حوار: رفيف الخليل
تمازج فني متعدد الملامح يقدمه الفنان الإماراتي الشاب "سعيد السعدي"، في الموسم الرمضاني الحالي، بعملين هما "بحر الليل" و"طماشة 5" لكل منهما طبيعة درامية وحالة فنية خاصة . في حوارنا معه تحدث حول أدائه وما وراء اختياراته الفنية، كممثل، وكشف لنا ما يثار حول مهمته كمدير الإنتاج في شركة ظبيان للإنتاج الفني، وعلاقته بسلطان النيادي، وتحدث عن الظلم الذي طاله من البعض واتهاماتهم الباطلة وقال المزيد في هذه السطور .
* دعنا نبدأ من دورك في "بحر الليل" المملوء بالقسوة والأذى، والذي وضعك في قالب أدوار الشر، من وراء هذا الاختيار؟
- هذه الأدوار تلفت انتباه الجمهور لأنها تمثل عامل جذب للمشاهد عكس أدوار الخير،وهذا التحول الفني من قالب الأدوار الطيبة الذي لازمني إلى نوع جديد اعتبره تجربة خاصة، فمن أدوار الشاب الرومانسي والهادىء إلى خط مغاير يبرز الشر فيه بقوة، ويكون "غنيم" ابن مسعود الذي يجسد دوره الفنان سيف الغانم، حيث تطلب هذا الدور طاقة تمثيلية عالية تتماشى مع حدة المواقف وصعوبة المشاهد .
* وأين تكمن هذه الصعوبة بالضبط؟
- التحديات الصعبة التي واجهتني في مسألة التفاعل الوجداني لمشهد مركب تختلط فيه الحالات، ومن هذه المشاهد عندما ضقت ذرعاً بوالدي مسعود الشرير، وقررت قتله حيث يشحنني على البغضاء وفي هذا المشهد كان لا بد من توضيح الحالات الانفعالية بين الحيرة والبكاء والحزن ورغبة الانتقام وفطرة الحب الأبوي، والأصعب كيفية التحكم بالمشاعر وصهرها في بوتقة درامية مقنعة تعزز معنى الموقف وتوصل رسالته، ولأن شخصية "غنيم" مركبة ومتشعبة الخطوط مع شخصيات العمل، وضعت كل طاقاتي لأقدم الأفضل، تأثرت بروعة أداء "سيف الغانم" و "موسى البقيش"، في أدوار الشر، لأنهما فعلاً تقمصوها بشكل مثير .
* غلب الطابع الحركي على أدائك خاصة في مشاهد الضرب، هل كانت حقيقية؟
- نعم، وهذا ما حرص عليه المخرج البحريني مصطفى رشيد في مشاهد الضرب، ألا تكون مفتعلة بل حقيقية، حتى تثري المشهد بالصدق والواقعية، فقد صفعني سيف الغانم أكثر من مرة، وكان المشهد يعاد حتى يستقر المخرج عليه، وكذلك ضربت من قبل علي الغرير بالعصا لكن حرفية المخرج وتعليماته في هذه الحركات تلعبان دوراً مهماً في توجيه الضربة بالشكل الصحيح في إيحاءات تختلف حسب طبيعة المشهد وحدته، وهذا يولد صدقاً في الأداء والتعبير الحسي فتخرج الدمعة صادقة والحزن مؤثر .
* هل حصل المسلسل على حقه كما ينبغي لهذا الموسم؟
- الوقت خانه، ولم ينل حقه من المشاهدة للأسف، نظراً لانشغال الأغلبية بكأس العالم علاوة على وقت الإعادة في السادسة ونصف صباحاً على قناة أبوظبي الإمارات، وممكن لولا هذه الظروف لحصد متابعة أكثر، فهو من الأعمال التي تحمل جودة وفكرة ومضموناً من كل النواحي سواء في جودة الصورة الفنية وصيغة العمل الإنتاجي .
* "طماشة 5" عاد جريئاً، يناقش قضايا مهمة يعايشها المجتمع، بقالب كوميدي، هل استوفى شروط المتابعة؟
- بالطبع، حيث تعودنا على أجزاء طماشة بروحه المجتمعية القريبة من أحاسيس الناس وأحوالهم الحياتية سواء الوافدين أو المواطنين، نقدم أعمالاً هادفة تفيد المجتمع ببصمة إماراتية، لكن الجزء الحالي يختلف بقوة مضمونه ومتانة النصوص المكتوبة، والتي لم تختر إلا بعد تأن ودراسة وتحليل لواقع حياة الناس وما يشغلهم، وتقديم المفيد ليس لغرض الربح التجاري ولا لمزيد من الكسب المادي، وهذا ما يشدد عليه سلطان النيادي منتج المسلسل يريد تقديم عمل محلي ينافس بجدارة في سياق الغيرة على الوطن وبذل أقصى الإمكانات لتحقيق الأسمى له .
