ترجمة وتقديم: د . عبدالرشيد محمودي
هذه المخطوطات التي تكشف "الأهرام" النقاب عنها لأول مرة، هي مسودات أملاها عميد الأدب العربي بالفرنسية قبل نشرها أو إصدارها في صورتها النهائية، ولكن يبدو أنها لم تنشر، بل ظلت مطوية بين أوراق صاحب "الأيام"، رغم ما تحمله من أفكار ملهمة، تكفي لتأليف مجلد آخر تحتاجه الثقافة العربية، وهي إلى جانب ذلك تساعد الباحثين على دراسة طريقة طه حسين في التأليف . هي مخطوطات متنوعة ما بين دراسات وخطب وتقارير تكشف عن جوانب غير معروفة من تفكير صاحب حديث الأربعاء، وعن رجل يعرف قدر وطنه ودينه وقضايا أمته، ستقرأ عن مواقف اتخذها منذ ستين عاماً وستكتشف أنها ما زالت حية ومهمة وتخاطب الجمهور المعاصر .
نعرض للقارئ نماذج من هذه المخطوطات مترجمة في سلسلة من أربع حلقات ستنشر أسبوعيا بدءاً من اليوم . ومترجم هذه النصوص ومقدمها الدكتور عبد الرشيد محمودي الذي يكمل بها مشروعا بدأه في ثمانينات القرن الماضي عندما جمع وترجم مجموعة من كتابات طه حسين الفرنسية في كتاب عنوانه "طه حسين، من الشاطئ الآخر"، كما نشر عدة مؤلفات عن العميد، اهمها كتاب تتبع فيه سيرته التعليمية والفكرية عنوانه "طه حسين من الأزهر إلى السربون" (المجلس الأعلى للثقافة 2003)، والدكتور عبد الرشيد شاعر وروائي فاز هذا العام بجائزة الشيخ زايد في الأدب عن روايته الجميلة "بعد القهوة" .
مخطوطات طه حسين الفرنسية هي نصوص أملاها طه حسين على من كتبها على الآلة الكاتبة أو بخط اليد قبل نشرها مطبوعة أو إلقائها أو توجيهها كرسائل إلى شخص أو جهة ما في صورة نهائية . وهي إذاً لم تنشر ولم تذع بحكم كونها مسودات أو مشروعات . بل ويبدو أن صورها النهائية لم تنشر ولم تذع بقدر ما نعلم . وإذا صح ذلك كان معناه أنها مجهولة تماماً . وهي تختلف إذاً عن كتابات أخرى ألفها طه حسين بالفرنسية وسبق أن ترجمتها وجمعتها في كتاب عنوانه "طه حسين: من الشاطئ الآخر، كتابات طه حسين الفرنسية" (الطبعة الأولى، بيروت 1990) . فهذه الكتابات الأخيرة نشرت بلغتها الأصلية في صورتها النهائية، ومن الممكن الرجوع إليها في مصادر معروفة أحلت إليها في حواشي ذلك الكتاب . ومخطوطات طه حسين الفرنسية نصوص ترى النور الآن لأول مرة مترجمة بالعربية .
وللنشر في "الأهرام" ملابسات ومبررات أود أن أوضحها . فأذكر أنني نشرت نماذج متفرقة من كتابات طه حسين الفرنسية في الصحافة قبل جمعها في كتاب "من الشاطئ الآخر" . وكانت "الأهرام" هي الصحيفة التي اخترتها لنشر أول ترجمة لمقالة من تلك الكتابات، وكان عنوانها "هبة المحادثة والصداقة" (انظر "الأهرام"، 25-5-1985)؛ وهي مقالة كتبها طه حسين لتأبين صديقه الكاتب الفرنسي الكبير أندريه جيد . ثم نشرتُ نماذج أخرى في "المصور" . وعندئذ بلغني عن طريق صديقي المرحوم سامي خشبة عتاب من الفقيد سلامة أحمد سلامة . قال سلامة لسامي: "لماذا نشر صديقك هذه الكتابات في "المصور"؟ كان ينبغي أن يأتي بها إلى "الأهرام" . كنا سنرحب بها" . وعندما التقيت بسلامة بعد ذلك وسعدت بالتعرف إليه، لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما حدث في سنة 1985 وما تلاها . ولكن عتابه ظل عالقاً بذهني حتى اليوم . وأنا إذ أعود الآن إلى "الأهرام" لنشر مخطوطات طه حسين الفرنسية مترجمة إلى العربية أنتهز الفرصة لكي أعرب عن أسفي لغياب سامي وسلامة .
