تحقيق - محمد حمدي شاكر:
كيف يتأثر الشباب بالفكر المتطرف وينساق خلفه؟ وهل فعلا "القنوات الفضائية، هي السبب في انتشار هذه الدعوات إلى الإرهاب وإشعال الفتن في الدول العربية وهي التي تفرّق الأمة ولا تجمعها؟ توجهنا بأسئلتنا إلى أهل الدين ومسؤولين أكاديميين في الإمارات إلى جانب أكاديميين وكتّاب وعيّنة من الناس لمعرفة آرائهم في هذا التحقيق .
الشيخ أبو سليمان فؤاد الزنتاني يقول: هناك عدد من الأسباب لانتشار التطرف والإرهاب ولنا أن نحاول معالجتها من شتى النواحي، فهناك الأسباب السياسية، والنفسية كحب الظهور والشهرة لأشخاص غير مؤهلين شرعياً ولا دينياً، والإحباط وخيبة الأمل اللذان يؤديان إلى ظهور مثل هذه الجماعات المتطرفة، وهناك أسباب خفية لا تعلمها سوى الجهات المحققة مع تلك الجماعات والأشخاص المنتمين لها، إلى جانب الأسباب الفكرية والتي ترجع للجهل بقواعد الدين الإسلامي وآدابه، وعدم الرجوع لأهل العلم وأخذ النصيحة منهم، واعتماد الشباب على بعضهم بعضاً وأخذ النصيحة من بعض القنوات التلفزيونية التي تتاجر بفكرة الدين .
يضيف الزنتاني: هذا ما نجنيه الآن من حرية الرأي على مستوى وطننا العربي والإسلامي، وهي أساساً لا تكون بهذا الشكل، ولابد أن تكون مستقيمة ولا تحرض على الغير والتهجم على الدول والحكام والحكم عليهم بما يرونه صحيحاً ومبنياً على عقائدهم، ومن هنا أرى أن تلك الحرية ليست إلا إجرام ودعاتها مجرمون ومحرضون، ولن أقول إن انتشار القنوات والبرامج الدينية هي سبب هذا الانفلات الفكري والإعلامي في عالمنا العربي والإسلامي، بل انتشار المحطات الفضائية بشكل عام والتي أصبحت لا تكلف تلك الجماعات أو أي فرد عادي إلا قليلاً .
يكمل الزنتاني: أصبح لتلك الجماعات الإرهابية ذات الفكر المتطرف قنوات تلفزيونية تبرزهم باعتبارهم أساس الدين الصحيح، لكنهم في النهاية أبواق كاذبة مدعية للدين تتحدث بلسان حالها، وينتمون لتلك الأحزاب والجماعات أمثال جماعة "الإخوان المسلمين" . ومن وجهة نظري أن تلك الجماعات وما ينشرونه من مقاطع فيديو على الإنترنت أو تلك التي تعرضها بعض القنوات الإخبارية، تؤكد أنهم مدربون ومحترفون ويملكون أفضل وسائل التقنية الحديثة في مجال التصوير .
يختم الزنتاني حديثه: الحرب على الإسلام والدول العربية الآن أصبحت إعلامية، ووجود أشخاص غير مؤهلين ولا يفقهون شيئاً عن الدين على المحطات الفضائية المختلفة والتي أرى أن أغلبيتها حزبية هو أساس وجود هؤلاء المتطرفين، وأصبح الجاهل ينطق في الشؤون العامة ويلعب بأرواح المسلمين ويحلل ويهدر دم من يشاء، وهذا ينطبق على قول الرسول صلى الله عليه وسلم، "وينطق فيها الرويبضة"، هذا الشخص التافه، والأمثلة عليهم كثيرة كمدعي الجهاد في سوريا والعراق وبعض دول الثورات . يجب تجريم هؤلاء المتأسلمين بتدخلهم في شؤون دول غير دولهم ومنعهم من الظهور، وعدم التساهل معهم في تنمية وتغذية فكرهم المتطرف وإظهاره بالمظهر الحسن والتبرير للأفعال الشنيعة لتلك الجماعات، والأمثلة كثيرة على هؤلاء فمنهم من ألف كتاب "أسئلة الثورة" ومن بارك الثورات العربية التخريبية ومن خرجوا وأداروا تلك الثورات، فهم مدانون وهم سبب رئيسي في الدمار وسفك دماء المسلمين .
