الشارقة - عثمان حسن:
لا يختلف أثنان على أن الصورة هي ركن أساسي في الشعر العربي، وقد اعتبرت الصورة على الدوام محدد قوة الشعر وبلاغته وجزالة ألفاظه ومعانيه، كما كانت دليلاً على قوة الشاعر العربي بين أقرانه، كما كانت دليلا على براعة الشاعر وانتشار اسمه بين الشعراء الكبار لا سيما في المحافل الشعرية الكبرى كسوق عكاظ، تلك السوق الثقافية الشهيرة في تاريخ صناعة الكلام العربي، غير أن ما يجب إيضاحه أن الصورة تأتي في سياقات وألفاظ مختلفة، فهي تأتي ضمن ما أصطلح على تسميته الصورة الفنية، بوصفها تفسيرا للتجربة الشعورية سواء كانت هذه التجربة تنتمي للشعر أو النثر، وهناك تقسيمات كثيرة للصورة الفنية من حيث شكل الصياغة والأسلوب، واستخدام الألفاظ، والموسيقى، وهناك أيضاً ما له علاقة بالمضمون وعمق التجربة وصدقها ومدى تأثيرها في المتلقي، وهناك ما أصطلح على تسميته الصورة البيانية التي تختص بالناحية البلاغية والجمالية، ومدى إبداع الأديب في الإتيان بالصورة المثالية للمعنى .
غير أن ما التصق بذاكرة الشعراء العرب لا سيما المحدثون منهم، هو مصطلح "الصورة الشعرية" التي تقترن بالإبداع الشعري في فن كتابة القصيدة، وهي الصورة التي حددت في ما بعد جماليات التعبير الشعري عند هذا الشاعر أو ذاك، وهو جمال مقترن بالضرورة بموهبة الشاعر، وقدرته على ضبط قصيدته من حيث جمال الصور والأخيلة والزخارف اللفظية وخلافها .
حديثاً، تم تداول مصطلح الصورة الشعرية بين نسبة كبيرة من الشعراء العرب، خصوصاً من يكتبون قصيدة النثر، وقلما تجد شاعراً أو حتى قارئاً ومهتما بالفن الشعري، إلا ويعتبر هذا الشاعر قوياً، بمدى قدرته على الإتيان بصورة ناصعة مبتكرة تتراقص بين ثنايا الكلام، وتتأرجح ما بين العين والأذن والجوارح كما لو أنها موسيقى ذائبة في المعنى والدلالة، وعلى مسافة قريبة من روح الأشياء والكائنات والنبض الإنساني الخلاق .
في تتبع تطور مفهوم الصورة عبر العصور، نجد أنها اقتصرت عند القدماء على كونها موضوعاً مخصوصاً بالمدح والثناء، وقديماً جداً كان للصورة تفاسير عند أرسطو، وسقراط، وأفلاطون، ربطت بين الشعر والقدرات الخارقة، غير أن ما يهمنا هنا، هو ما أصبح ثابتاً لدى معظم الشعراء والنقاد العرب، من ارتباط الصورة بقوة التخييل، وتحويل الكلام إلى مستوى جديد وفضاء رحب وعوالم مرئية ولا مرئية تخرج الشعر من رتابة السكون والتقوقع، وتجعله حيوياً، أو طائرًا يليق بالفراش، ويخترق النوافذ والشرفات التي تطل على الطبيعة وتسافر بين الغيوم، تسبح في ملكوت دنيا جديدة، تتأرجح ما بين الواقع والخيال .
كما أن قوة الصورة الشعرية لدى أي شاعر عادة تتوقف على أمور كثيرة منها ثقافته ومهاراته الخاصة وإمكاناته وقدراته ودرجة شاعرية روحه ومقدرته على التعامل مع اللغة، فإننا هنا نستطيع أن ندرج الشعراء الإماراتيين وفقا لهذه المعايير حيث يبرز في هذا المجال: الراحل أحمد راشد ثاني، حبيب الصايغ، عبدالعزيز جاسم، ظبية خميس، هاشم المعلم، عبدالله عبد الوهاب، إبراهيم محمد إبراهيم، عبدالله الهدية، أحمد العسم، أحمد المطروشي، إبراهيم الملا، كريم معتوق، عبدالله السبب، سالم الزمر، طلال سالم، محمد البريكي، وغيرهم الكثير، وعلى مستوى عربي نذكر من شعراء الصورة الأخاذة: محمود درويش، وبلند الحيدري، وعبدالوهاب البياتي، وحسب الشيخ جعفر، وعلى مستوى قصيدة النثر تسطع صورة شعرية مضيئة لأنسي الحاج، وسركون بولص، وأمجد ناصر، وغيرهم كثيرون .
