أن تتناول موضوع الطوائف في بلد عربي مثل مصر ضمن فيلم سينمائي، وتعرضه على الشاشة الكبيرة ليخرج إلى العالم، فأنت "لا مؤاخذة" تتأبط الجرأة وتناطح الممنوع كي تتخطى المحظور . وإذا نجحت في إقناع الرقابة بإجازة هذا الفيلم، فقد نجحت أولاً في تقديم صورة جديدة عن هذه الرقابة وصدرها الرحب الذي بدأ يجيز ما كان ممنوعاً، قبل أن تثبت براعتك في فتح أبواب جديدة للسينما الحديثة من خلال فيلم اسمه "لا مؤاخذة" .
الفيلم أثار ضجة قبل وصوله إلى الصالات الإماراتية، بل قبل أن يرى النور في بلده مصر . ومتى عرفت قصة "لا مؤاخذة"، أدركت أسباب الضجة وتوقعت حدوثها في أي وقت، لأنها تخضع إلى رقابة "دينية" و"اجتماعية" وليست فقط رقابة للمصنفات الفنية . ولعل هذه "الجرأة"، دفعت الجمهور إلى المشاهدة، فامتلأت الصالات بالعائلات، والكل جاء لمشاهدة فيلم قيل إنه جيد مع الاحتفاظ بعبارة "ولكن . ." .
من المؤكد أن كاتب ومخرج "لا مؤاخذة" عمرو سلامة توقع أن يسمع كل ردود الفعل تلك وأكثر منها، لأنه اختار منذ البداية أن يجعل من "التمييز الديني" بطله الأول . وهذه القضايا تعتبر "التابوه" الأول في السينما العربية، بل يعتبرها البعض من المحرمات التي يفترض طمس كل حقائقها وعدم الاقتراب منها كي لا تؤدي إلى "فتنة طائفية" داخل المجتمع كما يعللون . لكن هل تبقى المشكلة قائمة إذا أحسن صناع السينما تناول أية قضية شائكة، بوعي وإحساس عال بالمسؤولية، طالما أن أعمالهم تعرض الحقيقة أو جزءاً منها من دون المس بكرامات الناس أو التشكيك بالديانات أو التقليل من شأن أية طائفة على حساب الأخرى؟ وهل نجح عمرو سلامة في تجاوز كل هذه المطبات؟
المخرج عمرو سلامة قبض على الجمر وهو يضع قفازين في يديه كلتيهما، إذ اختار أن يقدم قصة طفل مسيحي (قبطي) من طبقة ميسورة، في مواجهة مجموعة من الأطفال المسلمين من طبقات دنيا . ولكي يخرج سليماً من شبهة التمييز العنصري، غلف قصته بكثير من براءة الطفولة واللقطات الطريفة مازجاً بين مرارة الواقع والمبالغات التي تسمح له الدراما باللعب على أوتارها .
الطفل هاني عبدالله (وقد أجاد دوره ببراعة أحمد داش)، وجد نفسه مضطراً إلى مواجهة الحياة يتيماً مع أمه بعد وفاة والده فجأة . وبإرادة قوية، قرر تحدي ظروفه، ومساعدة أمه طالباً منها نقله من مدرسته الخاصة إلى مدرسة حكومية، من دون أن يعلم ما الذي ينتظره هناك . فكان الانتقال من مجتمع إلى آخر، من "ديانة" (المسيحية) يعتنقها سراً إلى ديانة (الإسلام) يدعي انتماءه إليها خوفاً ورغبة في التشبه بالآخرين لحماية نفسه . وكان مدخله إلى هذا التخفّي، لحظة تعرف المدرّس إلى أسماء الطلبة في الفصل، فاكتفى بسماع الاسم الثنائي للتلميذ الجديد "هاني عبد الله" ولم يسمع التكملة "بيتر" .