من جانبه يقول الشيخ طالب الشحي: بالفعل أصبحت كافة المجتمعات متأثرة بشكل كبير بوسائل الإعلام وما تبثه ويترك أثره على فكر وسلوك الإنسان، بل أصبحت تلك القنوات مصدراً يعتمده الناس للمعرفة وكذلك لأحكام الشريعة والقانون بناء على وجهات نظر ودون الاستناد إلى مراجع .
ويحذر الشحي: للأسف معظمها قائم لأهداف فكرية منحرفة أو مكاسب مادية غاب عنها الحفاظ على الضروريات الخمس (الدينُ، وَالنفْسُ، وَالنسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمالُ)، ويقول الشاطبي في (الاعتصام): إِن الْكَبَائِرَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الإِخلال بِ الضرُورِياتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُل مِلة؛ وَهِيَ: الدينُ، وَالنفْسُ، وَالنسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمالُ . أه .
ويضيف الشحي: ها نحن اليوم نشاهد واقعاً مريراً للإعلام في زمن كثرت فيه الصراعات، وتنوعت الفتن من أخبار كاذبة وتضخيم لخبر، لغايات سياسية وفكرية وتقارير زائفة لا تخدم إلا توجهات فئة ضالة منحرفة مثلما الحال في هذا الموضوع . وتنوعت أساليبهم في كيفية جذب المشاهد والمستمع من خلال استغلال الجانب العاطفي وشرح النصوص الشرعية وفق توجهاتهم ومذاهبهم الخاصة . أضف لهذا الواقع المرير تصدُر هؤلاء المدَعين للعلم والمعرفة لهذه القنوات ليدسوا سمهم معتقدين أنه الحقيقة، لكنهم في النهاية مجرد دعاة فتنة وضلال لا همّ لهم سوى نصرة حزبهم وجماعتهم وتحقيق مصالح شخصية وسياسية .
ويستعين في حديثه بقول: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِن أَمَامَ الدجالِ سِنِينَ خَداعَةً، يُكَذبُ فِيهَا الصادِقُ، وَيُصَدقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُخَونُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيَتَكَلمُ فِيهَا الروَيْبِضَةُ، قِيلَ: وَمَا الروَيْبِضَةُ ؟ قَالَ : الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلمُ فِي أَمْرِ الْعَامةِ) .
ويكمل الشحي: لقد بين علماؤنا عمن نأخذ العلم فقال الإمام النووي: "ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: (هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) .
كان لزاماً على الأسرة العربية وأصحاب التوجيه والتعليم أن يوضحوا الصحيح من السقيم للشباب الذين أصبحوا الفريسة الأولى لتلك القنوات، يسمعون لهؤلاء الدعاة، فانتشر التطرف ووقعوا في الفخ معتقدين أن ما يقال من خطب ودعاوى وفتاوى هو الحقيقة .

الإعلام مسؤولية

على جانب آخر يتحدث بعض المتخصصين في الإعلام من أساتذة ومسؤولي محطات تلفزيونية، حيث يقول علي عبيد الهاملي مدير مركز الأخبار بمؤسسة دبي للإعلام: أصبحت تلك القنوات تفرق الأمة أكثر مما تجمعها، وهي تنافس بقوة قنوات المنوعات وبرامجها العامة والمختلفة . الجماعات الإسلامية لها مخطط وأجندة لتوصيل رسالة للشعوب الإسلامية، ولم تكن من قبل بهذا الشكل المستفز بل كانت معتدلة وقليلة، وأعتقد أننا مع بداية الألفية الثالثة واحتلال العراق وظهور مشاكل بين السنة والشيعة، أصبح هناك غزارة وتضاعف لتلك القنوات إلى عشرات الأضعاف لتمارس دورها السلبي على المشاهد والأمة العربية والإسلامية وإحداث بلبلة .
