مسقط - "الخليج":
بدأت سلطنة عمان مبكراً في الإعداد لاستراتيجيتها المستقبلية 2040 على وقع الإنذارات المتكررة بضرورة التفكير الجدي لمواجهة تحديات ما بعد النفط، حيث جاء تنظيم ملتقى عمان الاقتصادي "الرابع" ضمن هذا السياق الذي شهد مؤشرات عدة تكشف عن تغيير النمط التخطيطي عما كان سائداً خلال الخطط الخمسية السابقة، وهو ما بدا واضحاً من خلال تصريحات عدد من كبار المسؤولين عن التخطيط والاقتصاد الوطني الذين يعترفون بضرورة رفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة إلى الحد الذي يجعل من الموظف الحكومي مقدماً للخدمة للمواطن وليس متحكماً في تقديمها أو حجبها .
ملتقى عمان الاقتصادي "الرابع" أكد على ضرورة التأثير في حركة الاستثمار من خلال دخول الدولة "كمستثمر مباشر" في عديد من القطاعات وتقديم الدعم من خلال برنامج محدد للتخصيص، كاشفين عن وجود صعوبات حالية تواجه استدامة استقرار الأوضاع المالية تحتاج إلى حلول وبدائل في الخطط والرؤى المقبلة من بينها زيادة الإنفاق الحكومي بسبب متطلبات التنمية والاحتياجات الاجتماعية والفجوة بين نمو الإيرادات النفطية وغير النفطية وضرورة التركيز على البعد الاجتماعي وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي والتنمية المتوازنة في كافة المناطق والمحافظات .
ذكر المتحدث الرئيسي الرئيس السابق لجمهورية كوريا الجنوبية ميونغ باك لي أن المدخل الأساسي لنجاح "النموذج الكوري" هو التعليم وإتاحة المجال واسعاً للعمل أمام القطاع الخاص مع قيام الدولة بدور "الموجه الاقتصادي" للخطط والاستراتيجيات، مشيراً إلى أن سلطنة عمان لديها فرصة جيدة للعبور إلى "عصر ما بعد النفط" بنجاح تام إذا تم تطبيق الاستراتيجيات التي تتبناها حالياً من تنويع للاقتصاد ودعم للقطاع الخاص، وأن ما ينبغي التركيز عليه هو آلية تحويل هذه الاستراتيجيات وترجمتها إلى واقع فعلي، وأنها حققت خلال الفترة الماضية تطورات اقتصادية كبيرة بحسب مؤسسات الأمم المتحدة حيث تتواصل مسيرة التنمية الاقتصادية، كما تمكنت من تسجيل مركز دولي متميز من حيث دخل الفرد، وأن لديها خططاً اقتصادية متكاملة تتمثل في الرؤية 2020 وأنها تستعد لإطلاق الرؤية ،2040 مستعرضاً مسيرة التنمية في كوريا الجنوبية منذ استقلالها عن اليابان، حيث يقول إنها مرت بمراحل صعبة شهدت خلالها حروباً مدمرة، وكانت تعاني أزمات اقتصادية كبيرة حيث دخل الفرد منخفضاً بينما يعتمد اقتصادها على المساعدات الخارجية من المجتمع الدولي، وأن مواطنيها عانوا الأمرين في تلك الحقبة الصعبة من فقر شديد لم يكن لديهم شركات وتقنيات ما دفعهم للهجرة إلى بلدان العالم طلباً للرزق، وأن أول شركة كورية ناجحة كانت "هيونداي للمقاولات" التي عملت بجهد وتفان لفترة طويلة وتمكنت من الحصول على المشاريع في مختلف بلدان العالم، وبعد أن كانت تعتمد على عدد قليل من الموظفين أصبحت تضم مئة وستين ألف موظف وتنشط في شتى القطاعات الاقتصادية، إلا أنها تمكنت بفعل أبنائها من احتلال مقعد بين كبرى الدول الصناعية، وتتمتع بنظام ديمقراطي عريق، وأن الدخل الفردي الحالي يعد من بين الأعلى على المستوى العالمي، وأن منتجاتها تغطي 60 في المئة من بلدان العالم على الرغم من مساحتها المحدودة، وأنها تمكنت من التغلب على الأزمات الاقتصادية والمالية التي مر