنها لن تكون طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية . وحيث إن المحكمة تملك صلاحية توجيه اتهامات وإصدار إدانات في قضايا جرائم الحرب، يبدو واضحاً أن الانضمام هو علامة على وجود نية لارتكاب مثل هذه الجرائم والإفلات من العقاب .
والمحكمة الجنائية الدولية غير مخولة النظر في قضية قائد لم يوقع بلده ويصادق على القانون الأساسي . والآلية الوحيدة التي تتيح للمحكمة تولي قضية تتعلق بدولة غير موقعة هي أن يتخذ مجلس الأمن قراراً بإحالة شخص إلى المحكمة الجنائية الدولية وهذا ما حصل في حالة الزعيم الليبي معمر القذافي .
في المقابل، سوريا مثلاً لم توقع ورئيسها بشار الأسد يمكن أن يدان بارتكاب جرائم حرب في حال محاكمته . ولكن مجلس الأمن الدولي لا يمكن أن يحيل قضيته إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض (الفيتو) لمنع ذلك .
وكما قلت أعلاه، أرييل شارون أيضاً كان يمكن أن يحاكم ويدان ولكن الولايات المتحدة ما كانت لتسمح أبداً بإحالة قضية شارون إلى المحكمة الجنائية الدولية . وفي الواقع، هذا ينطبق على أي قيادي "إسرائيلي" مذنب بارتكاب جرائم حرب .
وهذا يعني أن الدعاية "الإسرائيلية" المعتادة القائلة إن المجتمع الدولي يتشدد في التعامل معها بينما هو يتساهل في التعامل مع العرب، لا تنطبق هنا، بل العكس هو الصحيح، فالقذافي أحيل إلى المحكمة، وليس شارون . وأظن أن شارون كان مسؤولاً عن مقتل أشخاص بصورة غير قانونية أكثر مما كان القذافي .
وبعض المحاكم في بعض البلدان كانت تمنح نفسها أحياناً ولاية قضائية عالمية . وخلال فترة التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، كانت بلجيكا قد تبنت مثل هذا القانون، ثم ألغته في العام 2003 لأنه كان يعكر على الدبلوماسية البلجيكية . وخلال الفترة التي كان القانون ساري المفعول، تم تنفيذه ضد الدكتاتور التشادي حسين حبري وضد أرييل شارون ولكن محكمة العدل الدولية نقضت القانون البلجيكي في حكم قضت فيه بأنه لا يجوز محاكمة المسؤولين الكبار السابقين من قبل محاكم دولة أخرى . ومثل هؤلاء المسؤولين يمكن محاكمتهم فقط من قبل المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم بلدانهم . وأيدت محكمة استئناف بلجيكية ذلك الحكم ومع ذلك استمر القضاء البلجيكي في محاكمة حبري، وأدانه بعد أن أبطلت بلجيكا قانون الولاية القضائية العالمية . وهو حالياً قيد الإقامة الجبرية في السنغال، وبلجيكا سعت بصورة متكررة إلى تسليمه إليها . إذاً، لماذا ردت بلجيكا الدعوى ضد شارون بينما الدعوى ضد حبري استمرت حتى إدانته؟ ولماذا وجهت المحكمة الجنائية الدولية لائحة اتهام ضد القذافي وليس ضد شارون؟
لقد شعر العديد من المثقفين الأفارقة بالاضطراب بسبب التحيز ضد قادة أفارقة ومحاكمتهم بتهم جرائم حرب أمام القضاء الدولي، بينما هناك قادة في أماكن أخرى من العالم ارتكبوا جرائم مماثلة ونجوا بفعلتهم .
ويبدو أن أرييل شارون هو إثبات على صحة دعواهم، فها هنا ازدواجية معايير واضحة .
ولكن في التحليل الأخير، لا يبدو أن مسألة إجراءات مجلس الأمن الدولي هي مسألة عرقية، كما يقول أحياناً منتقدون أفارقة . (وأنا لا أعرف ما إذا كانت مسألة العرق قد لعبت دوراً في اختلاف التعامل بين قضيتي حبري وشارون في بلجيكا) . إنها بالأحرى مسألة ما إذا كان بلد معني مهم من الناحية الجيو سياسية بالنسبة إلى أولئك الأعضاء في مجلس الأمن الدولي المنتصرين في الحرب العالمية الثانية . سوريا مفيدة لروسيا والصين، و"إسرائيل" للولايات المتحدة .
