بيروت - البير خوري:
من فرقة "السنابل" التي أنتجت وأنشدت أجمل أُغنيات الأطفال في سبعينات القرن الماضي، بدأ أحمد قعبور خطوته الأولى إلى الجمهور، هو الذي تتلمذ غناء وعزفاً على يد الفنان الكبير الراحل سليم فليفل، حين كان بعد على مقاعد الدراسة قبل أن يلتحق ويتخرج في "دار المعلمين"، التي سرعان ما غادرها ليتابع مشواره الفني فيبدع، ويؤسس لنفسه حالة فريدة وخاصة بدأت بأغنية "أُناديكم" للشاعر الفلسطيني توفيق زياد، وبعدها على شاشة "المستقبل" فأعطاها "لعيونك" أجمل دعاية إعلانية شاهدها الملايين، ومن خلالها كتب ولحن وأنشد واستعرض ومثّل، ملتزماً بالقضايا الوطنية والاجتماعية، وقبلها التواضع والبساطة، لم تهزه الشهرة، حافظ أقدامه على الأرض، رافضاً على الدوام الأعمال الاستهلاكية الفارغة التي باتت تشكّل اليوم ثلاثة أرباع الإنتاج الفني السائد . محطات كثيرة قطعها أحمد قعبور يتحدث عنها في هذا الحوار .
* دخلت الفن ملتزماً وتستمر على التزامك باقتناع وإصرار . ألا ترى نفسك فناناً تغرد خارج السرب؟
- أبداً . . لا بل أكاد أكون بين قلة من الفنانين اللبنانيين والعرب الأكثر ملامسة للقضايا الوطنية والقومية، وبالتالي الأكثر تقارباً مع حياة الناس وأحلامهم إذا صحّ القول إن الفن رسالة، وهو قول صحيح مئة في المئة: ما يعني رفضي المطلق للأعمال الاستهلاكية، التي ما أن تولد حتى تموت، وإن كانت تحمل الثروات لأصحابها . لست بنادم على خياراتي، فأنا أولاً وأخيراً من الناس ولهم أُغني وأكتب وأُلحن وأُمثل .
* مشوارك الفني لم يكن سهلاً . اعترضته مطبات كثيرة، لكنك ثابرت لتكسب رهاناً اخترته منذ البداية؟
- صحيح . . الرهان قائم حتى الآن . لو يسمعني المرحوم والدي لأسمعني بدوره كلاماً أحبه وأجله: "أشد على أياديكم"، هو الذي عارض دخولي مجال الفن بعدما ابتلى به حتى آخر حياته . والدي المعروف باسم محمود الرشيدي نسبة إلى والده الرشيد، ورث الفن عن جدي أول عازف كمان في بيروت . ولأنه كان ضريراً، اختارته بعض العائلات البيروتية العريقة والغنية لتعليم بناتها العزف، فكان والدي يرافقه في زياراته . وبفعل هذه الرفقة الدائمة، اكتسب والدي فن العزف وفشلت البنات الأرستقراطيات .
* ولماذا رفض دخولك الساحة الفنية؟
- ربما لأنه اقتنع أخيراً بأن الفن لا يطعم خبزاً . ما أزال أذكر كيف بكى بحرارة حين علم بهزيمة العرب عام ،1967 وكان على موعد بإحياء حفلة في حيفا، من حينها تخلى عن العزف وعاش مكتئباً حتى آخر عمره . أصيب في رئتيه وكان سعاله يطن في أُذني ليل نهار عشت هذه الفترة الصعبة، إنما زادتني تعلقاً بالفن، ومن أجله تركت دار المعلمين لأهتم فقط بالموسيقى والشعر والغناء .
