دبي - باسل عبدالكريم:
استضافت ندوة الثقافة والعلوم في دبي، أمس الأول، الفنان خالد الشيخ وكرمته، بحضور محمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وعبدالغفار حسين، رئيس جمعية حقوق الإنسان الإماراتية، وبلال البدور، الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ولفيف من الفاعلين في المشهد الثقافي والفني، لإلقاء الضوء على تجربته الغنائية والموسيقية من خلال مسيرته الفنية والإنسانية وعلاقته بالموسيقى في محاضرة حملت عنوان "على الخطوط وبين المسافات" .
بدأ الفنان خالد الشيخ الانتقال بين درجات السلم الموسيقي بطريقة شكلت في مضمونها سابقة فنية حيث بدأ بشرح بداياته الفنية بالاعتماد على خصائص السلم الموسيقي باستخدام "الميجر" أو المعروف عربياً "بالعجم" . فالدرجة الأولى "دو" وهي الدخول والدرب والدرج الذي نرتقي به السلم الموسيقي وفي نفس الوقت هي الدرك الذي ننزل به السلم، والمفارقة أنه بهذه النغمة يبدأ وينتهي السلم الموسيقي، فبدأت رحلتي مصادفة مع "الميلوديكا" وهي أول آلة موسيقية تلقفتها أصابعي بعد أن أحضرها أخي إلى البيت، فالتقطها وبدأت محاولة إخراج نغمات، إلا أنها كانت عشوائية مثلما تخرج مع أي شخص يلتقط آلة موسيقية لأول مرة .
مع اكتشاف الفنان النغمة الثانية "ري" وهي أول انتقال نغمي يشعر الفنان بأنه في حالة تقدم ولكن في نفس القوت هذه النغمة لها من الخصائص ما ينطبق على حياتي أنها تملك اندفاع الشباب، والرهبة من الهبوط، وإنذار الرجوع إلى الوراء حيث النغمة الأولى، وحيث بدأت التفكير هل أتقدم أم أتراجع . وظل التساؤل محيراً إلى أن اكتشفت النغمة الثالثة "مي" وهي بحسب الشيخ المسؤولة عن كشف شخصية المقام واسمه يقول: "إنها مركز، تعيش في مكان ولكن بلا مكانه، وتحمل المجد، وحلم مراهق، وهي مغناطيس تجذب لها النغمة الثانية وتتحكم في الرابعة" .
باكتشاف هذه النغمة كشفت شخصية الفنان خالد الشيخ، أمام بيئة عائلية محافظة دينياً .
في هذه اللحظات، كما يقول الفنان خالد الشيخ، كان والده يقول له "أقبل بأن تلعب بالآلات الموسيقية، ولكن أن تتحول إلى فنان هذا ما لن أقبل به ولن يحدث" . ولكن هذه الكلمات كانت تشكل الدافع لأتقدم باتجاه النغمة الرابعة "فا" ومشكلتها مشكلة كبيرة في السلم الموسيقي ومواصفاتها الفتوة، والفدائية، وكفاح، وفرعون، وفارقة، وفزع، وفصاحة، وفلتان، والأهم من كل هذه الصفات أنه فيها "فاطمة" عمتي، التي وقفت لتحميني الوقوف على خط الزلزال .
وفي هذه المرحلة اتخذت قرار التوقف عن دراسة العلوم السياسية والحياة الدبلوماسية التي أرادها أبي لي، والتوجه إلى دراسة الموسيقى، وهنا بدأ التصادم مع الوالد وأخذت فاطمة زمام الأمور ولعبت الدور المهم في حياتي بعد أن انقطعت عن دراستي في الكويت وتوجهت إلى القاهرة لدراسة الموسيقى، وكانت تجمع النقود من كل مكان وترسله لي بالسر .
ومن النغمة الخامسة "صو" وهي المسيطرة والمتسلطة والقوية وتستطيع أن تنهي اللحن من دون أي مشكلة، وتتماهى في خصائصها مع النغمة الأولى وأحياناً مع الثالثة، وفيها يوجد صخرة، وصياح، وصداع، وصهيل، وصوفية، وصولة . ذهبت للكويت لتسجيل الشريط الأول وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد حيث نجح الشريط وزاد الطلب عليه وطبع لثلاث مرات متتالية، فقدت السيطرة على نفسي وأهم عنصر إنساني بالتغاضي عن عائلتي وضرورة مجاملة والدي ومكانته الدينية .
وعلى قدر قوة هذه المرحلة التي أسست لي اسماً، بقدر ما كانت مخادعة تدفع الإنسان إلى فقدان الكثير من الأشياء من دون أن يشعر . وبقيت أعيش الذروة إلى أن اكتشفت النغمة "لا"، وهي تحمل من النفي الكثير .
ومن صفات هذه النغمة التي تنطبق على حياة الفنان خالد الشيخ كما يقول: "إنها شكلت منطقاً لإزالة اللثام، وجعلتني أفهم ليونة التعايش مع الآخرين، ونتشابه في أن كلينا يحمل اللطف، واللوعة، واللسعة"، لافتاً إلى أن هذه النغمة جاءت بعد الشهرة والرغبة في البقاء تحت الأضواء في عالم الفن، أو الذهاب باتجاه العوامل الموضوعية للفنان التي تؤثر في هذه الرغبة مثل التفكير في الاعتزال أو الإصابة بالمرض أو فقدان ملامح الجمال، والمنافسة الشديدة مع الآخرين، أو الحاجة إلى الهدوء، أو الإصابة بالملل .
ومع اكتشاف النغمة السابعة "س" والتي فيها من الصفات ما ينطبق علي مثل السجن، والإنسان، والسخونة، وسعار، إبليس، سفور، وسموم، وفيها أيضاً السمعمع وهو الشيطان الخبيث، الوصول إلى هذه النغمة يصفها الفنان خالد الشيخ بأنها نغمة لا تقبل النزول من السلم لان ملجأها الوحيد هو التوجه إلى الأعلى وبينما كنت معلقاً في السماء مع هذه النغمة، جاءتني الدعوة الكريمة من إمارة الشارقة .
وحول سبب انقطاعه عن الساحة الفنية وضح خالد الشيخ يقول: إنه قبل سنتين ونصف أصيب بحالة جعلته لا يطيق سماع الموسيقى، فابتعد عن كل ما يتعلق بالفن، واستبدل قراءاته الفنية بالرواية ومن جديد السياسة والاقتصاد .
ويضيف: "واحدة من المفارقات التي أفجعتني في هذه المرحلة مقولة لمصطفى ناجي وهو من أمهر عازفي الشيلو في العالم وقائد أوركسترا ومدير دار الأوبرا في مصر، وسبق أن عملت معه في أكثر من عمل فني، فعندما اتصلت به في إحدى السنوات الماضية وطلبت منه العمل معي في مشروع فني وبعد دقائق من حديثي جاء جوابه بكلمتين صادمتين أفجعت من وقعها حين قال: "أنا بشطب" .
هل هذا يعني أنك اعتزلت؟
ليس اعتزالاً بالتحديد إنه انسحاب تدريجي . ومن المهم الإشارة إلى أني لا أنسحب بسبب وازع أو الشعور بالقيام بشيء محرم، فقط لأني أعيش حالة من الإحباط الشديد .
بماذا كنت تشغل نفسك طوال سنوات الانقطاع؟
كنت أشغل نفسي بمتابعة الخراب العربي الذي سمي ربيعاً، بكل تفاصيله الدموية والمأساوية، الغريب أنه رغم مأساوية المشهد كنت أشعر بأن معايشة هذا الواقع العربي والتألم منه، أفضل من أن أمسك عوداً وأبدأ الغناء .
هل هجرت العود؟
ما زال موجوداً عندي في غرفة النوم معلقاً على الجدار فقط .

