احتلت "الستارة" مكانة خاصة في عالم التمثيل، منذ بدايات تأصيله، وتبلور ملامحه، وفرز أدواته العامة، ومن بينها ما هو مكاني وديكوري، حيث يجد متابع هذا الفن: نصاً، وعرضاً، أن مفردة "الستارة" لطالما دونها المؤلف المسرحي، وهو يتناولها في سياقين مختلفين، في أول نصه وآخره، في أقل تقدير، بل لطالما بدأ منها المخرج، منذ التدريبات القرائية، والتطبيقية الأولى، على أي نص يتنطع لمسرحته أمام النظارة، بل وبه يختتم تدريباته، وهو يتأهب لمواجهة جمهوره، حيث يكون -العرض التقليدي- مجرد شريط مسرحي بين ستارتين، ستارة البدء، وستارة النهاية، وإن كانت هذه الأداة، هي في النهاية واحدة، حيث تتعلق بها الأنظار، قبل انطلاقة كل عرض، كي ينفرج طرفاها إلى جهتين مختلفتين، على إيقاع موسيقي محدد، وعبر تعامل محدد مع الإضاءة، والصوت، بل وحركة الممثل .
وستارة المسرح، تتألف عادة، من قطعة قماش، مقسمة إلى قسمين متساويين، تحجب بين النظارة، وخشبة المسرح، بديكورها، وممثليها، وهي تصمم كي يتحرك طرفاها، باتجاهين مختلفين، أو متوافقين، حسب ما هو مراد، فهما يتباعدان، عندما يراد إظهار ما على خشبة المسرح، بيد أنهما يتقاربان، كي يعودا إلى ما يذكر بأنهما مجرد قطعة واحدة، متكاملة، عندما يراد إخفاء ما على هذه الخشبة .
وإذا كان كاتب النص المسرحي التقليدي قد دأب على كتابة عبارة "تفتح الستارة" أو "يفتح الستار" أو "يسدل الستار" أو "تسدل الستارة" في بداية نصه، وفي آخره، بل وفي بداية المشهد أو آخره، فإن بعض النصوص الجديدة استطاعت أن تستغني عن "فتح" و"إغلاق" الستارة، كي تظل مفتوحة طوال شريطها الزمني، وهو ما لا يأتي اعتباطياً، بل كمعطى، وتجل، وتجسيد، لرؤية فنية محددة،لدى المؤلف، وربما كاجتهاد من قبل المخرج، حيث نجد حالات كثيرة، لا يتفق خلالها: مؤلف النص المسرحي، ومخرجه، وهما طرفان مهمان في المعادلة الرباعية التي يشترك فيها معهما كل من: الممثل والجمهور، طرفي التفاعل الحقيق، أثناء أي عرض، وقد يكون هذا الاتفاق مجدياً في بعض الحالات، وقد لا يكون كذلك، رغم أنه يعول الكثير على فهم المخرج للنص المسرحي .
وتأخذ الستارة، وفق مثل هذا الفهم بعداً آخر، دلالياً، فهي إضافة إلى نوسانها بين الديكوري والمكاني، فهي تلعب دوراً لافتاً في عملية الدهشة التي تعد عنصراً جد مهم، في اللعبة الفنية، مادام الخط البياني للأحداث يتشكل من خلال التفاعلات التي تتم وراءها، على المنصة، بل إن ما قد يجري خارج هذه المنصة، إنما هو مرتبط بحركتها .
وتكتسب الستارة بعداً رمزياً، يضاف إلى بعدها الدلالي، والديكوري، والمكاني، وذلك خارج إطار العرض المسرحي الواحد، كأن نتحدث عن ستارة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، عبر أكثر من يوم، أو ربما أسبوع، ليكون بين افتتاح "الستارة" و"إسدالها" أكثر من عرض، بل أصداء أصوات أكثر من فرقة مسرحية، أو حتى أكثر من مكان واحد، وهو ما يجعلنا نعمم مفهوم هذه الأداة، كي يؤدي كل طرف للستارة مهمة القوس في الجملة، أو الغلاف في الكتابة، أو منطلق السهم ومنتهاه .

إبراهيم اليوسف

[email protected]