وقد ظلت هذه المخطوطات الفرنسية مطوية لسنوات طويلة بين الأوراق التي خلفها طه حسين، ونجت لحسن الحظ سليمة أو تكاد مما أصاب أوراقا أخرى فقدت فيما يبدو إلى الأبد . ويعني ظهور هذه المخطوطات في الوقت الحاضر فتح ملف خيّل إليّ أنه أغلق وأردت له أن يطوى . وذلك أنني ظننت أن كتاب "من الشاطئ الآخر" يضم معظم الكتابات الفرنسية لطه حسين، وأنه لم يبق منها إلا قليل قد تتكشف عنه الأيام، وعندئذ يضاف إلى الكتاب في طبعة مزيدة ومنقحة . وهو ما حدث بالفعل في الطبعة الثالثة من الكتاب (المجلس القومي للترجمة، 2008) . وكنت قد نشرت فيما بين الطبعة الأولى والطبعة الثالثة عددا من الكتب عن طه حسين، ورأيت أنني أديت الواجب نحوه، وأن الأوان قد آن لكي أنصرف إلى أعمال أخرى .
ومن الواضح الآن أنني كنت واهماً، وأن طه حسين لا يريد لملفه أن يطوى لا في حياتي ولا في حياة الغير . فها هي مخطوطاته الفرنسية تخرج من زوايا النسيان وتطالبني بأن أعنى بها . وها هو المارد يخرج من القمقم .
طه حسين لا يفتأ يفاجؤنا ويدهشنا . المخطوطات التي أقدمها الآن للقراء مهمة من حيث الكم . فلسنا هنا بصدد ورقة أو أوراق نادرة كانت شاردة هنا أو هناك، بل نحن نواجه مجموعة يعتد بها من النصوص التي لا يجوز أن تضاف إلى كتاب آخر، بل ينبغي أن تجمع في كتاب قائم بذاته، وأرجو أن يصدر قريبا . زد على ذلك أن هذه المخطوطات مهمة من حيث الكيف وبفضل قيمتها الذاتية . أولا لأنها تدلنا لأول مرة وعلى وجه أقرب إلى اليقين على طريقة طه حسين في التأليف . نحن نعلم أنه كان يملي ولا يكتب؛ وقد صرح بذلك في إحدى كتاباته الفرنسية (انظر مقالة "أنا لا أكتب وإنما أملي"، كتاب "من الشاطئ الآخر") . ولكننا نعلم أيضاً أنه كان يرتجل أحيانا من وحي المناسبة وفي مواجهة الجمهور . ولكن أين ينتهي دور الإملاء ويبدأ دور الارتجال في مؤلفات طه حسين؟ نستطيع أن نقطع بأنه كان يعتمد على الإملاء في كل ما نشره بالعربية من كتب أو مقالات سواء جمعت في كتب أو نشرت متفرقة . وفي مثل هذه الحالات كانت النصوص المملاة يدفع بها إلى المطبعة لكي تنشر في صورتها النهائية، وعندئذ ينتهي دور المخطوطات وتختفي في المطبعة . ومن أمثلة ذلك محاضرات طه حسين التي ألقاها على طلاب الجامعة المصرية عن الشعر الجاهلي (1925) أو مقالاته التي نشرت متفرقة ثم جمعت في "حديث الأربعاء" أو في "على هامش السيرة" . فلم يبق من هذه الكتابات مخطوطات بعد طبعها: كان طه حسين يسلمها إلى المطبعة ولا يحتفظ لنفسه بنسخ منها .