بها العالم خلال الأعوام الماضية نظراً لتمتع اقتصادها بالقوة الكافية، وأن تجربته علمته أن التعليم هو أهم ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان، مدللاً على صحة ذلك بأن الشعب الكوري ينفق بسخاء على تعليم أبنائه، كما أن الحكومة تدعم الجامعات، وأن بلاده تتمتع بمستوى ثقافي رفيع حيث تخرج جامعاتها أفضل الطلاب في العالم على حد قوله، وهي تسعى للتعاون دائماً مع الجامعات الدولية للمحافظة على مستواها، معتبراً أن رؤيتها الخاصة للمستقبل ساعدتها على الانتقال من دولة تعتمد على المساعدات الأجنبية إلى دولة مانحة للدول التي تعاني صعوبات، وأن لديها عدداً كبيراً من مشاريع التعاون الاقتصادية مع الدول العربية - من أبرزها دولة الإمارات ودولة قطر - وتسعى لتعزيز علاقاتها الاقتصادية معها، كما تسعى بشكل دائم إلى مشاركة نموذجها الاقتصادي التنموي مع مختلف بلدان العالم، مشدداً على أهمية التعليم الذي يعتبره "سر نهضة كوريا" وتخلصها من مشاكلها .
الدكتور علي بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة نائب رئيس المجلس الأعلى للتخطيط في سلطنة عمان يقول إن حكومة السلطنة تواصل برامجها لاستقطاب الاستثمارات في القطاعات المختلفة، إضافة إلى تأكيد أهمية قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باعتباره من القطاعات الواعدة لتوفير فرص عمل للعمانيين وزيادة القيمة المضافة، موضحاً أن الناتج الإجمالي المحلي بالأسعار الجارية - حسب المعلومات الأولية المتوافرة - بلغ خلال العام الماضي ثلاثين ملياراً وتسعمئة وواحد وستين مليون ريال عماني بنسبة نمو 3 في المئة عما كان عليه في العام السابق، وبلغت الصادرات غير النفطية 7083 مليون ريال بنسبة نمو 6 في المئة .
وخلال فعاليات النسخة الرابعة من "ملتقى عمان الاقتصادي"، قال السنيدي إن المرحلة الحالية من الخطة الخمسية الثامنة تتسم بقرب استكمال مشاريع الخدمات الأساسية من موانئ ومطارات وطرق رئيسية إضافة إلى التوسع في الخدمات بالمناطق الصناعية والاقتصادية، وأن الاكتشافات في مجال الغاز تعمل على تعزيز قدرة الاقتصاد العماني على التوسع خلال الخطة الخمسية المقبلة، وأن التوجهات الحكومية تستهدف زيادة القيمة المضافة المحلية والتوسع في التصدير وإعادة التصدير .
ملامح الخطة التاسعة
حول ملامح الخطة الخمسية التاسعة وأبرز مرتكزاتها وتوجهات الاستثمار الحكومي، يقول سلطان الحبسي أمين عام المجلس الأعلى للتخطيط إن هناك قصوراً في أداء خطط التنمية مثل الارتكاز على الصناعات كثيفة رأس المال وقليلة التوظيف أيضاً كان هناك عدم اتساق بين سياسات التنويع الاقتصادي وعمليات التشغيل، كما أن قطاع البنية الأساسية لا يقبل عليه المواطنون لانخفاض دخله، وأن هناك صعوبات حالياً تواجه استدامة استقرار الأوضاع المالية تحتاج إلى حلول وبدائل في الخطط والرؤى المقبلة، وأن من بينها زيادة الإنفاق الحكومي بسبب متطلبات التنمية والاحتياجات الاجتماعية، كما أن هناك فجوة بين نمو الإيرادات النفطية وغير النفطية، مشيراً إلى التركيز على البعد الاجتماعي وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي وتنمية متوازنة في كافة المناطق والمحافظات خلال الخطط القادمة، إضافة لمراعاة البعد البيئي مع الحرص على إشراك فئات المجتمع في وضع السياسات .
