أحمد فهمي
تحل الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير على جماعة الإخوان، في مشهد مغاير تماماً لما كانت عليه وقتذاك، إذ مرت الجماعة بمرتفعات ومنخفضات سياسية سريعة ومروعة، نقلتها من خانة المحظورة إلى ركوب الثورة، ثم إلى الحكم، ثم الطرد من القصر بأمر الشعب، وصولاً إلى التصنيف كجماعة إرهابية، وبين هذه السنوات والمحطات قصة بدأت ولم تنته بعد، وطوال تلك الرحلة مرت الجماعة بأربع مراحل هي:
1- الشراكة الظاهرية في الثورة والسرية مع السلطة .
2- التحالف مع المجلس العسكري (داخلياً) ومع الأمريكان (خارجياً) .
3- الوصول إلى السلطة وبدء أخونة الدولة .
4- الخروج من القصر إلى الدم والإرهاب .
بدأت إرهاصات الثورة تلوح في الأفق، عندما دعا بعض الشباب إلى التظاهر في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني ،2011 متأثرين بنجاح الثورة التونسية، ووقتها أعلنت جماعة الإخوان أنها لن تشارك، وتعهدت بذلك أمام اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة المصرية، بحسب ما أعلنه، وطوال يومي الأربعاء والخميس التاليين، كانت مصر تشتعل في السويس ووسط القاهرة، وظل الإخوان يترقبون ما يحدث من دون أن يقتربوا من برميل البارود، الذي انفجر في جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني . يوم ذاك فقط بدأت المشاركة من شباب الإخوان في الثورة على مسؤوليتهم الخاصة، دون أن يتبنى التنظيم موقفهم رسمياً، واستمرت الحال حتى ظهرت الجماعة رسمياً في الثورة يوم معركة الجمل التي جرت يوم الأربعاء 2 فبراير/شباط، حيث خشي الإخوان من عودة نظام مبارك، بعد انصراف كثيرين من ميدان التحرير عقب كلمة عاطفية دغدغ فيها مشاعر المصريين العاديين مساء اليوم السابق . وهنا شارك الإخوان الثوار في الدفاع عن الميدان ضد هجمات بلطجية النظام، دون أن يقطعوا حبال الود مع اللواء عمر سليمان الرجل الثاني في النظام .
وطوال أيام ميدان التحرير الثمانية عشر التي انتهت بتنحي مبارك يوم الجمعة 11فبراير/شباط، سلك الإخوان مسارين: الأول تحالف علني مع الثورة، والثاني تحالف سري مع بقايا النظام، فلم يغيبوا عن منصة الميدان، ولم يفارقوا مائدة اللواء سليمان . إذ كان شباب الإخوان يتواجدون مع الثوار، بينما يساوم العواجيز على الصفقات . وتم الاتفاق آنذاك على أن يفسح النظام لهم مكاناً في الحياة السياسية، مقابل ترك الميدان لإجهاض ثورة الشباب، بالفعل تخلى العواجيز، لكن شباب الجماعة رفض الانصياع . وكادت الثورة تفشل، لولا حصار الشباب لقصر العروبة، وانضمام ملايين المصريين إلى ثورة الميدان يوم الجمعة 11 فبراير، فتدخل الجيش، ورضخ مبارك وأعلن نائبه رسالة التخلي عن الحكم .
وتولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، وفق تكليف التنحي، فغيرت الجماعة البوصلة من اللواء عمر سليمان، الذي انتهى دوره مع التنحي، إلى المجلس العسكري، فساندوا استفتاء 19 مارس/آذار، واستماتوا في ذلك، واصطدموا من أجل إرضاء المجلس العسكري برفاق الميدان الذين رفضوا التعديلات الدستورية المستفتى عليها، فحدثت أول خلخلة في صفوف الثوار، ولم يكتف الإخوان بذلك، فقسموا المجتمع إلى مؤمنين وعلمانيين، بعيداً عن مسار وأهداف الثورة، وجروا الدولة والمجتمع إلى التقسيمات الدينية، بكل ما تحمله من تكفير وتنفير، ووضعوا بذلك أول شرخ بنيوي في جسد الثورة .
