إعداد : محمد هاني عطوي

السؤال الذي لم يفتأ القدماء والمحدثون من العلماء يطرحونه هو : هل نحن وحدنا في الكون ؟
منذ عصر الإغريق وأهمهم فيثاغورس كان العلماء يعتقدون أن القمر يأوي كائنات تسمى القمريون . وفي مطلع القرن الماضي، اعتقد الناس أن الزهرة والمريخ وكوكب المشتري كواكب مأهولة بالسكان . ومع إطلاق المركبات المختلفة لمراقبة ورصد هذه الكواكب عن كثب، تبين عدم وجود حياة على أي منها ولكن هل يعني هذا انتفاء أي حياة في مكان آخر من هذا الكون؟
ولكي يجيب العلماء عن هذا التساؤل حاولوا أولا معرفة العملية التي أدت إلى ظهور الحياة على الأرض . والفرضية الاكثر ترجيحاً هي أنه تم حملها من الفضاء عن طريق نيازك وشهب ومذنبات تحوي الجزيئات العضوية مع كمية من الحمض النووي أو غيره من الجزيئات ثم تطورت فيما بعد والحقيقة أن ضخامة الكون تجعل من غير الممكن ألا تكون هذه الصيرورة لمكونات الحياة قد تجددت في أماكن أخرى منه .
المعروف حسب الدراسات الحديثة أن كل كائن يبعث بموجات حتى نحن البشر من دون أن ندري بذلك ومن خلال هذا الإشعاع، نجد أن النشاطات التي تحدث على الأرض قابلة للاكتشاف من الفضاء من قبل حضارات أخرى إن وجدت . والأمر ذاته ينطبق على أي حضارة ذكية موجودة في هذا الكون، وبفضل الهوائيات الضخمة، يحاول علماء الفلك الراديوي منذ 40 عاماً الكشف عن إشارات قادمة من حضارة ذكية أخرى خارج النظام الشمسي .
في بداية الثمانينات من القرن العشرين تم إنشاء مشروع SETI ويعني (البحث عن حضارات ذكية خارج الأرض) من خلال التقاط إشارات منها والتي يعتقد أنها ربما أكثر تقدماً منا من الناحية التقنية . وفقا لمشروع SETI فإن الحياة هي عملية طبيعية لتطور الكون، والذكاء البشري ليس هو ذروة ما يمكن أن يكون قد نتج فيه . ولكن المشكلة أن هناك المليارات من الترددات التي تبدأ من أشعة غاما وتنتهي عند موجات الراديو مروراً بالأشعة السينية مع العلم أن التقنيات الحالية المستخدمة تمكننا من الاستماع إلى أكثر من مليار قناة في وقت واحد . ولكن هذا المليار قطرة في محيط مقارنة بمئات المليارات من الترددات الموجودة في الكون .
ولذلك ركز علماء الفلك الراديوي أبحاثهم على الموجات الواقعة حول التردد 1420 ميغاهيرتز لأن كل ما هو مكون من الهيدروجين يصدر بشكل طبيعي إشارات تقع عند هذا التردد مع العلم أن الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون . ونحن نعلم الآن أنه حيث يوجد ماء (H2O) يمكن للحياة أن تتطور .
وإلى جانب البحث عن حياة أخرى خارج الأرض، يرسل علماء الفلك الراديوي رسائل نحو الكون ويأملون أن تلتقطها حضارة ما . ومن هذا المنطلق تم في أواخر العام 1970 إرسال مركبات فضائية مثل "فوياجر و بايونير . صممت لتصوير الكواكب . واليوم لم تزل هذه المركبات تتابع رحلتها خارج النظام الشمسي، وعلى متنها قرص فيديو يحمل رسائل من حضارتنا البشرية .
وحتى اللحظة لم يتم العثور على حياة خارج كوكب الأرض ولكن العلماء حققوا بعض الاكتشافات المثيرة للاهتمام، والتي يمكن أن تثبت أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، ففي العام 1969 سقط نيزك على مورشيسون بأستراليا وبعد إجراء التحليلات عليه، اكتشف العلماء أنه يحوي 70 حمضاً أمينياً منها ثمانية موجودة في بروتينات أهل الأرض . لا شك أن ذلك كان اكتشافاً مثيراً للاهتمام ويعزز حقيقة أن الحياة جلبت إلى الأرض من الفضاء .
