إذا أردنا أن نصنف شعر الشاعرة العراقية نازك الملائكة ابتداءً من ديوانها الأول (عاشقة الليل) الصادر عام 1947م، لقلنا ببساطة ما قاله أغلب النقاد إنه (شعر وجداني) وحتى هذه التسمية قابلة للتصنيف والتحليل كذلك، فالوجدان عبارة عن بؤرة نفسية تشكل مرجعية للعواطف المرتبطة بمنظومة من القيم والضمير الذي يعد جسراً مشتركاً بين العقل والنفس، ويعرّف اللغويون الوجدان بأنه "النفس وقواها الباطنية، يطلق في الفلسفة على كل إحساس أولي باللذة أو الألم، كما يطلق على ضرب من الحالات النفسية من حيث تأثرها باللذة أو الألم في مقابل حالات أخرى تمتاز بالإدراك والمعرفة" . فوجدان الشاعر رهين بتكوينه الاجتماعي والثقافي، وهذا الوجدان بحد ذاته جسر الشاعر إلى المتلقي فهو إما يعكس تجارب شخصيةً إثر معاناة مر بها الشاعر كتجارب الحب العاطفي مما يعبر عنه ب (الغزل) أو يعكس هموماً وطنيةً فيسمى بالشعر الوطني، أو هموماً قومية أو إنسانية .
فأين تقع تجربة نازك الملائكة من هذه الهموم، وأين كانت أبهى وأقوى؟
إن المطلع والمواكب لتجربة نازك الملائكة الشعرية يجد أنها بشكل عام تناولت معظم الأغراض الشعرية الوجدانية، ولكنها كانت الأقوى والأعمق عندما عبرت عن وجدانها القومي، وتقف قصيدتها (الكوليرا) التي جسدت تعاطفها مع الشعب المصري عام 1947 عندما انتشر وباء الكوليرا في مصر وحصد الآلاف من أبنائها، تقول في تلك القصيدة:
"ياحزن النيل الصارخ مما فعل الموت
طلع الفجر
أصغ إلى وقع خطى الماشين
في صمت الفجر
أصغ . . أنظر ركب الباكين
عشرة أموات . . عشرونا
لا تحص أصغ إلى الباكينا
إسمع صوت الطفل المسكين
موتى . . موتى . . ضاع العدد"
وكانت هذه القصيدة المتفجرة حزناً من القصائد التي نالت شهرة واسعة وحققت صدى واسعاً في حينها، ثم توالت قصائد الملائكة لتعبر عن الأحداث القومية الكبرى التي هزت وجدان الشارع العربي كنكبة فلسطين وتشريد أهلها والثورة الجزائرية والعدوان الثلاثي على مصر، ونضالات الشعب العربي في التحرر من براثن المستعمرين وغيرها من مواقف قومية خلدت نازك الملائكة كشاعرة قومية بامتياز .
ولعل من أبرز دواوين شاعرتنا القومية الكبيرة التي عبرت عن وجدان عروبي صادق تجاه فلسطين هو ديوانها (للصلاة والثورة) الصادر عن دار العلم للملايين عام ،1978 فقد فجرت بطاقة بريدية تحمل صورة (القدس) لواعجها، وبعد انقطاع عن الشعر دام ثلاث سنوات ارتجفت عواطفها ثم تفجرت عن عدة قصائد منها (سوسنة أسمها القدس)، والقصيدة التي حملت عنوان الديون (للصلاة والثورة) التي كانت من خلالها شاعرة مقاومة من أجل استرداد الحق الفلسطيني .
تتحدث نازك في مقدمة الديوان وهي مقدمة طويلة قائلة: "فالصلاة هنا معادل حي للقيم الثورية والقيم الجمالية، والقيم الإنسانية، وهي تربية للروح والجسم وإكمال لإنسانية الإنسان، ولهذا سميت هذه المجموعة للصلاة والثورة داعية الإنسان العربي إلى أن يرتفع بجناحين اثنين جناح الروح وجناح القتال، وهما الجناحان اللذان سلح بهما الإسلام هذا الإنسان في كل زمان ومكان ليرتفع إلى أعلى ذرا إنسانيته فيدرك أبعاد الروح، ويحقق حريته وحرية أمته، ويمتلك الأرض التي استخلفه الله عليها، فانتصار العربي على الظلم في فلسطين هو المعادل القتالي لارتفاع الأذان من قبة الصخرة، ولا يمكن أن تتم انتصارات الإنسان من دون أن تكتمل الروح التي كان ارتفاع الأذان رمزاً لها، وهذه هي الفكرة الأساسية التي قامت عليها هذه المجموعة" .
تقول شاعرتنا في قصيدة أقوى من القبر:
"كل يوم تموتين في القدس، كل صباح
يقتلونك، تنقل أخبار موتك سود الرياح
تسقطين شهيدة
في الشعاب القريبة والطرق البعيدة
ترقدين مخضبة بدماء العقيدة
تقعين بنابلس مثخنة بالجراح
وتهيمين ظمأى شريدة
في دروب الظلام وحيدة
تسكنين جراح القصيدة . . ."
وتواصل جرحها الدامي قائلة:
"وترين عدوك يا أمي
يتبادل أرضك أرض الجدود، هدايا
وله النصر في كل حرب، ونحن الضحايا"
ربما اجتزاء القصيدةً لا يعبر عن كل معانيها، ولكن قصائد نازك الملائكة تتسم بالطول والعمق والتداعيات المختلفة، وليس بالإمكان عرضها كاملة .
والحقيقة فإن الحديث عن شعر نازك الملائكة يغري بالاستغراق والدخول إلى عوالمها الوجدانية الرافضة للانكسار والخنوع، إنها شاعرة مقاومة، شاعرة قومية بامتياز وهذا يكفيها فخراً، وجدير بالذكر أن هذه الشاعرة الكبيرة قضت ما يقرب من نصف حياتها في مصر حيث كرمها القائد جمال عبد الناصر باستضافة هيأت لها كل مستلزمات العيش حتى توفيت ودفنت في قاهرة المعز، ولكنها لاتزال حية .

ساجدة الموسوي