رحب المجلس العسكري بموقف الإخوان، فتوثقت الصلات وبدأت الصفقات، وأظهر الإخوان استعداداً للمضي في التنسيق والتحالف مع المجلس العسكري لأبعد مدى، رغبة في اختطاف الفرصة باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً واستعداداً لحبس الثورة في صندوق الانتخابات . وطمأنوا المجلس العسكري بأنهم لن يترشحوا لمنصب الرئيس، وسعوا لاختطاف الانتخابات البرلمانية، عبر الضغط لإجراء انتخابات مجلس الشعب، لنقل حركة الشارع من الميدان إلى البرلمان، هذا بينما كان الثوار يقتلون في ماسبيرو وأماكن أخرى . ورفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة"، ودعوا لدخول الثوار في قائمة واحدة تحت رايتهم، لكن الممارسة لم تكن على مستوى الشعار، ففضلت الجماعة المغالبة في ترتيب وتوزيع القائمة، ما أدى لانسحاب الشركاء، فتحولت الخلخلة إلى شرخ معلن في جسد الثورة . وجرت الانتخابات البرلمانية، وحقق الإخوان الأكثرية، في عدد المقاعد، يليهم حزب النور السلفي، كما استحوذ الإسلاميون على أغلبية البرلمان، وصاروا يمتلكون الهيمنة على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور الجديد، وفق استفتاء 19 مارس/آذار . وتطور الشرخ إلى أزمة ثقة عندما تخلى الإخوان من داخل البرلمان عن الثوار في أحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء، التي راح ضحيتها نحو 50 شاباً من خيرة الثوار، وكان موقف الإخوان مخزياً سياسياً وأخلاقياً، عندما تمت أيضاً تعرية ست البنات علنا .
نجح الإخوان في نيل موافقة الولايات المتحدة الأمريكية للترشح للرئاسة، فنقضوا عهدهم السابق مع المجلس العسكري والقوى السياسية، ورشحوا الدكتور محمد مرسي، بعد أن تم رفض ترشيح المهندس خيرت الشاطر، رداً على حل مجلس الشعب . وأسفرت النتائج عن جولة إعادة بين الفريق أحمد شفيق، الذي رأى فيه كثيرون امتدادا لنظام مبارك، وبين الدكتور محمد مرسي رجل الإخوان، وأمام الخوف من عودة النظام القديم اصطف معظم الثوار وراء مرسي، وظهر آنذاك مصطلح "عاصري الليمون" .
وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر بنجاح الدكتور محمد مرسي أول رئيس منتخب للجمهورية، ومع دخوله القصر الجمهوري في 30 يونيو/حزيران ،2012 بدأت هيمنة مكتب الإرشاد على القصر والدولة، وتنكرت الجماعة لكل اتفاقاتها مع رفقاء الميدان والصندوق، وحلت "الأخونة" محل المواطنة، فكانت عضوية الجماعة هي المفتاح السحري لأي شيء وكل شيء . وجرت عمليات مصادرة للدولة لحساب الجماعة، رغبة في تحقيق "التمكين" الذي حدد معالمه لهم حسن البنا . وهنا فضل الإخوان التحالف مع ركائز نظام مبارك، كوسيلة للسيطرة على الدولة من خلالهم، وأعادوا إنتاج السياسات القديمة داخلياً وخارجياً، فتصالحوا مع فاسدين من رجال الأعمال، ورفعوا الأسعار غير عابئين بالفقراء، وبدأوا في أكبر عملية تفكيك لمؤسسات الدولة .
وظهرت جبهة الإنقاذ في هذا الظرف، رداً على الإعلان الدستوري . وتأزمت الأمور أمام إصرار الإخوان على كتابة دستور يعبر عنهم، وليس عن الأمة، فبدأ ممثلو القوى الليبرالية واليسارية الانسحاب من اللجنة التأسيسية . لكن مرسي والإخوان أصروا على تمرير الدستور في عناد غير مسبوق، فتقطعت شعرة معاوية التي كانت تربط النظام مع الثورة والميدان ومعظم أبناء الوطن، عدا "الأهل والعشيرة" .