ويكمل الهاملي: الآن أصبحنا أمام واقع أكثر مرارة بوجود جماعات إرهابية مسلحة أمثال "داعش، جيش النصرة، بيت المقدس، وغيرها" من الجماعات التخريبية، وبذكر "داعش" أرى أنهم على وشك إنشاء محطة تلفزيونية كاملة لعرض ما يحلو لهم ونشر أفكارهم مباشرة دون الحاجة لأشخاص كستار لهم، خصوصاً بعد بثهم الإذاعي من الموصل لساعات معينة في الصباح، ومع امتلاك كوادر وتقنيين في مجال الإعلام تؤكدها بعض مقاطعهم المصورة بدقة التي تعرض على بعض هذه القنوات أو على الإنترنت .
وينهي الهاملي: أنا ضد فكرة وجود قناة دينية وغير دينية، لأن الدين في النهاية حياة وكل ما يتعلق بالحياة دين، ومنذ بداية التلفاز وهناك برامج متنوعة كانت للفتاوى والوعظ الديني ولم تكن بهذا التطرف، أما مع وجود برنامج أو قناة لكل جماعة إسلامية متطرفة تمتلك أجندة خاصة وفكراً معيناً، فذلك سيؤثر في النهاية على الأمة الإسلامية بالسلب والتدمير والخراب مثلما نلاحظ في العديد من دول "الدمار العربي" أو كما يطلقون عليه الربيع العربي .
"تأثير تلك القنوات يكون فعالاً على أشخاص ليس لديهم خلفية بتلك الجماعات المتطرفة ومعلوماتهم سطحية، ولن تؤثر نهائياً على متخذي القرار والمثقفين والمهتمين والباحثين في شؤونهم، ويأتي هذا التأثير عن طريق استثارة العاطفة الدينية لدى هؤلاء الأشخاص خصوصاً الشباب المنغلق" هكذا يبدأ عبد الرحيم البطيح الإعلامي ومدير إدارة شؤون الخدمة العامة بمؤسسة أبوظبي للإعلام كلامه ويكمل: دعاة الفتنة أو بالمصطلح الأدق "صنايعية الفتوى"، ليسوا إلا أداة في أيدي تلك الجماعات تحركهم أينما وكيفما شاءت، بالتبرير وترويج لأفكار لا علاقة لها بالدين الإسلامي الوسطي، وبالتالي يتوجب على كافة الدول التي تٌبَثُ منها تلك البرامج بتقنين ظهور هؤلاء "المضللين" وعملية الإفتاء بشكل عام، خصوصاً وأن تلك المحطات والبرامج التلفزيونية المهتمة بالجانب الديني معظمها يمتلك أجندة خاصة يريد زعماء الجماعات المتطرفة الإرهابية تطبيقها في عالمنا العربي عن طريق "صنايعية الفتوى" .
وعن فكرة مواجهة هؤلاء المدعين يؤكد البطيح: لابد وأن نرد عليهم بالحجة والدليل المعتدل والموضوعية وأيضاً بالمنطق، وهو أهم شيء خصوصاً وأنهم يخاطبون عقولاً مفخخة لفئة من شبابنا العربي تصدقهم بدافع العاطفة الدينية، لذا يجب أن يكون الرد منطقياً ليعي الشاب الحقيقة ولا ينساق وراءهم ونجد كل يوم شاباً متبعاً لتلك التنظيمات التخريبية .
وقبل أن ينهي البطيح حديثه ويشير إلى امتلاك تلك الجماعات و"داعش" تحديداً لإذاعة مسموعة بالعراق، وإن دل الأمر على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء لديهم أجندات خاصة ويريدون وعاء يبثون من خلاله أفكارهم السامة المدمرة للعقول الضعيفة، ومن المؤكد أن هناك دعماً سياسياً لهم لخلق فوضى وذعر بالدول الإسلامية .