ولكن ماذا نقول عن محاضرات طه حسين ومقالاته وخطبه وتصريحاته التي ألفها بالفرنسية؟ بعض هذه الكتابات ينطبق عليها ما قلت عن الكتابات العربية؛ فقد بقي لدينا منها نص مطبوع واختفت مخطوطاتها في معظم الحالات . ومن هذه الكتابات على سبيل المثال دراسة كتبها طه حسين ونشرت تحت عنوان "البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر"، وترجمها محمد عبد الله عنان . وهناك نص مطبوع من النص الفرنسي ونص آخر مطبوع من الترجمة العربية . ولا يوجد نص مخطوط . أما إذا صرفنا النظر عن هذه الحالات، فقد يخيل إلينا أن طه حسين كان يرتجل ولا يملي . فهو يلقي الدراسة أو المقالة أو يدلي بالتصريح، وقد يشاء الحظ أن يسجل النص أو يلخص أو يضيع "في الهواء" . ذلك ما يبدو لأول وهلة ولكنه غير صحيح . فهذه المخطوطات التي ظهرت أخيرا تدل على أن طه حسين كان في معظم الحالات يملي مؤلفاته الفرنسية . كان يملي على من يكتب ما يقول على الآلة الكاتبة أو بخط اليد، وكان يحفظ هذه النصوص عن ظهر قلب أثناء إملائها أو عند تلاوتها عليه بعد تسجيلها وتنقيحها في بعض الأحيان .
ومعنى ذلك أن حظ الارتجال هنا قليل جدا . فقد كان لدى طه حسين في معظم الحالات نص يمليه ويحفظه في ذاكرته قبل أن يواجه الجمهور فيسترجعه أمام السامعين كلمة بكلمة إلا أن يتصرف هنا أو هناك إذا لم تسعفه الذاكرة . كان يحفظ النص أثناء الإملاء أو عندما يتلى عليه بعد التدوين أو عند تنقيحه - وهو ما كان يحدث أحيانا . ويفسر لنا حفظ النص على هذا النحو تأنى طه حسين في الإلقاء، وإتقانه لحسن النطق (مخارج الحروف) والإعراب، وتفننه في توقيع الكلام . فكأنه ممثل يحسن الأداء بعد أن تلقن الدور وأحسن الحفظ بفضل "البروفات"، وأصبح بمقدوره عندئذ أن ينغمه أو يلونه كما يشاء . وتدلنا هذه المخطوطات بالتالي على أن طه حسين إن كان قليل الارتجال، فقد كان صاحب ذاكرة خارقة، وبخاصة إذا تذكرنا أن بعض هذه النصوص طويل، وصعب من الناحية الفنية، وكثير التفاصيل، ويتضمن أحيانا استشهادات شعرية كثيرة الأبيات .
أما فيما يتعلق بقيمة هذه الكتابات المخطوطة من حيث محتواها، فلا بد أن نؤكد أنها بالغة الأهمية . وذلك أنها تكشف عن جوانب نجهلها بدرجة أو بأخرى من فكر طه حسين وتثير الدهشة والتعجب والإعجاب في بعض الحالات . بعض هذه الكتابات يفاجؤنا اليوم لأنه ما زال حياً أو "راهنيا" كما يقال . ومثال ذلك رسالة يقدم فيها كاتبها شرحاً واضحاً وحكماً قاطعاً فيما يتعلق بفترة الحكم العثماني في مصر؛ ومقالة أخرى عنوانها "مشكلة الشرق"، وهو يشرح فيها المشكلات التي تعترض طريق التفاهم والسلام بين الشرق والغرب، مركزاً على قضيتين - قضية شمال إفريقيا (المغرب العربي) وقضية فلسطين - ويدلي فيهما برأي حاسم ينهي الجدل لدى العقلاء حول موقفه من موضوع الجزائر ("الفرنسية")، وحول اتهامه بالتقصير في حق القضية الفلسطينية . فطه حسين لا يتهاون ولا يهادن في الحالتين، بل يرسم بوضوح حدود العالم العربي من ناحية الغرب وحدود فلسطين العربية مجردة من دعاوى الصهيونية وأطماعها .