وتعمد الإخوان صناعة الأزمات لإحراج الجيش، بداية من إفشال المهمة "نسر"، التي أعدها الجيش لضرب الإرهابيين، الذين نفذوا مذبحة رفح الأولى في أغسطس/آب ،2012 ورفض الرئيس تحركات الجيش لسد الأنفاق الموصلة بين مصر وغزة، رغم خطورتها على الأمن المصري، كما تم تسريب صفحات من تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مرسي حول ثورة 25 يناير ،2011 إلى جريدة "غارديان البريطانية"، بهدف النيل من الجيش، كما ظهر موقف الرئيس مدللاً للإرهابيين الذين اختطفوا سبعة جنود من الشرطة والجيش في سيناء في 17 مايو/أيار ،2013 عندما أمر مرسي الحفاظ على حياة الخاطفين والمخطوفين . ومع تصاعد التوتر في العلاقة بين الرئاسة من ناحية والشعب ومؤسسات الدولة من ناحية أخرى، ظهرت "حركة تمرد" وجمعت 22 مليون توقيع من المصريين للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، مع اشتداد أزمات الوقود والكهرباء والأسعار، وحددت تمرد يوم 30 يونيو/حزيران موعداً للنزول إلى الميادين والشوارع .
واستهان الرئيس والجماعة وحلفاؤهم بمردود التوقيعات، لكنهم صدموا وهم يشاهدون الشوارع والميادين في كل ربوع مصر تضيق بنحو 33 مليون مصري نزلوا يوم الأحد 30 يونيو، مطالبين بالانتخابات المبكرة . وكان الجيش قد منح الأطراف المتنازعة مهلة أسبوعاً لعلاج الأزمة تبدأ من يوم 24 يونيو، ثم مد المهلة يوم 30 يونيو 48 ساعة أخرى، انتهت في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الأربعاء 3 يوليو/تموز، وبعد هذا التوقيت بثلاث ساعات، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع عزل مرسي من الرئاسة، وحدد خريطة المستقبل .
أصيبت الجماعة بالجنون اعتباراً من يوم 3 يوليو/تموز ،2013 وبدأت تهجر السياسة إلى الصدام مع الدولة، متحالفة مع جماعات العنف والإرهاب، واعتبرت نفسها خصماً للدولة المصرية، فأقامت دولة داخل الدولة في ميداني رابعة العدوية والنهضة، فالجماعة اعتبرت أنها هي التي خرجت من القصر وليس مرسي، وصارت مستعدة لأي شيء مقابل استرداد السلطة الضائعة، وبدأت تراهن على الدم، ومن منصة رابعة هددت المصريين بالسحق والرش بالدم، ودفعت بأعضائها لمهاجمة دار الحرس الجمهوري في 8 يوليو/تموز ،2013 ما أدى إلى سقوط نحو 70 قتيلاً .
وكادت مصر تتحول إلى مرتع للقوى الإقليمية والدولية، فحضر ساسة أوروبيون وأمريكيون وأفارقة، وقادت تركيا الحرب السياسية ضد مصر، وصارت قطر المستشار الإعلامي لجماعة الإخوان، وأصبحت حركة حماس هي الذراع العسكرية لها رسمياً . وبدت الجماعة طرفاً في لعبة التدويل، لكن الدور الأكبر والأخطر قام به الدكتور محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، فساهم في تقوية الإخوان في مواجهة مؤسسات الدولة، وخاصة القوات المسلحة، التي كان قائدها العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي، قد دعا المصريين إلى تفويضه يوم 26 يوليو/تموز لمواجهة الإرهاب المحتمل، فنزل المصريون إلى الميادين وفوضوه، ولكن انتظارهم طال حتى أصابهم الملل، وتسلل التشكك إلى النفوس في قدرة الدولة .
وطوال ما يزيد على ستة أشهر، منذ عزل مرسي، تنقلت الجماعة من خسارة إلى أخرى، في معركة المواجهة مع الدولة، وكان أحدثها خسارة معركة الدستور، الذي صوت له أكثر من 20 مليون مصري في رقم ونسبة لم تعرفها استفتاءات مصر، فتم طي شرعية الإخوان دستورياً وشعبياً، لتبدأ شرعية جديدة في مصر، تحتاج إلى خطوات أخرى رئاسياً وبرلمانياً، إلا أن الجماعة لا تزال مصممة على المضي في مواجهة الدولة .
