عندما ولجت الأصابع مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن الأمر يخرج عن مجرد تجاذب أحاديث، وتبادل أفكار ورؤى، وتناول بعض الأحداث الجارية على الساحة الاجتماعية أو غيرها، بالنقاش والجدال . ولم يخطر على بال أحد أن يأتي يوم تتحول فيه بعض هذه المواقع إلى ساحة مفتوحة لبعض الجهلاء الذين لم يجدوا لأنفسهم أماكن في الحياة العامة، ليدلوا فيها بأفكارهم وآرائهم الدينية الهدامة .
هؤلاء وجدوا في بعض هذه المواقع لاسيما "تويتر" و"الفيس بوك" مجالاً للإفتاء فيما لا يفقهونه، وانجرف وراء ما يفتون به صغار العقول، متواضعو الفهم، وعديمو الخبرة .
وإذا كانت مواقع التواصل تعد ساحة للتداول، والتباحث والتناقش في كل أو بعض القضايا الجارية على الساحة، بما يمكن معه القبول بكل أو بمعظم ما يتم تناقله خلالها شريطة المصداقية، والحيادية، واحترام الرأي والرأي الآخر، إلا أن ذلك مرفوض تماماً عندما يتعلق الأمر بالإفتاء، وإعطاء آراء شرعية بعضها يدفع إلى التهلكة تحت شعارات دينية رنانة مثل الجهاد، أو الذود عن البلد الفلاني أو العلاني، أو غير ذلك، وهنا الطامة الكبرى، فالمساس بالعقيدة برأي مغلوط من هنا أو هناك، أو فتوى على غير أساس، يصدرها غير ذي علم، أو غير دارس للشريعة وعلومها، يؤدي لبلبلة الأفكار، وزعزعة الاستقرار، وبعثرة الأمان المجتمعي .
حدود فوضى الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي، والضوابط الواجبة للإفتاء، ودور المؤسسات الدينية من هذه القضية، محور حديث عدد من رجال الدين وذوي الصلة في السطور الآتية .
حسب عبدالرحمن محمد الطنيجي، مدير إذاعة القرآن الكريم في أبوظبي، أصبحت الفتوى اليوم في العالم الافتراضي الوهمي "مهمة من لا مهمة له" والجميع أضحى بين لحظة وأخرى العارف في زمانه بين مفتٍ وناقل للفتوى . ويقول: هي فوضى عارمة أشببها بأمواج البحر المتلاطم الذي لا قرار له والجميع تائه لا يعرف مرسى، وهذا موقف مربك يضرب أسس العبادة ويشوه الدين، ويضعف من تأثيره على أفراد المجتمع، كما أنه وسيلة هدم لمنظومة القيم الأخلاقية، والاجتماعية، والوطنية وغيرها من القيم الفاضلة .
ويوضح أن الفتوى استجلاء وتبيان لمقاصد الشريعة، وتأصليها لمعرفة أمر ما، وأن تنوع المذاهب في ديننا الحنيف هو مظهر من مظاهر السعة وتعدد الخيارات أمام الناس رحمة لهم، لذلك فرفع وعي الناس وتبصيرهم، وتوجيههم أمور حتمية لتحمل المسؤولية الدينية والوطنية في شأن اتخاذ القرار المناسب .
وللحد من هذا التسيب في أمور الفتوى، يؤكد الطنيجي أنه لابد من تضافر الجهود الرسمية والشعبية وألا يقتصر الأمر فقط على المؤسسة الدينية . ويقول: يجب رص الصفوف ووحدة العمل الوطني، وابناء الإمارات عرفوا بموقفهم الاصيل الموحد الداعم للوطن والقيادة، والشواهد كثيرة في هذا الجانب، كيف لا وهم يسيرون وسط إرث اجتماعي، وأخلاقي، وديني، ويترسمون نهجاً أسسه القائد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه؟
ويشدد على أن خلق توعية شاملة وتوفير حاضنة مناسبة لأفراد المجتمع السبيل والضامن لعدم تجاوب، أو إنجرار البعض وراء مثل هذه الفتاوى المضللة، لذلك لابد من العمل الفوري على عقد مجموعة من الندوات، والمؤتمرات والحملات الإعلامية بهدف إجلاء الحقيقة، ورسم خريطة واضحة المعالم لكيفية استغلال الوسائل التكنولوجية بروح ايجابية وسطية المنهج وطنية البعد .