ولقد قلت غير مرة إن طه حسين أقرب أدباء القرن العشرين إلى الفلاسفة . فلو لم يكن أديبا، لكان فيلسوفا . وهنا أشير بصفة خاصة إلى مقالة فريدة في أصالتها وعمقها . وأعني بذلك مقالة يشرح فيها بلاغة القرآن الكريم لغير المسلمين . وهي مثار للتعجب والإعجاب لأنه يشرح فيها "إعجاز" القرآن من الناحية الأدبية لمن يجهل العربية أو ينكر على القرآن امتيازه وسموه . وتلك مهمة صعبة، ولكن الصعوبة لا تثني المؤلف المقدام عن التصدي لها . وهو يلزم نفسه في هذا السباق بما لا يلزم فيتطرق بحديثه إلى الموسيقى التي يعرفها عن طريق السمع وإلى الفنون التشكيلية البصرية التي يجهلها . وطه حسين يؤدي في هذه الدراسة المستفيضة دور الفيلسوف لأنه يتناول جماليات النص القرآني وطابعه "التشكيلي" .
وللاهتمام بالجوانب الفلسفية من تفكير طه حسين أهمية أساسية في فهم كتاباته المطولة في تاريخ الأدب والنقد، وقضية المنهج، والشك، والعلاقة بين العلم والدين . فهي كتابات تتحرك رغم الحديث الهادئ الرائق فوق تيار عميق من المسائل الأساسية، وقلق لا يتوقف بشأنها، وأجوبة متقلبة لا تستقر .
ع . م .

مصر تحت حكم الأتراك العثمانيين

يجد القارئ فيما يلي نص رسالتين كتبتا بالفرنسية أولاهما كانت موجهة إلى طه حسين من وزير تركي لا نستطيع تبين اسمه من توقيعه؛ وتتعلق بآراء نشرها طه حسين في تلك الفترة (سنة 1954) عن حكم الأتراك العثمانيين لمصر . والرسالة الثانية تتضمن رد طه حسين على الوزير التركي؛ وقد كتبت بخط اليد وتحمل كثيرا من التصويبات . ومن الواضح أن آراء طه حسين عن الحكم العثماني في مصر لم ترق للمسؤول التركي وحاول تفنيدها في رسالته، وإن حرص في ذلك على الالتزام باللياقة الدبلوماسية والأدب الجم . فهو يغلف انتقاداته لآراء طه حسين بغلالة من التقدير والاحترام .
ومن الملاحظ أيضا أن كاتب الرسالة بالإضافة إلى حصافته يدعم آراءه بمعلومات تاريخية واسعة النطاق لأنه يعلم أنه يناقش طه حسين المؤرخ . ولكن هذا الأخير لا تنطلي عليه تلك الحيل ولا يشتت انتباهه توسيع نطاق النقاش وتعدد الأمثلة، بل يعيد تركيز الحديث على المحور المحدد الذي يعنيه، وهو فترة الحكم العثماني لمصر . وهو في هذا النطاق يضع تفرقة حاسمة بين نوعين من الحكم شهدتهما مصر عبر التاريخ: حكم تتمتع في ظله بالاستقلال والازدهار حتى ولو كان الحاكم في الأصل أجنبياً مثل البطالمة والفاطميين وسلاطين المماليك ومحمد علي (الألباني)؛ وحكم تفقد مصر في ظله استقلالها ولا تنتج شيئاً ذا بال لأنها تستنفد طاقتها في مقاومة الحكم الذي لا يمثلها، حتى ولو كان حكماً إسلامياً مثل خلافة بغداد أو حكم بني عثمان .