د .أبو بكر محمد حسين أستاذ محاضر بكلية الإعلام جامعة "الجزيرة" بدبي، الخبير الإعلامي لمنظمة الأسرة العربية، والمستشار الإعلامي لجائزة سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم يقول: بلا نقاش الإعلام هو الحلقة الأقوى في حياتنا وسيف العصر، وقد يستخدم بصور إيجابية ذات هدف سام ونبيل، أو على النقيض يستخدم بصورة سلبية وبالتالي يكون فاقداً لمصداقيته وقيمه وأدبياته، وهذا ما يحدث الآن، وهو ما اعتبره تلوثاً فكرياً من وسائل إعلام هادمة تدعم بعض المأجورين المسيئين للإسلام من خلال برامجهم .
يكمل د . حسين: يجب أن تكون مضامين وأساسيات رسالة الإعلام الإسلامي أو الديني بشكل عام مشتملة على الوسطية والمصداقية والتأكيد بأن الإسلام دين تسامح ومحبة، ولنتخذ من الإعلام الإماراتي بكافة أنواعه "مرئي، مسموع، ومقروء" مثالاً باعتباره إعلاماً متوازناً وسطياً منسجماً تماماً مع القيم والعادات الإسلامية السمحة، وهذا يدل على أنه نابع من استراتيجية الدولة المعززة للسلام العالمي والتعايش السلمي ونشر ثقافة تقارب الشعوب . لذلك فإن ما يحدث من تطرف وتعصب وإرهاب ديني من خلال بعض الجماعات المارقة وترويج بعض القنوات والبلدان - غير المنتمية للدين الإسلامي سوى بالاسم فقط- لأفكارهم الهدامة ما هو إلا تلوث فكري يسيء للعالم الإسلامي بشكل عام .
ويضيف: يجب أن نجعل من الخطاب الإعلامي الديني رسالة حب تعزز قيم الإسلام الفاضلة السمحة، وتعزيزه ودعمه من خلال أطروحات وبرامج مشيخة الأزهر الشريف باعتبارها المرجعية الدينية الوسطية في العالم الإسلامي، لكن للأسف هذا لا يحدث كثيراً لوجود بعض المحطات التي تعزز ذلك الخطاب الهدام وتلعب دوراً قوياً في نشر الفوضى دون معرفة المعنى الحقيقي لكلمة "إسلام" .

خطط ومشروعات وطنية

"أرى أن متابعي تلك القنوات وأقصد بها الدينية أقل بكثير من متابعي القنوات الهابطة الأخرى، وبالتالي ليست وحدها المسؤولة عن التطرف الديني الموجود على الساحة أو انتشار الإرهاب" . هكذا تجيب الأستاذة المساعدة بقسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات الإعلامية د .حصة لوتاه على فكرة انتشار الجماعات الإرهابية وزيادة التطرف الديني على الساحة العربية والإسلامية .
وتكمل: السبب الرئيسي في وجود تلك الجماعات يعود إلى الخلل في الدول التي تظهر بداخلها، والتدخلات الأجنبية في شؤون هذه الدول أيضاً . وتضرب لوتاه مثلاً بمصر لتؤكد "أن الأزمات الاقتصادية والوضع السيئ وحالة الفساد التي تواجدت في مصر في العهد القديم أجبرت الشعب على فكرة التغيير وبالطبع ما أجمل أن يكون ذا طابع إسلامي للرد على الفساد ومحاربته، ولم يتخيل لهم أن هؤلاء الذين يتخذون الدين الإسلامي ستاراً، لهم أهداف سياسية أهم من الشعب نفسه، وبالتالي جاء "الإخوان المسلمون" نتيجة لخلل في النظام القديم وكبديل للفساد مثلما رآهم الشعب . أيضاً التطرف الموجود في اليمن بشكل كبير هذه الفترة سببه خلل في النظام اليمني من جوع وفقر شديد، كان نتيجته الانتقام وتطرف وشرود البعض .