ونطالب الجميع بأن يتفهم الوضع الراهن في المنطقة وتداعياتها وأن يدرك ما يحدث في الفضاءات الوهمية من خطورة على مجتمعاتنا، لافتاً إلى أن هذه المواقع بلغت مبلغ الخطر الحقيقي بسعيها إلى ضرب الثوابت الدينية، والنسيج الوطني، بل في بعض الأحيان إلى زعزعة أركان الحكم في عدد من الدول، ويناشد الطنيجي اصحاب القرار والمسؤولين في الدولة، لاتخاذ السبل الكفيلة بحماية الوطن من هذه الأفكار الهدامة، ويقول: نحن على يقين من أن القادة أكثر الناس حرصاً ومسؤولية في هذا الأمر، وليس أدل على ذلك من مواقف الدولة الثابتة والصادقة تجاه الوطن وأبنائه، وقضايا الأمتين العربية والإسلامية، وما تصريحات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ببعيدة عن الذاكرة حيث توافقت وتتطابقت مواقف الإمارات ورؤيتها مع الرؤى السديدة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، فيما ورد في خطابه الأحدث تجاه ما يجري في المنطقة وما تقوم به الجماعات الإرهابية من أعمال يندى لها الجبين .
ويرى الطنيجي أن على الجميع الوقوف ضد هذا الخطر الداهم برص الصفوف، لمحاربة أهل الفتنة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه يتوجب اليوم قبل غد أن يتنادى أهل الاختصاص، وأهل الحل والربط في المنطقة، لعقد مؤتمر عام للخروج برؤية موحدة تقف أمام أهل الظلام، والضلالة، والفتنة، للمحافظة على أوطاننا وشعوب المنطقة وسلامة ديننا وفكرنا .
أهل العلم
يبين د . أحمد الكبيسي رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات، أن القرآن الكريم حّمال أوجه، كما قال الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه . ويضرب مثلاً على ذلك بقوله تعالى: "أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا" ويقول: معنى ذلك أن لمس النساء ينقض الوضوء، هذا هو ظاهر الآية، وأخذ الإمام الشافعي أن مجرد أن تلمس المرأة الأجنبية لمساً ضعيفاً يوجب الوضوء، في حين قال الإمام أبو حنيفة إن الملامسة هنا هي المداعبة الكاملة بين الرجل والمرأة، لأن الملامسة غير اللمس وهذا رأي ثانٍ، أما الرأي الثالث فكان للإمام ابن حنبل حيث قال إذا لمس الرجل المرأة بشهوة فعليه أن يتوضأ . هذه ثلاثة آراء متناقضة لثلاثة أئمة من كبار المسلمين، وبالتالي فهذا هو وضع الفتاوى، كل له رأي فيها شريطة أن يكون عالماً من علماء التفسير والفقه، لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من أفتى بغير علم فقد كفر)، لذا فالاختلاف في الفتاوى من حسنات الدين، تبعاً لفهم العالم من الآية أو الحديث، وذلك صحيح ما دامت مرجعية من أفتى هي الكتاب أو السنة .
ويتأسف الكبيسي على شيوع الجهل في عصرنا، ورفع العلم، قائلاً: يأتي بعض الشباب وقد تعلم آية أو آيتين ويخطئ فيهما إن قرأهما، ومع ذلك ينصب من نفسه مفتياً، إما تبعاً لطائفته، أو حزبه، أو جماعته، وكلنا نعرف هذه العناوين التي عوقت الإسلام والمسلمين وآذتهم في حياتهم الدينية، ومزقت شملهم، وفرقت جمعهم، ونخرج من ذلك بحقيقتين الأولى أن الاختلاف في الفتوى ظاهرة صحية في هذا الدين، وقد جاء في الحديث الشريف "اختلاف أمتي رحمة"، أما الحقيقة الثانية فهي أن يكون المفتي من أهل العلم بحيث إذا سئل عن أسباب فتواه يستطيع أن يأتي بأدلة شرعية مقبولة، وهذا هو الصواب في الدين .
ويضيف: للأسف في هذا العصر أصبحنا نسمع فتاوى متضاربة تتحكم فيها الأهواء والتكتلات الوهمية، التي أثقلت على المسلمين بالشكل الذي نراه ونسمعه .