ومعيار التفرقة في نظر طه حسين هو إلى أي حد يحرص الحكم المعني على استقلال مصر ويسهر على مصالحها ويحمي أمنها القومي ويبسط نفوذها في العالم . ومن الجدير بالنظر في هذا السياق تمجيد طه حسين للسلاطين المماليك وازدهار مصر في ظل حكمهم . والمماليك الذين يعنيهم هم المماليك الأول مثل قنصوة الغوري والظاهر بيبرس والملك الأشرف قلاوون، وليسوا المماليك المتأخرين الذين أخضعتهم الخلافة العثمانية وجعلتهم ولاة على مصر وأشركتهم في استنفاد مواردها إلى أن قضى عليهم محمد علي . يقول طه حسين في إحدى كتاباته الفرنسية عن تدهور المماليك وانحطاطهم في ظل الحكم التركي: "وخلال ثلاثة قرون خضعت مصر لطغيان السلاطين الترك ولطغيان الولاة المماليك على حد سواء؛ وذلك أن المماليك - وقد عز عليهم أن يتقبلوا فقدان ملكهم - كانوا يقاومون (الأتراك) بقدر استطاعتهم وأصبحوا بمرور الزمن لا يمثلون إلا الفوضى . وكان المهم بالنسبة لهم أن يقاوموا الأتراك وأن يوقعوا الضرر بهم وأن يحولوا بينهم وبين الحكم الهادئ الذي كانوا يحلمون به . بيد أن المماليك قد انتهوا بفضل المقاومة على هذا النحو الفوضوي إلى إسخاط الأتراك والمصريين المساكين في آن واحد . وفي تلك الفترة انقطعت كل العلاقات الخصيبة بين مصر والعالم الخارجي، وفرضت العزلة على مصر، وسقطت في وهدة الجهل الأعظم . . ." طه حسين، من الشاطئ الآخر، ط . 3 . ص 171) .
ع . م .

رسالة الوزير التركي إلى طه حسين

الوفد التركي
القاهرة، الخامس من مايو 1945
يا صاحب السعادة،
نشرت جريدة La Bourse Egyptienne في 3 مايو مقتطفات من تصريحات أدليتم بها إلى مراسل لمجلة صدرت مؤخرا . وهي تتسم كما هي العادة دائما بسمو الفكر وعمق النظر اللذين يميزان جميع تصريحاتكم . ولن أخاطر بالإعراب عن وجهة نظري في موضوع يتجاوز كفاءتي، ولكني أود أن تتكرم سعادتكم بتوضيح لغز يشغل فكري .
تقولون سعادتكم "إن مصر بقيت مستقلة، وإنها أقامت مع العالم الخارجي صلات مزدهرة إلى أن أنهى الأتراك العثمانيون استقلالها فحصروها في نطاق العزلة القاتلة" . وهو ما يعني يقينا باللغة العادية أن مصر ألقى بها في عزلة أفضت إلى انحطاط روحي وخلقي بسبب الغزو التركي الذي قضى على كل مظاهر الفكر وعلى مسيرة التقدم المادي .
أرجو أن تكونوا على ثقة من أنه ليس في نواياي على الإطلاق أن أناقش هذا القول الذي أصبح شعاراً منتشراً في جميع البلدان التي كونت فيما مضى جماع الإِمبراطورية العثمانية . فتركيا هي التي يقول المفكرون الشرقيون المتشبعون بالروح المشرقية إنها عرقلت بإدارتها السيئة وعيوبها الأخرى خطى الحضارة في هذه الدول، وحالت دون ازدهار الفكر، مصدر كل نشاط بشري . وأنتم سعادتكم تسمعون هذا الترجيع في اليونان كما تسمعونه في بلغاريا ورومانيا ويوغوسلافيا، بل وفي المجر حيث لا يجد أساتذة الفكر أي سبب آخر لتفسير الضعف الظاهر في المجال الروحي والأخلاقي الذي يلاحظونه في بلد كل منهم .