في دراسة نقدية للباحث الطيب عبدالرازق عبدالكريم بعنوان (الصورة الفنية في الشعر العربي) يقول: "تستعمل كلمة صورة للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي، وتطلق، أحياناً، مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات، والصورة في مجملها تعتبر وسيلة الشاعر أو الأديب، في نقل فكرته وعاطفته معاً إلى قرائه أو سامعيه، ويقاس نجاح الصورة في مدى قدرتها على تأدية هذه المهمة، كما أن حكمنا على جمالها أو دقتها يرجع إلى مدى ما استطاعت الصورة أن تحققه من تناسب بين حالة الفنان الداخلية، وما يصوّره في الخارج تصويراً دقيقاً خالياً من الجفوة والتعقيد فيه روح الأديب وقلبه" .
حديثاً أيضاً، ارتبطت الصورة كمفهوم بالنقد الأدبي عند العرب، بل انها كانت مقياساً لفرادة هذا الشعر من عدمه، الجاحظ على سبيل المثال، وهو يستعرض الخصائص التي تتوافر في الشعر، أشار إلى الصورة من خلال نظرته التقويمية لشعر بقوله: "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها الأعجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني"، وهو تحدث عن الشعر بوصفه صناعة وضرباً من النسج وجنساً من التصوير .
أما أبو هلال العسكري، فأشار إلى الصورة في موضوع الإبانة عن حد البلاغة بقوله (والبلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن، وإنما جعلنا المعرض وقبول الصورة شرطاً في البلاغة وهو أشار إلى أهمية الصورة في النص الأدبي وما يفعله ويتركه من أثر في قلب السامع، وقد استدرجت الصورة عبدالقادر الجرجاني بوصفها منهجا مهما في كتابه "أسرار البلاغة" كما أشار إلى الأثر النفسي وأهميته في تكوين وتشكيل الصورة في تحليله العميق لخلق الإبداع الشعري، وهو ينظر للصورة نظرة متكاملة لا تقوم على اللفظ وحده أو المعنى وحده، بل إن كلا من اللفظ والمعنى عنصران مكملان لبعضهما، حيث يقول: "أعلم إن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا" .
يرى كثير من النقاد أن الصورة هي الجوهر الثابت والدائم في الشعر، فهي تسير مع الشعر، تخضع لتغير الشعر سواء في مفاهيمه ونظرياته، لأنها في النهاية إبداع في الشعر، وهذا الإبداع ناتج من إبداع الصورة على مدى تطور مفاهيم الشعر منذ القدم وحتى الوقت الحاضر .
نقاد آخرون أجروا كثيراً من الأمثلة، على تطبيق الصورة في النص الشعري، واعتبروا الصورة هي المحك في منح الفرصة لدراسة هذه الصور وتحليلها والتعرف على مواطن الإبداع فيها .
من المهم في هذا المقام، أن نذكر بأن الصورة لا تزال قائمة في معرض دراسة الشعر الحر، حيث اعتمد الشاعر في تركيبه للصورة الشعرية على عدة عناصر، من كناية وتشبيه واستعارة، ومجاز ورمز وتعبير حقيقي، وقد كانت الصورة في الشعر الحر مجالا لتأدية المعنى، وليس عنصر زخرفة أو تزيين، وهناك دراسات لا حصر لها تناولت الصورة الشعرية في الشعر العربي، ومن هذه الدراسات ما قدمه د .عدنان حسين قاسم الذي درس العناصر المكونة للصورة، وتحدث عن وحدة أجزاء الصورة، الكلية، موضحاً كل ذلك بالأمثلة من الشعر قديمه وحديثه، كما وقف الناقد شاكر النابلسي عند الصورة الشعرية في كتابه "مجنون التراب- دراسة في شعر وفكر محمود درويش" وعرض في دراسته ل (25) نوعاً من الصورة في شعره، منوها بكثير من الاعتبارات التي تدرس حالات المتلقي أو الوظيفة التي تؤديها الصورة أو العناصر الداخلة في تركيبها، موضحاً لنوعين من هذه الصور: الصورة المشهدية الكلية، والصورة الجزئية .
موسيقى ذائبة في المعنى والدلالة
الصورة الفنية جوهر ثابت في القصيدة العربية
17 أغسطس 2014 02:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 أغسطس 02:09 2014
شارك