الحيطة والحذر
يعتبر د . سيف الجابري، مدير إدارة البحوث في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي، انتشار الفتاوى على مواقع الإنترنت المختلفة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ويقول: الإسلام دين العلم، والمعرفة، والفقه، ولكننا أصبحنا نتأسف على ثقافة المسلمين، فقديماً قيل: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، وإذا طبقنا المقوله اليوم، سنقول: من كان شيخه الإنترنت كان حظه من الفهم قليلاً، وحكمه علي الأمور خاطئ، وما يحدث اليوم من فتن في ديار المسلمين، من أسبابه الرئيسية انتشار فتاوى المسلمين ضد بعضهم البعض، وقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "أجرؤكم على الفتوى، أجرؤكم على النار" والمصيبة أن البعض أضحى لا يخاف النار، التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا النار ولو بشق تمرة" .
ويعتبر الجابري انتشار الفتاوى علي مواقع التواصل الاجتماعي الذي أدى بالناس إلى الشك في أمورهم الدينية، مصيبة، لذا يناشد المسلمين جميعاً بأخذ الحيطة والحذر، من نشر أي رساله دينية مهما حملت من نصح، إلا بعد التأكد من سلامة نصها . ويقول: على من يفتون التوقف عن ذلك، وينبغي على الجميع الحذر من دس السم في العسل، وحتى نحمي مجتمعنا من الفتاوى، لابد من فتح الأبواب لأهل العلم، من خلال الجهات الحكومية المختصة، ولابد من تشريع يمنع التطاول على الدين الإسلامي، بالفتاوى "الطيارة" المنقوصة وغير الصحيحة، وحين البحث عن الرأي الشرعي الصحيح لابد من الرجوع للعلماء المشهود لهم بالكفاءة .
شروط
ويشدد حسن الحمادي، محكم أسري، على أهمية عدم فتح باب الفتوى لأي كان، لأنه لابد من توفر شروط محددة لها، منها أن يكون الشخص حافظاً لكتاب الله، وعالماً بالسنة النبوية، واللغة العربية، فقيهاً، إضافة إلى شروط أخرى كثيرة . ويقول: أوجدت الدولة منافذ رسمية للفتوى، فلا ينبغي أن نستوردها من خارجها، أو من مواقع التواصل الاجتماعي، لأنه من غير المعروف من يصدرها وما الغرض منها، فهناك من يفتون على المنطق الفرعوني "ما أريكم إلا ما أرى"، والمسألة الواحدة قد يكون فيها أكثر من رأي، والرأي الأوحد ضرره أكثر من نفعه، وبالتالي قد يؤدي إلى مشاكل ومصائب وويلات ويخرج بالفرد من نطاق الدين .
ويرى كثيراً من المشكلات المنتشرة حالياً في العالم العربي، سببه فتاوى صادرة عن أناس من أصحاب الهوى، لذا فلابد ألا يتحدث في الدين إلا أهله فقط، من الراسخين في العلم . ويقول: في الدولة منافذ رئيسية كثيرة للإفتاء يجب الاقتداء بها والرجوع إليها، لذا أحذر من الانسياق إلى أي فتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فبعض الفتاوى جلبت ويلات على دول عربية كثيرة .
ويدعو إلى تجريم بعض الفتاوى المنتشرة عبر مواقع التواصل، لأنه في أمور الدين يجب عدم سؤال أي شخص سوى أصحاب الحجة والعلم، لأن الفتوى الخاطئة تضر بالمرء في دنياه وأخراه .
مجمع فقهي خليجي
يقترح عبدالرحمن الطنيجي، مدير إذاعة القرآن الكريم في أبوظبي، توحيد الفتوى وذلك بإنشاء مجمع فقهي خليجي يتولى شؤون الإفتاء في المنطقة ويكون المصدر الأول والأخير في هذا الشأن . ويطالب الحكومات الخليجية بأن تسعى إلى نشر ثقافة أخذ العلم الشرعي من أفواه العلماء الموثوق بعلمهم وسيرتهم وأن تسعى إلى تسميتهم في إطار جمعي رسمي مرجعي، ونطالب وسائل الإعلام بأن تقوم بمهامها التفاعلية مع هذا الخط الشرعي والوطني لما لها من أهمية قصوى .