الشارقة والمفارقة

بينما كان الفنان خالد الشيخ يعيش حالة القرار بالابتعاد، جاءته الدعوة من الشارقة ليشارك في عمل متعلق بسيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، بمناسبة اختيار الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية . المفارقة كما يقول الشيخ: "عندما استلمت العمل وبينما كنت في الطائرة متوجهاً إلى الشارقة كانت "لا" النافية موجودة تصرخ في روحي لأقول "أنا شطبت"، ولكن كلمة وحدة جاءت بالتغيير الكلي للسلم الموسيقي وخصائصه، عندما قرأت في النص كلمة "يا محمد"، وطوال الرحلة بدأت التفكير بالسلم السابع ودخلت في المقارنات، ثم طلبت من المضيفة ورقة وبدأت بوضع الخطوط والمسافات فوقها وكتبت كيف ستؤدي يا محمد" .

تكريمات وجوائز

حصل خالد الشيخ على العديد من الجوائز وشهادات التقدير والتكريم من مهرجان عيد الفن في العراق، وكضيف مهرجان الأغنية العربية السادس المقام في البحرين، ومن مهرجان البحرين الدولي الحادي عشر للموسيقى البحريني أكتوبر/ تشرين الأول ،2003 وفي عام 2005 حصل على جائزة أفضل موسيقى ومؤثرات صوتية عن مسرحية "أخبار المجنون" لمسرح أوال، وغيرها من الجوائز .

ثلاث نغمات

"محمد" و"فاطمة" و"صفية" ثلاث نغمات لعبت في حياتي دوراً كبيراً بوجود على درجة فاصلة فارقة نافرة قوية فتية فرعونية لا تقبل أن تتعايش لأنها تقع على خط الزلزال في آخر الجزء الأول من السلم .