وفي 1980 ثمانينات القرن الماضي وصلت المركبة "فوياجر 1" إلى زحل ورصدت لأول مرة بالقرب من أحد أقماره "تيتان" جواً غنياً بالمركبات الكيميائية التي يمكن أن تشبه الغلاف الجوي البدائي للأرض .
وفي العام 1995 حصل العلماء من المركبة "جاليليو" على صور مفصلة للغاية لأقمار المشتري "جوبيتر" خاصة من القمر "إيو" الذي تظهر عليه نشاطات بركانية غير متوقعة فضلاً عن القمر "أوروبا" الذي يمكن أن يخفي سطحه المتجمد محيطاً يحوي شكلاً من أشكال الحياة . . .
هناك أيضا الرحلات العلمية الروبوتية إلى كوكب المريخ والتي لقيت اهتماما كبيرا من علماء الفلك . فبين عامي 1965و 1976 ساهمت ست بعثات روبوتية في دراسة هذا الكوكب عن كثب حيث وجدت على سطحه الأخاديد التي ربما تكون قد نحتت بوساطة الماء .
وفي يوليو/تموز 1997 حطت المركبة "باثفايندر" على سطحه وعلى متنها الروبوت " سوجورنر " . ووفقا لتحليلات التربة التي أجريت بوساطته، تبين وجود مياه سائلة على سطح المريخ ما يعني تطور أحد أشكال الحياة هناك، خاصة أن المريخ لديه غلاف جوي . وفي العام 1996 كشفت الاختبارات التي أجريت على النيزك المريخي الذي عثر عليه في القارة القطبية الجنوبية عن وجود كائنات حية دقيقة وجزيئات عضوية متحجرة . ما يعني كذلك وجود حياة على المريخ لكن تحليلاً أعمق أظهر أن هذه الكائنات الدقيقة هي في الواقع من أصل أرضي وبأنها تحجرت بعد أن سقط النيزك على الأرض .
الحدث الأكثر أهمية بالطبع كان في أواخر عام 1995 وتمثل في اكتشاف كوكب خارج نظامنا الشمسي على يد عالمي الفلك السويسريين ميشال مايور وديدييه كولوز يدور حول النجم "51 بيغاسي " في مرصد هوت بروفانس .
اليوم وصل عدد الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية إلى 1028 كوكباً لكنها للأسف لا تأوي أي شكل من أشكال الحياة لأنها إما قريبة جداً من نجومها، أو بعيدة عنها . والواقع أنه من الضروري أن تقع هذه الكواكب على مسافة أصغر قليلاً من المسافة الفاصلة بين " الشمس والأرض " ولا تتجاوز المسافة بين الشمس المريخ، حتى يمكن للحياة أن تتطور عليها فضلاً بالطبع عن وجود غلاف جوي .
الجدير ذكره أن أي كوكب يوجد خارج نطاق المجموعة الشمسية ويدور في محيط نجوم أخرى يسمى كوكباً خارجياً . ومنذ العام 1991 وحتى 28 أكتوبر/تشرين الأول 2013 تم اكتشاف 1028 كوكباً تقع خارج المجموعة الشمسية . وتم اكتشاف معظمها بطرق غير مباشرة وليس بالرؤية المباشرة لأن قربها من نجم ساطع يجعل رؤيتها مباشرة أمراً صعباً جداً . ونجد في "كتالوج الكواكب الخارجية" للمرصد أريسيبو 12 كوكباً صخرياً تقع في منطقة حول نجومها يحتمل العثور فيها على الماء السائل (هذه المنطقة حول الشمس، لا تحوي سوى المريخ والأرض والقمر) .
وتختلف الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية عند مقارنتها بكواكب المجموعة الشمسية في أن بعضها عبارة عن كواكب غازية أو صخرية ضخمة أو أن بعضها يدور حول أكثر من نجم أو أن بعضها يسبح في الفلك بطلاقة، وبعضها يدور حول أقزام بنية (نجوم أصغر وأبرد من شمسنا الصفراء)، ومن الممكن أن يحتوي بعضها على حياة (رغم أن ذلك لم يكتشف بعد) أو يمكن أن تكون كواكب قزمية، وهي كواكب أصغر حجماً وكثافة من الكواكب العادية .
من أفضل الطرق التي يستخدمها الباحثون عن الكواكب الخارجية هي "السرعة الشعاعية"، وتعرف كذلك "بمطيافية دوبلر" . وهذه الطريقة هي التي سمحت للباحثين ميشال مايور و ديدييه كولوز الكشف عن الكواكب الخارجية في العام 1995 .