تحل الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير على جماعة الإخوان، في مشهد مغاير تماماً لما كانت عليه وقتذاك، إذ مرت الجماعة بمرتفعات ومنخفضات سياسية سريعة ومروعة، نقلتها من خانة المحظورة إلى ركوب الثورة، ثم إلى الحكم، ثم الطرد من القصر بأمر الشعب، وصولاً إلى التصنيف كجماعة إرهابية، وبين هذه السنوات والمحطات قصة بدأت ولم تنته بعد، وطوال تلك الرحلة مرت الجماعة بأربع مراحل هي:
1- الشراكة الظاهرية في الثورة والسرية مع السلطة .
2- التحالف مع المجلس العسكري (داخلياً) ومع الأمريكان (خارجياً) .
3- الوصول إلى السلطة وبدء أخونة الدولة .
4- الخروج من القصر إلى الدم والإرهاب .
بدأت إرهاصات الثورة تلوح في الأفق، عندما دعا بعض الشباب إلى التظاهر في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني ،2011 متأثرين بنجاح الثورة التونسية، ووقتها أعلنت جماعة الإخوان أنها لن تشارك، وتعهدت بذلك أمام اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة المصرية، بحسب ما أعلنه، وطوال يومي الأربعاء والخميس التاليين، كانت مصر تشتعل في السويس ووسط القاهرة، وظل الإخوان يترقبون ما يحدث من دون أن يقتربوا من برميل البارود، الذي انفجر في جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني . يوم ذاك فقط بدأت المشاركة من شباب الإخوان في الثورة على مسؤوليتهم الخاصة، دون أن يتبنى التنظيم موقفهم رسمياً، واستمرت الحال حتى ظهرت الجماعة رسمياً في الثورة يوم معركة الجمل التي جرت يوم الأربعاء 2 فبراير/شباط، حيث خشي الإخوان من عودة نظام مبارك، بعد انصراف كثيرين من ميدان التحرير عقب كلمة عاطفية دغدغ فيها مشاعر المصريين العاديين مساء اليوم السابق . وهنا شارك الإخوان الثوار في الدفاع عن الميدان ضد هجمات بلطجية النظام، دون أن يقطعوا حبال الود مع اللواء عمر سليمان الرجل الثاني في النظام .
وطوال أيام ميدان التحرير الثمانية عشر التي انتهت بتنحي مبارك يوم الجمعة 11فبراير/شباط، سلك الإخوان مسارين: الأول تحالف علني مع الثورة، والثاني تحالف سري مع بقايا النظام، فلم يغيبوا عن منصة الميدان، ولم يفارقوا مائدة اللواء سليمان . إذ كان شباب الإخوان يتواجدون مع الثوار، بينما يساوم العواجيز على الصفقات . وتم الاتفاق آنذاك على أن يفسح النظام لهم مكاناً في الحياة السياسية، مقابل ترك الميدان لإجهاض ثورة الشباب، بالفعل تخلى العواجيز، لكن شباب الجماعة رفض الانصياع . وكادت الثورة تفشل، لولا حصار الشباب لقصر العروبة، وانضمام ملايين المصريين إلى ثورة الميدان يوم الجمعة 11 فبراير، فتدخل الجيش، ورضخ مبارك وأعلن نائبه رسالة التخلي عن الحكم .
وتولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، وفق تكليف التنحي، فغيرت الجماعة البوصلة من اللواء عمر سليمان، الذي انتهى دوره مع التنحي، إلى المجلس العسكري، فساندوا استفتاء 19 مارس/آذار، واستماتوا في ذلك، واصطدموا من أجل إرضاء المجلس العسكري برفاق الميدان الذين رفضوا التعديلات الدستورية المستفتى عليها، فحدثت أول خلخلة في صفوف الثوار، ولم يكتف الإخوان بذلك، فقسموا المجتمع إلى مؤمنين وعلمانيين، بعيداً عن مسار وأهداف الثورة، وجروا الدولة والمجتمع إلى التقسيمات الدينية، بكل ما تحمله من تكفير وتنفير، ووضعوا بذلك أول شرخ بنيوي في جسد الثورة .