الشريف: لا بد من العقاب القانوني
عن عواقب إصدار فتاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بلا علم شرعي، قال المستشار القانوني د . يوسف الشريف: تكتسب الفتوى أهمية بالغة، لأنها تعتبر إخباراً عن حكم الله وبياناً لأحكامه، حيث أفتى عباده، فقال في كتابه الكريم: "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب"، (النساء: 127) .
وقال أيضاً: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" .
ويؤكد إمكانية الملاحقة القانونية لمن يفتي عبر الإنترنت بغير علم .
وعلى هذا فإن القول على الله تعالى بغير علمِ من أعظم المحرمات في الدنيا، حيث قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، (الاعراف: 33) .
لذا، فإن الكذب على الله ورسوله، خطيئة وإثم كبيران، لكن ما حكم الكذب على الله في القوانين الوضعية، خصوصاً إذا كانت تلك الفتاوى تتعلق بأمور تشكل خطراً على أمن الدولة واستقرارها .
ويتابع: إن الفتاوى غير المستقيمة وغير المسؤولة التي تصدر من كل حدب وصوب ليست ظاهرة جديدة على العالم الإسلامي، فهي موجودة منذ عهد الصحابة والخلفاء، وتوالت عبر العصور التي مر بها الإسلام، فكان الحكام والسلاطين يستخدمون بعض المفتين لنشر فتاواهم بين الناس خدمة لمصالح سياسية ودنيوية، فكانت تنتشر في المجتمع، لكن ليس على ما هو الوضع عليه اليوم، حيث ظهرت تكنولوجيا المعلومات، وتطور عالم الاتصالات، وازدحمت الفضائيات، فأصبح العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، الأمر الذي أخذ منحىً تصاعدياً خطيراً، فيكفي أن يصدر أحد الأشخاص "فتوى شرعية غير مسؤولة" عبر "تويتر"، أو "فيس بوك"، أو المنتديات أو الفضائيات حتى تنتشر بين الناس كالنار في الهشيم، فيصعب بعد ذلك لملمة آثارها السلبية على المجتمع، خصوصاً إذا كانت هذه الفتاوى تشد على الوتر الطائفي والمذهبي كتحليل قتل الإنسان الذي ينتمي إلى طائفة أو مذهب تحت مسمى الجهاد وصلاح الإسلام، أو بعض الفتاوى المتعلقة بحياتنا الاجتماعية والتي لا يمكن أن يتقبلها في عصرنا هذا أي عقل إنساني حضاري .
ويؤكد أهمية إصدار قوانين تعاقب جزائياً كل شخص يفتي خارج تلك الهيئات أو المؤسسات أو المجامع، وهذا ما قامت به السعودية .
يضيف الشريف إلى ذلك إلى أنه يمكن تطبيق نصوص قانون العقوبات التي تعاقب على التحريض على ارتكاب الجرائم ونبذ الآخرين لمجرد الاختلاف في الرأي والحضٌ على العنصرية والكراهية، ومعاقبة كل من يصدر فتاوى بهذا الخصوص كما حصل مؤخراً في لبنان بإلقاء السلطات اللبنانية القبض على داعية بسبب تصريحاته وفتاويه التي استهدفت الدولة اللبنانية لا سيما بتحريضه على محاربة المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية .
ويؤكد أنه لا يمكن حل المشكلة نهائياً عبر إصدار قانون جديد أو تطبيق آخر موجود في الأصل، فمن المحتمل ان يكون هذا القانون مطبقاً في دولة، ولا وجود له في أخرى وبالتالي، فإنه يكون للشخص الذي يغرد على "تويتر" مثلاً في دولة لا تعاقب قوانينها على هذا النوع من الفتاوى أن يفلت من العقاب، وعليه، لا بد من إصدار إرشاد عام عربي يتم تبنيه في التشريعات الداخلية لكل دولة عضو في جامعة الدول العربية، حتى يكون هناك نوع من التجانس، والتعاون بين هذه الدول في مجال التصدي والعقاب لهذه الآفة .