هاني يقرر أن يتحدى خوفه، فيكمل اللعبة مدعياً أنه مسلم مثل كل التلاميذ، ويفكر في المشاركة في مسابقة إنشاد ديني علّه يكسب ود رفاقه، وهو ما يحصل بالفعل . هنا يجنح عمرو سلامة إلى المبالغة في معالجة أزمة الطفل المسيحي، كما بالغ في تشكيل البيئة التي ينحدر منها وتلك المقبل عليها . إذ ليس من المنطق أن تكون المدرسة الخاصة مسيحية بالكامل، ولم يختلط هاني بزملاء مسلمين من قبل، وحين توافق والدته على نقله إلى مدرسة أقل تكلفة تختار له إحدى المدارس الرسمية الخالية من أي طالب مسيحي، والأسوأ أن مستواها التعليمي رديء وطلبتها يذكروننا بمدرسة المشاغبين، ورغم أنها تقع في ضاحية معروفة بالتمدن والرقي إلا أن المخرج أراد لطلبتها أن يكونوا "بلطجية"، والأغرب أنه قدمهم كأبناء لآباء يمتهنون مهناً دنيا لا يفترض أنهم يسكنون هذه المناطق، مثل: سباك وحلاق وبقال وبوّاب وحداد وإسكافي "لا مؤاخذة" . ومن هنا يأتي اسم الفيلم ليحمل الطفل لقب "لا مؤاخذة" لأنه عرّف عن مهنة أبيه "مدير بنك" وأردف "لا مؤاخذة" تشبهاً بكلام رفاقه من دون أن يفهم معناها .
عمرو سلامة قدم لنا فيلماً مصنوعاً بشكل جميل وبحرفيّة إخراجية واضحة، وقد جعل الأبطال الحقيقيين هم الأطفال وعلى رأسهم أحمد داش (هاني) ومعاذ نبيل الذي لعب دور "مؤمن" زميل هاني المفضل، وقد كشفا عن موهبة حقيقية في التمثيل . فيما بدت كندة علوش كأنها ضيفة شرف بدورها الثانوي، كما شارك أحمد حلمي بصوته معلقاً على بعض الأحداث، وظهرت هند صبري وآسر ياسين في مشهد زفاف قصير . ويحسب لسلامة أنه عرف كيف يوظف الأطفال في فيلم جيد، ذي مضمون عميق وإن كان غير واقعي بكل تفاصيله، وبفيلم يمكن أن تشاهده كل الأسرة . الجرأة في طرح قضايا اجتماعية حساسة وشائكة مطلوبة، تعتبر نوعاً من البطولة في أي عمل سينمائي، خصوصاً إذا جاءت في إطار فني عالي الجودة، كما حصل في فيلم "بحب السيما"، وكما نراها في "لا مؤاخذة" وإن كان عمرو سلامة قد وقع في بعض المطبات ونقاط الضعف . فكيف لمدرسة في مصر الجديدة أن تكون بهذا المستوى التعليمي الرديء، وأن يكون كل طلبتها من أبناء العشوائيات؟ وهل صحيح أن الطفل المسيحي في مصر يشعر بغربة حقيقية ويلفظه كل رفاقه بلا استثناء حين يعلمون حقيقة ديانته؟ قد يصدق الأمر في مناطق معينة في مصر، وقد يكون صحيحاً إذا تطابقت مواصفات المدرسة وأبناءها مع الشارع الذي تنتمي إليه وهذا لم يحصل . أما ما نصدقه من بين وقائع الفيلم، أن هناك دعاة للتصالح والتلاحم بين كل الفئات والديانات في المجتمع الواحد، وهناك من يشعل فتيل الفتنة ويدعو باستمرار إلى العنف ونبذ الآخر . ونصدق أن هناك من يبالغ في مداراته مشاعر الأقباط ومنافقتهم اجتماعياً، فيبعدهم عن أية مساءلة أو محاسبة، ويُسمعهم الكلام المعسول طوال الوقت، من دون أن يكون شريكاً حقيقياً في تحمل مسؤولية بناء مجتمع ووطن بكل أعبائه وسيئاته وحسناته .
مثل هؤلاء، جامل الفيلم المسيحيين في مصر أكثر من اللازم، وبدا هاني آتياً من كوكب آخر لا يعرف شيئاً عن عشوائيات الأطفال المسلمين . أما الواقع فيقول إن لا هذا يعيش في نعيم مطلق من دون أن تكون من بين المسيحيين فئة تعاني الفقر والجهل، ولا ذاك يعاني الفقر المدقع من دون أن يكون من بين الأطفال المسلمين خصوصاً سكان مصر الجديدة، من ينعم بالثراء ويتقن اللغات ويتخرج من مدارس متطورة . لذلك وقع الفيلم في أخطاء عدة في المضمون، وإن كان يعتبر عملاً بجودة وصورة سينمائية عالية القيمة، تشعرنا بالأمل في انتصار الصناعة الجيدة على التجارية السائدة .
قدم صورة جديدة عن رحابة صدر الرقابة
"لا مؤاخذة" فيلم يتأبط الجرأة ويناطح الممنوع
30 أبريل 2014 03:55 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 أبريل 03:55 2014
شارك
مارلين سلوم