رحل د . عبدالله عُمران، رحل أبو خالد، لكنه سيبقى كعلامات الطريق التي تُوجَّه عابر السبيل نحو المدن الفاضلة . كأن يد الشوق استعجلته الرحيل . . أسرج خيل السفر . . . وطوى المسافات إلى الرفيق الأعلى . . يقوده ذلك الشوق إلى تريم الذي غاب ناثراً وجعه في القلب والذاكرة .
موته الثاني كان انتقالاً إلى المكان الذي حطّ فيه موته الأول لحظة أُهيل التراب على توأم روحه تريم بعدما وضع النقطة الأخيرة على سطر حياته . .
اختطفت يد المنون أبا خالد، لكنه مثل النبوءة، إذا قُيض لها أن تتحقق، فإنها ستكون كالنار الوحيدة وسط جبال الثلج التي تُرشد الناظر إليها إلى الطريق الصحيحة للدفء، وستتبدى ضوءاً وسط الليل ينير معالم الطريق المنشود . . في كل وقت كان أبو خالد كمن يضيف للنار حطباً جديداً، ويضيف للبداية خطوة شجاعة ويُفْرِدُ للعزم مدى واسعاً .
في البال ذاك الحضور المتوهج كالشهاب . . كالنجم المذنب الذي ينثر نوره، والسحابة المتهادية في رحب السماء تنثر غيثها .
كبا جواد العمر به، وهو الفارس الذي تمكن من اللجام، وحرّك المهماز في الاتجاه الصحيح . .
أصابه الردى هذه المرة . . خانه قلبه وما كان يوماً خؤوناً . .
أتمّ سعيه . . سلّم وديعته . . ومضى . . . .
كان مؤتمناً على الوَزَنات . . وفياً للعهود . . ملتزماً حدود رسالته . . غادر من دون أن يقول وداعاً . . وكأنه باق على وعد العودة . .
رحل الفارس د . عبدالله عُمران لكنه ومثلما يحدث في كل الأمكنة والأزمنة فإن لبعض الغائبين عودة مقدَّرة ومحققة، بالإرث الذي يتركه وبالعمل الذي غرسه في روح كل من عمل معه وتحلّق حوله عبر مسيرة معطاء انداحت على مدى أعوام عمره التي شكلت رحلته في غمار هذا الكون .
خاض د . عبدالله عُمران مسيرة عمر ثري كأخيه تريم . . لم يخدعهما السراب مرة، وإن لاح مراراً، ولم تجعلهما الأبراج العاجية والأماكن العالية يذهبان إلى تحول أو تبدل أو تغير، وإنما دأبا على زرع أرض حياتهما بالخير . . بالفكرة، بنور العقل وقبس الحقيقة . .
منذ البداية، منذ أعوام الوعي انطلق عبدالله عُمران وتوأم عزمه وعقله أخوه تريم يرسمان حدود المستحيل ابتغاء لرفعة الوطن وأهله وناسه، وظلا مستهديين بالآية الكريمة "من يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ." .
امتلأت مسافات عمر الأخوين بالعلم والعمل، وامتلكا الإرادة بعد العقل، فازدحمت دروبهما بإرث تنامى وكبر ليفيض بعد الرحيل خيراً عميماً على الجموع . .
الخميس في 30 يناير ،2014 ألقت عربة القدر أوراقاً مدونة، وانطلقت تعدو مسافة لتتيح للكل أن يراقب ويشاهد ويشهد على مسيرة رجل، من الإمارات العربية، مضمخة بالعلم والعمل والنضال والعطاء . .
نعلم ان ثمة شهادات وشهادات ستتالى زماناً حول ابن الإمارات البار عبدالله عُمران كواحد من جيل الكبار، ومن رموز النضال الوطني الإماراتي، والقومي العربي، فيا أيها الغائب الحاضر، كنت حقاً وهج البداية والأحلام الكثيرة الواسعة، وشغف انتظار الأيام . . كنت رديفاً للدوافع التي تفتح في عالمنا أقفال الصمت . . وإذ ستبقى في قلوبنا وأفئدتنا مساحات مشمسة تتناثر في مداها بشائرُ الغد الموعود، فإن ذاكرتنا حتماً لن تنسى، لأننا نعرف تماماً ان الجسد وإنْ صار حالة في فم الزمن اللامتناهي، إلا أن روحك يا "أبا خالد" هي من ذاك النوع الذي يمضي ليدخل في الحضور إرثاً خلاقاً متجدداً، سيتبلور عطاءً مستمراً ومتواصلاً عند خالد وإخوانه الأخيار . . . رحمك الله يا أبا خالد وأسكنك فسيح جنانه . .
أبو خالد علامة الطريق . . . والشوق إلى تريم
7 فبراير 2014 05:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 فبراير 06:41 2014
شارك
حسين حمية