الحمادي: ما يتعلق بالدماء والأعراض أخطر المسائل
يشدد د . عبدالله محمد الحمادي، الواعظ في الهيئة للشؤون الإسلامية والاوقاف على مكانة الفتوى، وخطورتها في الوقت نفسه، إذ يتعلق بها دين الناس الذين يلقون الله به، وترتبط بها تصرفاتهم وعباداتهم وحياتهم، وأرواحهم تارة .
ويقول: وكلما كان الموضوع المستفتى عنه أدق وأصعب، خاصة فيما يتعلق بدماء المسلمين وأرواحهم وأعراضهم ازدادت خطورة الفتوى وعلت مكانتها .
ويضيف نبه الشرع على ذلك قديماً وحذر الناس من فتوى الجاهل وصاحب الأغراض والأهواء، نجد ذلك جلياً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
ولم يدع العلماء، حسب الحمادي، باب الفتوى مبهماً مفتوحاً على مصراعيه، بل بينوه خاصة علماء الأصول الذين بينوا شروط المفتي، وآداب الفتوى، والمستفتي، وكل ذلك مؤصل موضح لطالب الهدى والحق، ومما بينوه أن المستفتي يستفتي العالم الرباني، العارف بالمقاصد والعواقب المتجرد للحق، المدرك لما يقول، فهو من أهل الذكر الذين توجه إليه الفتوى .
وأدرك السلف ذلك، لذا كان الصحابة والتابعون يتدافعون الفتوى، فكل منهم يحيل على أخيه الأعلم، وكل منهم ودَّ لو أن أخاه كفاه الفتيا، فقال محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه) . وعلى ذلك، يقول الحمادي، تتضح مكانة الفتوى وكيف يستفتي طالب الإجابة .
ومن الخطورة بمكان فتاوى الجهاد والقتال في سبيل الله، فمثل هذه الفتاوى لا تؤخذ من أي أحد، ولا تطرح في مساحات ضيقة في أسطر بعض وسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام، وممن هب ودب، لأن مسائل الجهاد تحتاج إلى علماء مجتهدين، وبُعد نظر واستشارة لأهل الخبرة من العسكريين، والاقتصاديين، والسياسيين وغير ذلك من الفنون كل ذلك يجمع إلى جانب الفتوى، لكي لا يتحول الأمر إلى فوضى وهرج ومرج .
تعدٍ على الشريعة
أورد الواعظ د . سالم بن علي بن أرحمه الشويهي: نماذج فوضى الفتاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنها فتوى تقول: لا بأسَ بالنظر إلى الجميلات، من أجل التفكر في خلق الله، وأخرى تقول: يجوز للمرأة أن تتولَّى الإمامة في الصلاة على الرجال .
ويشير إلى أن هؤلاء الذين يفتون الناس بهذه الفتاوى هم الذين سمّاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الرؤوس الجهّال في قوله: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتّخذ النّاس رؤوساً جهّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا) .
ويلفت إلى تحذير نبينا صلى الله عليه وسلم من سؤال أهل الجهالة، بل دعا عليهم، فحين بلغه قصةُ الرجل الذي شُج رأسُه في سفر فاحتلم، فسأل الرجل أصحابَه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟! فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قتَلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا) . هؤلاء غير مأجورين، بل صنيعهم هذا من أكبر الكبائر .
ويشدد على أن مسائل الدين لا تؤخذ من المفكرين، ولا من المثقفين، فضلاً عن غيرهم من الأدباء والصحفيين، وإنما الإفتاء من العلماء، وإذا أُخذت الفتوى من غير أهلها، شاع الباطل وأُلبس لباسَ الحق، ونُسب إلى الدين ما ليس منه .
ويؤكد أن من التعدي على حرمة الشريعة وأحكامها نشر فتاوى شاذة وأقوال ساقطة تثير البلبلة والفتنة وتفتن ضعاف العقول وتظهر الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق .
وإذا تكلم في العلم غيرُ أهله، ظهرت الفتاوى الشاذة، وحُلِّل الحرام، وتدافق الناس على ارتكاب الآثام، ونسيت وهُجرت أقوالُ أئمة الإسلام .
ويدعو إلى معاقبة الذين يفتون من غير تأهل للفتيا، ولا يقتصر العقاب على أصحاب الفتاوى التحريضية الخاطئة بل يشمل بعض المتعالمين والإعلاميين والممثلين الذين يفتون بلا حياء ولا خشية .