وتجدر ملاحظة أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية، كانت الولايات المتحدة قد حمت صدام حسين من أي تحقيق كان يمكن أن يقرر مجلس الأمن الدولي فتحه بشأن استخدام أسلحة كيماوية على جبهة الحرب مع إيران . إذ إن إدارة ريغان كانت تريد احتواء إيران الخميني المعادية للولايات المتحدة، وكان صدام حسين مفيداً في هذا المسعى . أما استخدام أسلحة كيماوية، فقد كان مسألة ثانوية بالنسبة إليها .
ويفترض أنه إذا كان بلد ما في إفريقيا السوداء مهم بالمثل بالنسبة إلى القوة السياسية والعسكرية الأمريكية، فإن واشنطن سوف تتدخل لمصلحة زعيمه .
وما ينبغي أن يكون واضحاً هو أن العالم يجب ألا يسمح بازدواجية المعايير هذه، سواء بالنسبة إلى "إسرائيل" أم إلى سوريا . وإذا كنا نريد أن نخرج من الغاب، فلا بد أن يكون لدينا حكم قانون في الشؤون الدولية، كما في الشؤون الوطنية .
إن إفلات مجرمي حرب من العقاب لا يمكن إلا أن يشجع على ارتكاب جرائم حرب .
خلال العقد الأخير، أحال المجتمع الدولي إلى القضاء الجنائي الدولي قادة دول -معظمهم أفارقة- بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب . ولكن لماذا لم يحاكم قادة مثل أرييل شارون رغم وضوح جرائم الحرب التي ارتكبوها؟ الأكاديمي والمؤرخ الأمريكي هوان كول يرى أن المعيار في هذه المسألة هو ما إذا كان القادة المتهمون مفيدين لهذه أو تلك من القوى الكبرى في العالم . وفي مقال حول هذا الموضوع نشره موقع "كومون دريمس"، كتب يقول:
إنه لأمر مشين أن يحضر نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن جنازة أرييل شارون، نظراً إلى أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق كان بالتأكيد مذنباً بارتكاب جرائم حرب . وينبغي أيضاً تحميله مسؤولية الكثير من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط . ولو أمكن محاكمته، لكان اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أيضاً أمراً ملائماً .
وهذا يفرض سؤالاً: لماذا بقي شارون يحظى بالتكريم، حتى في مماته، بينما زعماء آخرون كثيرون ارتكبوا انتهاكات مماثلة للقانون الدولي أصبحوا منبوذين وواجهوا اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية؟
وعلى سبيل المثال، اتهم مسؤول قيادي إثيوبي المحكمة الجنائية الدولية بأنها "تنتقي الأفارقة"، مشيراً إلى أن 99% من القادة الذين اتهمتهم المحكمة بارتكاب جرائم حرب هم أفارقة .
والرئيس باراك أوباما لم يزر كينيا خلال جولته عبر إفريقيا، لأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات إلى رئيسها أوهورو كينياتا .
في العام ،2000 بدأ سريان مفعول القانون الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، الذي وقعه المجتمع الدولي في روما . واليوم، صادقت 122 دولة على إنشاء المحكمة .
واللافت للنظر أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" والسودان، من بين الدول القليلة التي رفضت توقيع معاهدة روما، وأعلنت أنها لن تكون طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية . وحيث إن المحكمة تملك صلاحية توجيه اتهامات وإصدار إدانات في قضايا جرائم الحرب، يبدو واضحاً أن الانضمام هو علامة على وجود نية لارتكاب مثل هذه الجرائم والإفلات من العقاب .
والمحكمة الجنائية الدولية غير مخولة النظر في قضية قائد لم يوقع بلده ويصادق على القانون الأساسي . والآلية الوحيدة التي تتيح للمحكمة تولي قضية تتعلق بدولة غير موقعة هي أن يتخذ مجلس الأمن قراراً بإحالة شخص إلى المحكمة الجنائية الدولية وهذا ما حصل في حالة الزعيم الليبي معمر القذافي .
في المقابل، سوريا مثلاً لم توقع ورئيسها بشار الأسد يمكن أن يدان بارتكاب جرائم حرب في حال محاكمته . ولكن مجلس الأمن الدولي لا يمكن أن يحيل قضيته إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض (الفيتو) لمنع ذلك .
وكما قلت أعلاه، أرييل شارون أيضاً كان يمكن أن يحاكم ويدان ولكن الولايات المتحدة ما كانت لتسمح أبداً بإحالة قضية شارون إلى المحكمة الجنائية الدولية . وفي الواقع، هذا ينطبق على أي قيادي "إسرائيلي" مذنب بارتكاب جرائم حرب .