وطبقا لقوانين الجاذبية فإن الحركة الاهتزازية لنجم ما مقترناً بكوكب يدور في فلكه تكون صغيرة عند مقارنتها بفلك الكوكب بسبب الاختلاف الكبير بين كتلتيهما . هذه الحركة البندولية الدوارانية التي يؤديها النجم، تتميز باختلاف في سرعته عندما تكون حركته في اتجاه الأرض أو يكون مبتعداً عنها في مداره . أي أنه يوجد اختلاف في السرعة الشعاعية للنجم عند مشاهدته من الأرض .
ويمكن استنباط السرعة الشعاعية من الإزاحة التي تعتري خطوط طيف النجم بالمقارنة بالنجوم المجاورة له والتي تظهر في هيئة تأثير يسمى تأثير دوبلر . وتعتمد طريقة قياس السرعة الشعاعية على قياس ذلك الاختلاف ومنها يمكن الحكم على وجود كوكب تابع له أو لا .
وهناك طريقة بسيطة وقليلة التكلفة لقياس السرعة الشعاعية تتم بوساطة مطيافية التشتت الخارجي
وهذه الطريقة تستخدم بالمشاركة مع طريقة عبور الكوكب للتأكد من القياسات، وحينما تقترن هاتان الطريقتان يمكن معرفة كتلة الكوكب المكتشف الحقيقية . وابتكر علماء الفلك طرقاً غير مباشرة لاكتشاف الكواكب الخارجية منها .
يمكن بوساطة قياس المنحنى الضوئي لهذا النظام تعيين قطر الكوكب فإذا عبر كوكب أمام النجم الذي يتبعه فإن الضوء الصادر من النجم يضعف قليلاً (ظاهرة كسوف) . ويعتمد مقدار ذلك الانخفاض في إضاءة النجم على حجم الكوكب بالنسبة إلى حجم النجم . فعلى سبيل المثال وجد في حالة HD 209458 انخفاض إضاءة النجم بمقدار 7 .1% .
وعن طريق مسح مناطق واسعة في السماء بها آلاف النجوم في وقت واحد فإن طريقة اكتشاف الكواكب بطريقة العبور تعتبر أكثر نجاحاً من طريقة السرعة الشعاعية . وتسمح طريقة عبور الكوكب أمام نجمه التعرف إلى جوه فعندما يعبر الكوكب أمام قرص النجم فإن جزءا من ضوء النجم يصل إلى جو الكوكب . ومن خلال دراسة الأطياف واضحة التباين يمكن اكتشاف عناصر موجودة في جو الكوكب . ويمكن التعرف إلى الكثير من جوه عن طريق قياس استقطاب ضوء النجم المار خلاله أو المنعكس على جوه .
من الكواكب التي تم الكشف عنها بالطريقة الشعاعية الكوكب "51 بيغاسي- ب" الواقع على بعد 40 سنة ضوئية منا . وهو كوكب عملاق غازي يزن نصف كتلة كوكب المشتري وهو أقرب 20 مرة إلى نجمه من قرب الأرض من الشمس .
في العام 2009 اكتشف الباحثون الكوكب الخارجي كوروت -7 B بالجمع بين الطريقة الشعاعية وطريقة عبور الكوكب هو أول كوكب صخري استطاع العلماء قياس حجمه وكتلته كما وجدوا أن كثافته تزيد بمرتين على الأرض . وتصل درجة الحرارة على سطحه إلى أكثر من 2000 درجة مئوية جراء الأشعة الساقطة عليه من نجمه، ولذلك ينبغي أن يكون ذائباً جزئياً .
وعندما انطلقت مركبة الفضاء كِبْلر في عام 2009 كانت مهمتها البحث عن كواكب صخرية حول نجوم مُضيفة شبيهة بالشمس في مجرتنا . ومن بين مئات الكواكب الخارجية ثمة مجموعة حارة كبيرة شبيهة بكوكب المشتري، وقريبة من نجومها (شموسها) وأخرى صغيرة مثل الكوكب الخارجي كبلر-37 الذي يدور حول النجم كبلر-37 الشبيه بالشمس وذلك ضمن منظومة تضم كوكبين آخرين على الأقل . ويشبه هذا الكوكب قمرنا من حيث الحجم، ويرجح أنه يشبه عطارد ويبلغ نصف قطره ثلث قطر الأرض ولذا فهو أصغر من عطارد أصغر كوكب في نظامنا الشمسي وهو أقرب أربع مرات إلى نجمه من قرب عطارد عن الشمس .