* لكن هناك حلقات قوية تحدثت عن أمور سياسية حساسة، هل تتابع تعليقات الناس ومواقفهم منها؟
- يعيش مسلسل "طماشة 5" نجاحاً جميلاً بعد انقطاع موسم واحد حيث عاد ليكون أقرب إلى هموم الناس ومشكلاتهم حتى إنهم تفاعلوا كثيراً مع مواضيع الحلقات إلى درجة أن تويتر اشتعل جدلاً في بعض الحلقات وانستغرام ومواقع أخرى، مثل حلقة "إخوان شمة" لتوعية الشباب عن مخاطر التنظيمات السرية وما إلى ذلك من أساليب تغرر بشباب الوطن، حيث جسدت فيها شخصية ضابط أمن، وكذلك حلقة "محسوبة صح" وفيها تطرقنا إلى حيل بعض الفتيات الوافدات للإيقاع بالشباب وإرغامهم على الزواج بهن بأساليب محسوبة، وإجبراهم على الاعتراف بحقوقهن، وغيرها من المواضيع والقضايا المنتشرة في المجتمع .
* لكن حسب ما يقال إن "طماشة5" يثير البلبلة ويبحث عن الأخطاء ليتابع فقط وليس لغير ذلك؟
- هذا ليس صحيحاً أبداً، وبالفعل هذا الكلام منتشر بصورة مغلوطة، فنحن عندما نعالج مشكلات الدوائر الحكومية ونتوصل إلى بعض الخفايا المهنية ونسلط الضوء على حالات معينة لا نثير بهذا الفوضى ولا البلبلة ولا نقصد الإساءة إلى جهة بعينها أو نستهدف التقليل من جهود الموظفين، على العكس تماماً نحن نعيش في مجتمع يكتظ بالمفارقات لكن من مسؤوليتنا نقل ما تيسر من واقع الناس بهمومهم وأحوالهم بشكل شفاف خال من التزييف لأن ما نعرضه أمانة في أعناقنا .
ومن خلال متابعتي للتعليقات على تويتر وكلام الناس تلمست ردوداً وانطباعات ممتازة من الخليجيين وأذكر تعليقاً لسعودي قال فيه "انحرمنا من "طاش ماطاش"، وما بقي لنا غير طماشة نتنفس منه" وهذا يدل على أن العمل وصل إلى خارج الإمارات وحقق أهدافه جماهيرياً .
* ومن الملاحظ أيضاً في العمل الخلط بين الجدية والحوارات المبطنة لبعض القضايا لكن بصورة كوميدية في بعض الأحيان؟
- هذه الطريقة مطلوبة، ويقدم الفنان جابر نغموش رسائل مبطنة ومباشرة، حتى إنه قال في إحدى الحلقات "الغلط من المدير وإلا من اللي عين المدير"، حتى إنها أثارت نقاشات ساخنة على تويتر، ومواضيع أخرى مهمة تظهر استغلال التجار للناس وسلبهم للحقوق بأساليب ملتوية، وتم الاعتماد على مواقف حقيقية من إدارة حماية المستهلك في الإعداد، إضافة إلى المواقف الكوميدية والغريبة مثل المشهد الذي ظهرت فيه الفتاة مع كلبها في المؤسسة تقدم شكوى للموظف أن كلبها لا يسمع، وأخرى تتهم صاحب مطعم بالغش لأن نوع الخروف المشوي الذي أكلته لم يعجبها، وغيرها من المواقف الكوميدية التي تحصل بالفعل وهو أمر يدل على سطحية التفكير لدى البعض والجهل في أحيان أخرى .
* ما الذي ساعد على خروج المسلسل بهذه الصيغة الفنية المؤثرة؟
- إخلاص فريق العمل والإتقان في تفصيلات التنفيذ بروح التعاون، كأسرة واحدة، حيث بذلنا جهوداً كبيرة في هذا الجزء ومن الممثلين لا أنسى دور محمد العامري خلف الكواليس إذ يقف عند الأداء ويناقش ويقدم النصيحة في سبيل تقديم الأفضل، وكان متابعاً ومراقباً دقيقاً لسير الصورة الإخراجية وتبعات التصوير وتفاصيل المشهد، وحتى في الكتابة ساهم في إعداد عدد من حلقات العمل، وله كل التقدير والشكر على حسه الفني العميق .
* هل شعرت بأنك تحقق نجاحات فنية، ووصلت إلى ما تريد؟
- ليس بعد فالطريق أمامي طويل وما زلت مبتدئاً، ولدي واجبات ومهام تزيد من مسؤوليتي كممثل، وعندما أرى سيف الغانم وجابر النغموش وسنوات عملهم الطوال الملأى بالتجارب والخبرات أجد نفسي أضع قدمي الآن في الفن، بالرغم من أن بدايتي كانت سنة 1998 وشاركت بأعمال مسرحية ودرامية محلية وخليجية مثل "حاير طاير" و"جمرة غضى" و"شمس القوايل" و"دروب المطايا" و"زمن الطناف" و"أوراق الحب" و"كريمة" و"عجيب غريب"، لكن لا أستطيع القول إنني وصلت فنياً، مازال ينتظرني الكثير والوقت مبكر على ذلك .