وهذا يعني أن الدعاية "الإسرائيلية" المعتادة القائلة إن المجتمع الدولي يتشدد في التعامل معها بينما هو يتساهل في التعامل مع العرب، لا تنطبق هنا، بل العكس هو الصحيح، فالقذافي أحيل إلى المحكمة، وليس شارون . وأظن أن شارون كان مسؤولاً عن مقتل أشخاص بصورة غير قانونية أكثر مما كان القذافي .
وبعض المحاكم في بعض البلدان كانت تمنح نفسها أحياناً ولاية قضائية عالمية . وخلال فترة التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، كانت بلجيكا قد تبنت مثل هذا القانون، ثم ألغته في العام 2003 لأنه كان يعكر على الدبلوماسية البلجيكية . وخلال الفترة التي كان القانون ساري المفعول، تم تنفيذه ضد الدكتاتور التشادي حسين حبري وضد أرييل شارون ولكن محكمة العدل الدولية نقضت القانون البلجيكي في حكم قضت فيه بأنه لا يجوز محاكمة المسؤولين الكبار السابقين من قبل محاكم دولة أخرى . ومثل هؤلاء المسؤولين يمكن محاكمتهم فقط من قبل المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم بلدانهم . وأيدت محكمة استئناف بلجيكية ذلك الحكم ومع ذلك استمر القضاء البلجيكي في محاكمة حبري، وأدانه بعد أن أبطلت بلجيكا قانون الولاية القضائية العالمية . وهو حالياً قيد الإقامة الجبرية في السنغال، وبلجيكا سعت بصورة متكررة إلى تسليمه إليها . إذاً، لماذا ردت بلجيكا الدعوى ضد شارون بينما الدعوى ضد حبري استمرت حتى إدانته؟ ولماذا وجهت المحكمة الجنائية الدولية لائحة اتهام ضد القذافي وليس ضد شارون؟
لقد شعر العديد من المثقفين الأفارقة بالاضطراب بسبب التحيز ضد قادة أفارقة ومحاكمتهم بتهم جرائم حرب أمام القضاء الدولي، بينما هناك قادة في أماكن أخرى من العالم ارتكبوا جرائم مماثلة ونجوا بفعلتهم .
ويبدو أن أرييل شارون هو إثبات على صحة دعواهم، فها هنا ازدواجية معايير واضحة .
ولكن في التحليل الأخير، لا يبدو أن مسألة إجراءات مجلس الأمن الدولي هي مسألة عرقية، كما يقول أحياناً منتقدون أفارقة . (وأنا لا أعرف ما إذا كانت مسألة العرق قد لعبت دوراً في اختلاف التعامل بين قضيتي حبري وشارون في بلجيكا) . إنها بالأحرى مسألة ما إذا كان بلد معني مهم من الناحية الجيو سياسية بالنسبة إلى أولئك الأعضاء في مجلس الأمن الدولي المنتصرين في الحرب العالمية الثانية . سوريا مفيدة لروسيا والصين، و"إسرائيل" للولايات المتحدة .
وتجدر ملاحظة أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية، كانت الولايات المتحدة قد حمت صدام حسين من أي تحقيق كان يمكن أن يقرر مجلس الأمن الدولي فتحه بشأن استخدام أسلحة كيماوية على جبهة الحرب مع إيران . إذ إن إدارة ريغان كانت تريد احتواء إيران الخميني المعادية للولايات المتحدة، وكان صدام حسين مفيداً في هذا المسعى . أما استخدام أسلحة كيماوية، فقد كان مسألة ثانوية بالنسبة إليها .
ويفترض أنه إذا كان بلد ما في إفريقيا السوداء مهم بالمثل بالنسبة إلى القوة السياسية والعسكرية الأمريكية، فإن واشنطن سوف تتدخل لمصلحة زعيمه .
وما ينبغي أن يكون واضحاً هو أن العالم يجب ألا يسمح بازدواجية المعايير هذه، سواء بالنسبة إلى "إسرائيل" أم إلى سوريا . وإذا كنا نريد أن نخرج من الغاب، فلا بد أن يكون لدينا حكم قانون في الشؤون الدولية، كما في الشؤون الوطنية .
إن إفلات مجرمي حرب من العقاب لا يمكن إلا أن يشجع على ارتكاب جرائم حرب .