الكفاءة الإدارية
الدكتور عبدالملك بن عبدالله الهنائي مستشار وزارة المالية يقول إن الاقتصاد يتأثر بما يحدث في الأسواق العالمية من حيث حركة الاستثمار وأسعار النفط، وأن الاستثمار في القطاع الصناعي واللوجستي أصبح ضرورة، حيث تشير الدراسات إلى أن تحقيق النمو يحتاج إلى معدلات استثمارية عالية، وأن الحكومة تعمل على التأثير في حركة الاستثمار من خلال دخولها "كمستثمر مباشر" في عديد من القطاعات، كما تعمل على إيجاد بيئة استثمارية مواتية وتقديم الدعم من خلال برنامج محدد للتخصيص بدأ مع طرح جزء من حصة حكومية للبيع في الشركة العمانية للاتصالات "عمانتل" في إطار تعزيز إسهام الاستثمار، وأنها ستواصل طرح بعض الأصول للبيع، كما أن أحد المحاور الأساسية التي يجري العمل عليها يتمثل في إنشاء جهاز إداري على درجة عالية من الكفاءة بحيث يكون الموظف مقدماً للخدمة للمواطن وليس متحكماً في تقديمها أو حجبها .
آفاق الصناعة المصرفية
حول آفاق الصناعة المصرفية والمالية ودور سوق المال في استقطاب رؤوس الأموال المطلوبة لتمويل خطة التنمية الجديدة ودور المصارف المحلية في تمويل المشاريع الكبرى والبنى الأساسية وآفاق وتحديات الصيرفة الإسلامية، يتحدث الرئيس التنفيذي للبنك المركزي العماني حمود بن سنجور الزدجالي موضحاً أن "المركزي" ظل في موقع الصدارة للعمل على تطوير القطاع المالي باعتباره سلطة نقدية للدولة إضافة إلى كونه منظماً ومراقباً لمؤسساتها المالية والمصرفية حيث يضع الأطر التنظيمية والرقابية الملائمة لترسيخ الثقة بالقطاع المصرفي وتعزيز النمو والتنمية الاقتصادية، وأنه اتخذ إجراءات رقابية واحترازية عدة خلال الفترة الماضية بما يتماشى مع المعايير الدولية ساعدت على تحسين كفاءة النظام المالي بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص .
وفيما يتعلق بالعمليات التشغيلية، قام البنك المركزي بتخفيض سقف سعر الفائدة على جميع القروض الشخصية والسكنية إلى 6 في المئة قبل ستة أشهر، وسيتم العمل بالسقف الكمي على القروض الشخصية نهاية النصف الأول من العام الجاري حيث ستعمل البنوك ضمن سقف أقل نسبته 35 في المئة للقروض الشخصية، كما يستمر العمل بسقف أعلى نسبته 15 في المئة للقروض السكنية من إجمالي محفظة الائتمان .
وبالنسبة للبنوك الإسلامية، فقد باشر بنكان جديدان بتقديم كافة الخدمات المصرفية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، بينما قامت ستة بنوك تجارية محلية بتأسيس "نوافذ" لممارسة الصيرفة الإسلامية، وأن "المركزي" يسعى لتحقيق نمو متجانس في كل من الصيرفة التقليدية والإسلامية، متوقعاً أن تحتل موقعاً مهماً في القطاع المالي وأن تقود إلى تعزيز البيئة التنافسية ليس فقط من حيث الكفاءة والابتكار إنما أيضاً من خلال توفير خيارات أكثر أمام الزبائن بين منتجات الصيرفة التقليدية والإسلامية، كما تفتح الباب أمام قطاعات جديدة ومساهمين جدد سواء من داخل البنوك أو من مستثمرين من الخارج بما يؤدي إلى توفير فرص للاستثمارات الأجنبية الجديدة وتعزيز الشمول المالي داخل السلطنة .