وتضيف لوتاه: إذا كانت القنوات الدينية هي سبب هذا الإرهاب فلماذا لا يتم الوقوف ضدهم ببرامج معتدلة وبطريقة مدروسة بدلاً من الأسلوب الركيك الموجود في بعض البرامج، وعدم إعطاء كل الاهتمام للإعلام الفاسد الهابط، مثلما نرى في مصر الآن بعد أن كانت في ستينات القرن الماضي الأولى إعلامياً؟ يجب الوقوف ضد هؤلاء بعقلانية وخطط ومشروعات وطنية، خصوصاً وأن خروجهم جاء كبديل لمجتمعات وأنظمة فاسدة، وفي النهاية المستفيد الأول والأخير هم الصهاينة الذين يتمنون ما يحدث الآن والذي لم نره طوال حياتنا في الوطن العربي، مثل المشاكل الموجودة في العراق بين السنة والشيعة، وقضايا الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وبهذا يفعلون ما يشاؤون هم وحلفاؤهم .
وأخيراً تؤكد لوتاه: لا بد من كشف تلك المنظمات الإرهابية ومعرفة أجنداتهم ومموليهم باجتماع طارئ لكل الدول العربية، وعمل مشروع وطني للتصدي لأفكارهم المدمرة حيث ينتظر ممولوهم في النهاية الهجوم على الإسلام بشكل عام، ووضع الإسلاميين في جانب الإرهاب وتمزيق العالم الإسلامي لفعل ما يحلو لهم ونكون في صراع دائم .
من جانبها تقول د .عزة عبد العظيم محمد أستاذ الإعلام بجامعة أبو ظبي: لا شك أن للقنوات الدينية تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على فكر وعقل كثير من الشباب، لكن وجود صلة أو عدم وجود صلة بين انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة وهذه القنوات الدينية أمر لا يمكن الجزم به إلا من خلال دراسات مكثفة عن عادات مشاهدة هذه القنوات من قبل أعضاء هذه الجماعات، وهو ما أعتقد أنه من الصعوبة بمكان إجراء مثل هذه الدراسات .
وتوضح د . عزة "أن الإعلام الرسمي وغير الرسمي بإمكانه مواجهة هذه الجماعات الإرهابية عن طريق وضع استراتيجية مدروسة وواضحة وقابلة للتنفيذ والمتابعة، للحد من نشر الأفكار المتطرفة، وكذلك بث البرامج الدينية المعتدلة التي يقدمها أو يكون ضيوفها من أهل الرأي والعلم والدين، كذلك يجب أن يدرك الإعلاميون جميعاً أن دورهم لا يقتصر فقط على نقل المعلومة بل الأهم التأكد منها قبل نشرها حتى لا نكون أداة من أدوات هذه الجماعات المتطرفة التي تهدف إلى نشر الفتنة بين فئات الشعوب العربية والإسلامية، فما يجري الآن في معظم القنوات هو إعادة بث ما تريده هذه الجماعات دون معرفة مصدر المعلومة أو إدراك مدى تأثير ما تبثه من شرائط مصورة قد تكون مفبركة أو حتى حقيقية على معنويات أفراد الشعب أو الجيش، وهذا أسلوب غير مهني" .
وعن فكرة إطلاق "داعش" لإذاعة في العراق تقول: "داعش" جماعة إرهابية متطرفة، ولا أعتقد أنه إلى الآن مصدرها أو ممولوها أو حتى أهدافها، ولكنها تدرك تماماً تأثير الإعلام فجعلته من البداية أحد أسلحتها لنشر الدعاية التي يطلق عليها "السوداء" لأنها مجهولة المصدر والتي تنشر أكاذيب وتخلط الحقائق لتشويش الرأي العام وإحداث بلبلة متعمدة، لكنني أرى أنها تستهدف بث الرعب بين أفراد الشعوب العربية والإسلامية والتشكيك في قدرات قواتها المسلحة في التصدي لهجماتها العشوائية -إن صح التعبير-، وللأسف مع التطور التكنولوجي الهائل يمكن لأي جماعة بث ما يحلو لها من برامج وأفلام عبر الإنترنت وهو أمر لا يمكن التصدي له إلا بالدعاية "المضادة" التي تقوي الثقة في أن هذه الجماعات إرهابية ولا يجوز اعتبارها تهديداً حقيقياً لأي شعب أو أمة .