والعزلة القاتلة في حالة البلدان الإسلامية التي تتحدثون عنها سعادتكم ينبغي ألا تعزى إلى القرن السادس عشر . فقد بلغت هذه العزلة أوجها بداية من القرن الثالث عشر عقب الحروب الصليبية، وغزوات المغول، والاضطرابات الداخلية التي دمرت الشرق الأوسط . وقد وقع العالم العربي في وهدة العزلة القاتلة إذاً بسبب عوامل أخرى لا بسبب الأتراك العثمانيين كما يحلو لسعادتكم أن تقولوا . ومن المؤكد أنه ليس بوسع أحد أن يجهل ما قدمه العرب والشعوب المعربة من مساهمة رائعة في حضارة تلك الفترة البطولية . ولكن من شأِن التدهور أن يعقب الذروة - وإلا لما كان ذلك عملية عادية - وقد بدأ هذا الانحطاط يتجلى لا في المجال الحربي فقط ولكن في مجال الفنون والفكر أيضاً . ولذلك فبينما أدى تجدد آداب القدماء ومعارفهم المعمقة في الغرب في القرن الخامس عشر إلى حركة النهضة، فإن الشرق الأوسط كان يوجد في تلك الفترة في غمرة الفوضى الكاملة من الناحية الحربية والروحية . وكانت العزلة القاتلة كاملة قبل أن تبسط تركيا غزوها على البلدان العربية . وحتى إذا سلمنا - على سبيل الجدل - بأن تركيا قمعت في مصر كل مظاهر الفكر، فكيف يمكن عندئذ تفسير التدهور الفكري الذي أصاب بلدانا إسلامية أخرى مثل إيران، وأفغانستان، وجزر الهند الشرقية المسلمة، وتونس، والجزائر، وهي بلدان لم تطأ أرضها قط قدما جندي أو موظف تركي [؟] وإذا كان الأتراك اضطهدوا التعليم والتربية، فلماذا لم يزدهر الفن والعلم والمعرفة في بقية العالم اِلإسلامي [؟] وماذا عسى أن يقال عن المغرب الذي لم يكتشف الفرنسيون فيه في سنة 1912 سوى كائنات بدائية جاهلة وشبه متوحشة، هذه الكائنات التي حكم أجدادها القدماء شبه الجزيرة الآيبيرية على نحو باهر لعدة قرون[؟] فلم تكن الإدارة التركية يا صاحب السعادة هي التي أوقعت هذه البلاد في حالة البؤس والجهل والخراب التي نعرفها . وأعتقد أن السير البطيء الذي نلاحظه في الشرق وفي العالم الإسلامي بصفة عامة يجب أن يفسر بظاهرة ذات طابع عام . وإن عقلاً مرموقاً مثل عقلكم لقادر على اكتشاف العلة والتعبير عنها بكل صراحة .
ولقد سمحت لنفسي بأن أوجه إليكم هذه السطور لكي أؤكد لكم أولا احترامي العميق الذي أشعر به نحو شخصكم ولأخبر سعادتكم ثانيا أنني أود أن أرى في حججكم النقدية ورسائلكم الفلسفية حقائق ترتفع عن المستوى العادي وتظل خالية من كل تعصب بال عتيق .
وأرجو يا صاحب السعادة أن تتقبلوا فائق احترامي وخالص مودتي .

التوقيع
(غير واضح)

رد طه حسين على رسالة الوزير التركي

السيد الوزير،
تلقيت منذ بضعة أيام الخطاب الذي تفضلت سعادتكم بكتابته لي فيما يتعلق بتصريح كنت قد أدليت به لمجلة جديدة وترجمته جريدة "La Bourse" .
اسمحوا لي أولا بأن أشكر سعادتكم بكل إخلاص على الكلمات الطيبة التي توجهونها إليّ وعلى حسن رأيكم في .
ولتطمئن سعادتكم: فإني عندما أدليت بتصريحي لم أرد التقليل من شأن أحد أو أن أجامل أحدا . ولم يدفعني إلى قول ما قلت إلا الحرص على الحقيقة التاريخية .
وليس لدي ما يكفي من الكفاءة ما يؤهلني لمناقشة وضع البلدان التي تذكرونها سعادتكم في آسيا وفي إفريقيا وفي أوروبا، ولكني أعلم أنني فيما يتعلق بمصر قلت الحقيقة الصادقة . فقبل الغزو العثماني كان بلدنا يتمتع باستقلال تام سمح له بإقامة علاقات دبلوماسية، واقتصادية، بل وعلمية مع أوروبا المتوسطية . وكانت حضارة بلدنا مزدهرة، وتولت القاهرة في العالم الإسلامي دور الاسكندرية في العالم الهلنستي، وكانت جامعة الأزهر لدينا والمدارس التي أنشأها السلاطين المماليك في كل مكان تقريبا تلعب دورا يشبه إلى حد كبير دور متحف البطالمة . والغريب في الأمر أن نهضة علمية وأدبية وفنية في مصر خلال القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر كانت موافقة للنهضة الأوروبية الأولى . وكان من المحتمل تماما أن تتمكن مصر لولا الغزو العثماني من أن تشارك في النهضة الأوروبية الثانية في العصر الحديث .