رحب المجلس العسكري بموقف الإخوان، فتوثقت الصلات وبدأت الصفقات، وأظهر الإخوان استعداداً للمضي في التنسيق والتحالف مع المجلس العسكري لأبعد مدى، رغبة في اختطاف الفرصة باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً واستعداداً لحبس الثورة في صندوق الانتخابات . وطمأنوا المجلس العسكري بأنهم لن يترشحوا لمنصب الرئيس، وسعوا لاختطاف الانتخابات البرلمانية، عبر الضغط لإجراء انتخابات مجلس الشعب، لنقل حركة الشارع من الميدان إلى البرلمان، هذا بينما كان الثوار يقتلون في ماسبيرو وأماكن أخرى . ورفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة"، ودعوا لدخول الثوار في قائمة واحدة تحت رايتهم، لكن الممارسة لم تكن على مستوى الشعار، ففضلت الجماعة المغالبة في ترتيب وتوزيع القائمة، ما أدى لانسحاب الشركاء، فتحولت الخلخلة إلى شرخ معلن في جسد الثورة . وجرت الانتخابات البرلمانية، وحقق الإخوان الأكثرية، في عدد المقاعد، يليهم حزب النور السلفي، كما استحوذ الإسلاميون على أغلبية البرلمان، وصاروا يمتلكون الهيمنة على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور الجديد، وفق استفتاء 19 مارس/آذار . وتطور الشرخ إلى أزمة ثقة عندما تخلى الإخوان من داخل البرلمان عن الثوار في أحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء، التي راح ضحيتها نحو 50 شاباً من خيرة الثوار، وكان موقف الإخوان مخزياً سياسياً وأخلاقياً، عندما تمت أيضاً تعرية ست البنات علنا .
نجح الإخوان في نيل موافقة الولايات المتحدة الأمريكية للترشح للرئاسة، فنقضوا عهدهم السابق مع المجلس العسكري والقوى السياسية، ورشحوا الدكتور محمد مرسي، بعد أن تم رفض ترشيح المهندس خيرت الشاطر، رداً على حل مجلس الشعب . وأسفرت النتائج عن جولة إعادة بين الفريق أحمد شفيق، الذي رأى فيه كثيرون امتدادا لنظام مبارك، وبين الدكتور محمد مرسي رجل الإخوان، وأمام الخوف من عودة النظام القديم اصطف معظم الثوار وراء مرسي، وظهر آنذاك مصطلح "عاصري الليمون" .
وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر بنجاح الدكتور محمد مرسي أول رئيس منتخب للجمهورية، ومع دخوله القصر الجمهوري في 30 يونيو/حزيران ،2012 بدأت هيمنة مكتب الإرشاد على القصر والدولة، وتنكرت الجماعة لكل اتفاقاتها مع رفقاء الميدان والصندوق، وحلت "الأخونة" محل المواطنة، فكانت عضوية الجماعة هي المفتاح السحري لأي شيء وكل شيء . وجرت عمليات مصادرة للدولة لحساب الجماعة، رغبة في تحقيق "التمكين" الذي حدد معالمه لهم حسن البنا . وهنا فضل الإخوان التحالف مع ركائز نظام مبارك، كوسيلة للسيطرة على الدولة من خلالهم، وأعادوا إنتاج السياسات القديمة داخلياً وخارجياً، فتصالحوا مع فاسدين من رجال الأعمال، ورفعوا الأسعار غير عابئين بالفقراء، وبدأوا في أكبر عملية تفكيك لمؤسسات الدولة .
وظهرت جبهة الإنقاذ في هذا الظرف، رداً على الإعلان الدستوري . وتأزمت الأمور أمام إصرار الإخوان على كتابة دستور يعبر عنهم، وليس عن الأمة، فبدأ ممثلو القوى الليبرالية واليسارية الانسحاب من اللجنة التأسيسية . لكن مرسي والإخوان أصروا على تمرير الدستور في عناد غير مسبوق، فتقطعت شعرة معاوية التي كانت تربط النظام مع الثورة والميدان ومعظم أبناء الوطن، عدا "الأهل والعشيرة" .