ومن الكواكب المشابهة للأرض كوكب كبلر - 78 الذي يساوي 2 .1 ضعف حجم الأرض كما أن كثافته مماثلة للكوكب الأزرق . وهذا يشير إلى وجود تكوين صخري مع نواة من الحديد . والواقع أن التشابه مع الأرض يتوقف هنا . ويبدو أن هذا الكوكب الشاب لا يزيد عمره على 600 مليون سنة وهو شديد القرب من نجمه الأم ويدور حولها خلال 8 ساعات ونصف وتسود على سطحه درجة حرارة جهنمية .
من ناحية ثانية يعتبر الكوكب الخارجي كبلر - 62 الأكثر صخرية من الكواكب المكتشفة الأخرى وتبلغ كتلته أقل قليلاً من أربعة أضعاف كتلة الأرض والسنة عليه تستغرق 122 يوماً أرضياً كما أن درجة حرارة سطحه تبلغ 31 ! مئوية (لكن هذه القيمة تعتمد بشكل كبير على تكوينه غير المعروف حتى الآن وكذلك على جوه ) . ويدور هذا الكوكب حول النجم فيغا الواقع في كوكبة القيثارة التي تبعد عن الأرض 1200 سنة ضوئية . ويعتقد العلماء أنه الكوكب الأكثر شبها بالأرض . أما الكوكب الأقرب إلينا فإنه يدور حول واحدة من النجوم الأقرب إلينا وهي "ألفا سنتوري- ب" التي تبعد عنا 4 سنوات ضوئية . وكتلة هذا الكوكب تتشابه مع الأرض ( لكن لم يحدد حجمه ) وسنة واحدة عليه تساوي 2 .3 من أيام الأرض !
ومن الكواكب الخارجية المكتشفة المشابهة للأرض كوكب أطلق عليه العلماء "غليس 581 دي" وهو يبعد حوالي عشرين سنة ضوئية عن النظام الشمسي . ويدور الكوكب في المدار الخارجي لما يعرف بمجموعة "غولديلوكس" حيث الجو ليس ساخنا جدا للدرجة التي يتبخر فيها الماء ولا هو بارد جداً بحيث يبقى الماء متجمدا بشكل مستمر، ولكن الجو مناسب لبقاء الماء في حال السيولة .
ويرى الباحث أندريه براك من المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية إنه في ظل توفر ثاني أكسيد الكربون بشكل كثيف في أجواء الكوكب، فإن مناخ "غليس 581 دي" يعتبر مستقراً ودافئاً بما فيه الكفاية، ما يجعل الاحتمالات كبيرة لاحتواء الكوكب على محيطات وغيوم وعلى فرصة لهطول الأمطار .


كوكب يرى بالعين المجردة


من الكواكب الخارجية الصالحة للحياة التي اكتشفها مجموعة علماء من الولايات المتحدة وبريطانيا وتشيلي وأستراليا كوكب يقع ضمن خمسة تدور حول نجم يسمى "تاو سيتي" ويشبه كثيراً الشمس التي يدرو حولها كوكب الأرض . المثير في النجم "تاو سيتي" أنه لا يبعد عن الأرض كثيراً، إذ يفصله عن المجموعة الشمسية 12 سنة ضوئية فقط ويؤكد العلماء المشرفون على هذا الاكتشاف أن هذا النجم يمكن رؤيته من الأرض بالعين المجردة ليلاً في السماء الصافية حيث أنه يقع ضمن كوكبة "قيطس" . ويقدر العلماء حجم الكواكب المحيطة بالنجم "تاو سيتي" بأنها تفوق بحجمها الأرض بضعفين حتى ستة أضعاف، ويركز العلماء في دراستهم على أحدها المسمى " تاو سيتي ذإي، الذي يقع في المنطقة "المأهولة" للنجم، وهي منطقة مدارية تتسم بطقسها المعتدل الذي يسمح بوجود الماء في صورة سائلة، وهو ما يدعم فرضية وجود حياة على هذا الكوكب . ويبعد هذا الكوكب عن النظام الشمسي 9 .11 سنة ضوئية . ويختم الباحث فرانك سولسيس المتخصص بالكواكب الخارجية في مختبر الفيزياء الفلكية بمدينة بوردو الفرنسية قائلا: "الاكتشافات الحالية تظهر تنوعا كبيراً في العوالم القابلة للسكن ولذا يتوقع العلماء كل المفاجآت وفي هذه الحالة يصبح البحث عن كوكب توأم للأرض لا معنى له" .