* هل صحيح أنك كنت في بدايتك محترفاً في فرقة "السنابل" للأطفال؟
- صحيح . ما أحلى تلك الأيام وشتان ما قدّمته "السنابل" من أغنيات واستعراضات ومسرحيات عما يشاهده الأطفال اليوم . أجيال تربت على أغنيات "السنابل" . قد يقول البعض: الظروف تبدلت . . . صحيح . لكن الظروف مهما تبدلت لا تبرر هذا الانحطاط الذي نعيشه اليوم على المستوى الفني، وما يهتم بالأطفال خصوصاً .
* "السنابل" وضعتك على الدرب، لكن "أُناديكم" أخذتك إلى الشهرة؟
- أكثر من ذلك . غنيت "أُناديكم" للشاعر الفلسطيني توفيق زياد وتستمر حتى اليوم عنوان النضال الفلسطيني لاسترجاع حقوقه في فلسطين . "أناديكم" وبعد 37 سنة على أدائها أصبحت أكثر شهرة مني وأنا سعيد بذلك . عمل أعتز به وقد لا يتكرر في الأغنية الوطنية والقومية .
* من "أُناديكم" إلى "لعيونك" على شاشة "المستقبل" . . نقلة نوعية في المواضيع والأداء والتوجه؟
- ليس بالضرورة . الالتزام هو الالتزام . "اعتدت أن أكون دائماً إلى جانب كل قضية اجتماعية أم وطنية-وعموماً إنسانية" . ولدت ل"عيونك" من هذا الإحساس الدائم بحاجات الناس وتفاعلهم مع بعضهم بعضاً . الهموم والأحلام قواسم مشتركة لدى عموم المواطنين . خصوصاً الفقراء والكادحين . حدث مرة أن تعطلّت سيارتي فاستعنت بتاكسي . وعندما دفعت التسعيرة شاكراً أجابني السائق ل"عيونك" . كانت الإشارة السحرية التي تحولت سريعاً إلى عنوان يجسّد حقيقة طيبة الناس رغم ما يتخبطون به من مآسٍ وتحديات .
* شكّلت "لعيونك" مشهدية أوبرالية إذا جاز القول لم يعتدها المشاهد العربي من قبل؟
- صحيح . . إلى جانب النص واللحن والأداء، اشتغل المخرج لتتلاقى الصورة الجميلة والمعبّرة مع أقانيم ثلاثة تشكّل مجتمعة ومتلازمة أساسات كليب ناجح، هادف ومعبّر .
* تكررت تجربة ل"عيونك" في أكثر من كليب ل"المستقبل"؟
- كان من الطبيعي أن تتكرر التجربة . النجاح يولّد النجاح، خصوصاً أن المحطة لم تبخل في إنتاج هذه الكليبات لسببين أولهما أنها تدعم تميزها بين المحطات اللبنانية والعربية، وثانيهما لأنها تتعاطى وتتفاعل مع تطلعات الأغلبية الساحقة من المواطنين اللبنانيين وأحلامهم .
* لكن جميع هذه الكليبات أصابت مكاناً كبيراً في شهرتك؟
- لا أنكر ذلك خصوصاً أن علاقتي بتلفزيون "المستقبل" كيميائية إذا جاز القول . وليست واجباً وهذا ما يجعلني حراً ويجعل الكليبات مميزة، وبالتالي ليست أعمالاً ترويجية ساذجة مثل كليب "روح شوف مستقبلك" وفيها ألقيت الضوء على الشباب والجيل الصاعد . واليوم أستعد لتقديم عمل جديد للتلفزيون نفسه بعنوان "ديمي دمدم" سوف يفاجئ الجمهور بكلماته وألحانه وأدائه .
* تحول آخر في مسيرتك الفنية؟
- ليس تحولاً، إنما المزيد من الالتزام الوطني والاجتماعي . أحب أن أُساهم في بناء أوطان حقيقية وليس كيانات على الأساس الطائفي والمذهبي ليس همي تغيير العالم، إنما أريد أن أترك أعمالاً فارقة ومميزة، ومازلت أحلم بألف مسرحية وألف أغنية لعلي أكمل الرسالة الفنية، وأنا مازلت حتى الآن في بداياتها .