* هل تجد الدراما الإماراتية في مراتب متأخرة بالمقارنة مع غيرها من الأعمال العربية؟
- لا يمكن إنكار تطور الدراما الإماراتية من موسم لآخر لكن هناك مشكلة حقيقية وهي عدم ثقة القنوات المحلية بالطاقات الشابة، فعندما نقدم نص العمل للتلفزيون ونرشح بعض الأسماء الإماراتية لا يؤخذ بها ويستعاض بممثل خليجي توكل له أدوار البطولة في الأغلب، وتبقى إدارة القنوات هي المتحكم الأول بالفرص، على الرغم من دعم المنتج المحلي للشباب وفتح المجالات لهم .
معروف أن المنتجين في الإمارات أربعة هم أحمد الجسمي وجمال سالم ومحمد سعيد الظنحاني وسلطان النيادي ومع هذا هناك إنتاج محلي جدير بالمتابعة وبمستوى عالي الجودة لكن العلة ليست في العملية الإنتاجية إنما في دور القنوات التي لا تهتم بالمنتج المحلي وتفضل غيره من الأعمال .
* لكن موهبة الفنان الخليجي ربما تفرض نفسها عليهم؟
- مع كل الاحترام للفنان الخليجي لكنه محظوظ فنياً على أرض الإمارات، ويلقى فرصته ويكون قبل سنة أو سنتين غير معروف وفي بداية طريقه، وفجأة توكل له بطولة كاملة ويتلقى دعماً واضحاً من القنوات كما قلت لك، مع أن الكفاءات الإماراتية ليست سيئة ولا ينقصها شيء . حتى الإعلانات الخاصة بالعمل المحلي عندما تعرض على القنوات لا تعطى حقها كما هي كثافة الإعلانات لأي عمل خليجي .
* عملك تحت مظلة سلطان النيادي الإنتاجية هل سهل عليك الحصول على الفرص؟
- لدي توضيحات خاصة في هذا السياق، بداية هناك شائعة منتشرة الآن حول "طماشة5" يتهمونني فيها شخصياً أنني أحدد أسماء المشاركين في العمل، وأقول بمنتهى الثقة لست من أوزع الأدوار وأنا بريء من ذلك في "طماشة 5"، وهذا الدور مهمة صاحب شركة الإنتاج، هو من يختار ويقرر لأنه مدير الشركة وصاحبها وهو الآمر والناهي فيها، ومهمتي هي الإدارة الإنتاجية فأنا مدير إدارة الإنتاج لأي عمل في الشركة من دون اتخاذ قرارات لأن سلطان النيادي هو عقل الشركة وأنا المحرك الحيوي لها .
* لم تجبني عن سؤالي هل سهلت علاقتك مع النيادي فرص ظهورك أكثر؟
- علاقتي معه علاقة الابن بوالده، فهو معلمي أتعلم منه الكثير، ويدعم الشباب ويثق بهم، وعمق الخبرة التي يمتلكها "النيادي" وبعد النظر ورؤيته الصائبة هي مصدر أي نجاح، واستغرب من الممثلين الذي أبدوا غضبهم مني، سواء أحد أصدقائي الذي قاطعني لأنه لم يشارك في "طماشة 5" وصدقاً ليس لي علاقة باختيار الفنانين، حتى وصل الغضب بالبعض أن يرسل لي رسائل هاتفية ويعبر عن أسفه وعتابه بلهجة ومشاعر قاسية، صدمت منها، وآخرون يدعون علي، لماذا كل هذا، فأنا لست صاحب الشركة إنما أقدم اقتراحاتي فقط والكلمة الأخيرة ليست لي .
* هل هذا الاستياء جعلكم تجاملون بعضهم على حساب العمل؟
- في أجزاء سابقة جاملنا بعضهم فنياً على حساب العمل لكنني أقولها وبصراحة لسنا حقل تجارب لأحد، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، وخاصة في هذا الجزء من طماشة لم يجامل أحد . وهناك حقيقة أخرى ووضع مؤسف لا بد من الحديث عنه، وهو أن بعض الفنانين يطلبون أدوار البطولة، مستنكرين عدداً محدداً من المشاهد، لذا يرفضون المشاركة، مع أنه في المقابل يشارك فنانون خليجيون لهم أسماؤهم في الساحة في أدوار محدودة، وهنا الحرفية في كيفية استغلال قيمة الدور المعنوية والفكرية أمام الكاميرا فالعبرة ليست بأدوار البطولة فقط، فالدور هو من يطلب الممثل وينادي على صاحبه، ويحدد الشخص المناسب، وليس العكس .