وإذا طلبتم سعادتكم إلى تقديم أدلة على ذلك، فإني أرجوكم أن تنظروا إلى آثار القاهرة لتلك الفترة وأن تروا أن مصر في تلك الفترة على وجه التحديد أعطت العالم اِلإسلامي مصنفاتها الإنسكليوبيدية الرائعة التي استطاعت، بجمعها حصيلة المعرفة الإِنسانية في هذا الفرع أو ذاك من فروع الحياة الفكرية، أن تصون تراث الحضارة العربية .
ويكفيني أن أذكر القلقشندي والنويري والعمري والمقريزي لكي أثبت أن مصر في ظل السلاطين المماليك صانت ونقلت إلى أجيال المسلمين خلاصة ما أنتجه العقل اِلإسلامي خلال سبعة أو ثمانية قرون من التاريخ .
يضاف إلى ذلك أن هناك ظاهرة ثابتة في تاريخ مصر، وهي أن من المستحيل بالنسبة لها أن تنتج شيئاً مهماً في حياة العقل إذا لم تتمتع باستقلال فعلي بدرجة أو بأخرى .
وهي عندما تخضع لسيطرة أجنبية تصاب بالإنهاك في كفاحها من أجل الحرية . وهو كفاح يستنفد طاقتها بصفة تامة تقريباً .
فهي في ظل السيطرة الفارسية وفي ظل السيطرة الرومانية لم تعط أي شيء مهم تقريبا . أما عصر البطالمة فكان فترة من الخصوبة المثيرة للدهشة . فمصر تحت حكم البطالمة كانت حرة، كان لديها ملوكها، وعاصمتها، وجيوشها البرية والبحرية . وتوجد نفس الظاهرة في العصر الإسلامي؛ ففي ظل خلافة المدينة ودمشق وبغداد كانت الحياة الفكرية المصرية متدنية تقريبا، ولكنها ما إن استعادت قدرا من استقلالها مع مجيء الطولونيين والإخشيديين حتى بدأت تصبح عاملاً أساسياً في حياة العقل الإسلامي . وأخذت مصر مع وصول الفاطميين والأيوبيين والمماليك تستعيد استقلالها الكامل وتبسط سيطرتها خارج حدودها، وأصبحت القاهرة على الفور منافسا شديد الخطر لبغداد في الشرق وقرطبة في الغرب . وعندما وقعت بغداد تحت ضربات المغول ووقعت قرطبة تحت ضربات مسيحيي إسبانيا، بقيت القاهرة وحدها هي العاصمة الفكرية للعالم الإسلامي .
ثم يصل الأتراك العثمانيون فتنحدر مصر إلى مرتبة إقليم في اِلإمبراطورية التركية كما كانت إقليما في الإمبراطورية البيزنطية والإِمبراطورية الرومانية . وترتد من ثم إلى حالة التدني .
ومع مجيء القرن التاسع عشر تستعيد مصر استقلابها شيئاً فشيئاً وتسترجع في نفس الوقت شيئاً فشيئاً حياة عقلية نشطة .
وهكذا ترون سعادتكم أنني عندما أدليت بتصريحي لم أفعل شيئاً سوى أنني لاحظت ظاهرة ثابتة في تاريخ أمتنا، ولا شيء غير ذلك .
وعلاوة على ذلك ألا تعتقدون سعادتكم أن من المستحسن دراسة التاريخ بروح موضوعية بقدر اِلإمكان؟
فذلك مما يرضي العقل والقلب في آن واحد، إذ يعطي أحدهما متعة تأمل الحقيقة ويخلص الآخر من كثير من الأفكار المسبقة التي تصيب بني الإنسان بالشر أكثر مما تقدم لهم من الخير .
وأنا إذ أكرر شكري أرجوكم أن تتقبلوا . . . فائق احترامي .

طه حسين