وتعمد الإخوان صناعة الأزمات لإحراج الجيش، بداية من إفشال المهمة "نسر"، التي أعدها الجيش لضرب الإرهابيين، الذين نفذوا مذبحة رفح الأولى في أغسطس/آب ،2012 ورفض الرئيس تحركات الجيش لسد الأنفاق الموصلة بين مصر وغزة، رغم خطورتها على الأمن المصري، كما تم تسريب صفحات من تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مرسي حول ثورة 25 يناير ،2011 إلى جريدة "غارديان البريطانية"، بهدف النيل من الجيش، كما ظهر موقف الرئيس مدللاً للإرهابيين الذين اختطفوا سبعة جنود من الشرطة والجيش في سيناء في 17 مايو/أيار ،2013 عندما أمر مرسي الحفاظ على حياة الخاطفين والمخطوفين . ومع تصاعد التوتر في العلاقة بين الرئاسة من ناحية والشعب ومؤسسات الدولة من ناحية أخرى، ظهرت "حركة تمرد" وجمعت 22 مليون توقيع من المصريين للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، مع اشتداد أزمات الوقود والكهرباء والأسعار، وحددت تمرد يوم 30 يونيو/حزيران موعداً للنزول إلى الميادين والشوارع .
واستهان الرئيس والجماعة وحلفاؤهم بمردود التوقيعات، لكنهم صدموا وهم يشاهدون الشوارع والميادين في كل ربوع مصر تضيق بنحو 33 مليون مصري نزلوا يوم الأحد 30 يونيو، مطالبين بالانتخابات المبكرة . وكان الجيش قد منح الأطراف المتنازعة مهلة أسبوعاً لعلاج الأزمة تبدأ من يوم 24 يونيو، ثم مد المهلة يوم 30 يونيو 48 ساعة أخرى، انتهت في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الأربعاء 3 يوليو/تموز، وبعد هذا التوقيت بثلاث ساعات، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع عزل مرسي من الرئاسة، وحدد خريطة المستقبل .
أصيبت الجماعة بالجنون اعتباراً من يوم 3 يوليو/تموز ،2013 وبدأت تهجر السياسة إلى الصدام مع الدولة، متحالفة مع جماعات العنف والإرهاب، واعتبرت نفسها خصماً للدولة المصرية، فأقامت دولة داخل الدولة في ميداني رابعة العدوية والنهضة، فالجماعة اعتبرت أنها هي التي خرجت من القصر وليس مرسي، وصارت مستعدة لأي شيء مقابل استرداد السلطة الضائعة، وبدأت تراهن على الدم، ومن منصة رابعة هددت المصريين بالسحق والرش بالدم، ودفعت بأعضائها لمهاجمة دار الحرس الجمهوري في 8 يوليو/تموز ،2013 ما أدى إلى سقوط نحو 70 قتيلاً .
وكادت مصر تتحول إلى مرتع للقوى الإقليمية والدولية، فحضر ساسة أوروبيون وأمريكيون وأفارقة، وقادت تركيا الحرب السياسية ضد مصر، وصارت قطر المستشار الإعلامي لجماعة الإخوان، وأصبحت حركة حماس هي الذراع العسكرية لها رسمياً . وبدت الجماعة طرفاً في لعبة التدويل، لكن الدور الأكبر والأخطر قام به الدكتور محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، فساهم في تقوية الإخوان في مواجهة مؤسسات الدولة، وخاصة القوات المسلحة، التي كان قائدها العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي، قد دعا المصريين إلى تفويضه يوم 26 يوليو/تموز لمواجهة الإرهاب المحتمل، فنزل المصريون إلى الميادين وفوضوه، ولكن انتظارهم طال حتى أصابهم الملل، وتسلل التشكك إلى النفوس في قدرة الدولة .
وطوال ما يزيد على ستة أشهر، منذ عزل مرسي، تنقلت الجماعة من خسارة إلى أخرى، في معركة المواجهة مع الدولة، وكان أحدثها خسارة معركة الدستور، الذي صوت له أكثر من 20 مليون مصري في رقم ونسبة لم تعرفها استفتاءات مصر، فتم طي شرعية الإخوان دستورياً وشعبياً، لتبدأ شرعية جديدة في مصر، تحتاج إلى خطوات أخرى رئاسياً وبرلمانياً، إلا أن الجماعة لا تزال مصممة على المضي في مواجهة الدولة .