وتختم د .عزة عبد العظيم حديثها: بشكل عام، يجب إعادة النظر في منظومة الإعلام العربي والإسلامي ككل، وتغيير شكل البرامج المستوردة حرفياً من تلفزيونات غربية، ويجب أن يتحمل الإعلام مسؤولياته نحو المجتمع والأفراد، فيسمو بعقول الأفراد ويحثهم على العمل وتحدي صعوبات الحياة بتقديم أفكار جديدة وبناءة بدلاً من برامج المسابقات التي ترغب الشباب في الربح السريع بدون مجهود، وعلى الإعلام أن يبث الإنجازات بدلاً من الإشاعات المغرضة، وأن يكون له دور واضح وجريء في تعبئة الجماهير العربية ضد أي محاولة للنيل من وحدة صفوفها وثقتها في قيادتها، فللإعلام دور مهم وخطير في وقت الأزمات وما يحدث الآن هو بعيد كل البعد عن آليات العمل الإعلامي الوطني والمهني .

أهداف سياسية

أما د .محمد المطوع أستاذ علم الاجتماع السياسي فيقول: يجب معرفة أسباب تلك الظاهرة، التي انتشرت في معظم البلدان العربية، ومن وجهة نظري أن تلك الجماعات هي صناعة بعض الدول التي تريد إحداث بلبلة في الوطن العربي، فدائما ما تجد من لا يستطيع مواجهة الدولة وبالتالي يحتاج لقوة أكبر من سلطاتها وهي قوة الدين والتفسيرات الخاطئة القادرة على التأثير في الجميع .
ويكمل المطوع: علينا أن نعود مرة أخرى إلى مذهبنا الوسطي المعتدل والذي تم محوه تماماً من مناهجنا وأصبح مجرد ذكريات، خصوصاً مع انتشار تلك القنوات، وأيضاً لأن الكثير من الدول التي ظهرت فيها تلك الجماعات الإرهابية قد أعطتهم فرصة من ذهب للسيطرة على أهم وزارات الدولة وهي التربية والتعليم، وبالتالي أخذت تبث سمها في الطلبة والطالبات ومن هنا تأتي الخطورة .
أما عن كون الفضائيات الدينية سبباً في انتشارهم فيجيب المطوع: لا نستطيع أن نؤكد أو ننفي تأثير تلك المحطات على عقول الشباب والجيل الجديد، لكنها أداة لتأكيد وجهات نظر تلك الجماعات المتطرفة من خلال الوقوف إلى جانبهم فيما يفعلون وتبرير بعض من أفعالهم .
وعن فكرة محاربة تلك الجماعات والتصدي لهم يؤكد المطوع: يجب إعطاء فرصة لرجال الدين المعتدلين لشرح الآيات وتوجيه الشباب والجيل القادم بتعاليم الدين الوسطي، حيث يكون هناك خطة عشرية لتربية الجيل الجديد، خصوصاً وأن الشباب والجيل الحالي قد حدد توجهاته، وأصبح من الصعب بل من المستحيل أن يغير أفكاره واتجاهاته مجدداً . ومن الأفضل أن نترك تلك البرامج تعمل في النور وأمام الجميع بدلاً من أن تعاود نشاطها مجدداً وتعمل في الخفاء مثلما كانت تفعل كلما كانت مهمة رجال الدين الوسطي المعتدل سهلة وبسيطة في مواجهتهم والرد عليهم ومقابلتهم بالحجة، وبالقرآن الكريم والتفسيرات الصحيحة، وليس تفسيراتهم التي يأتون بها من خيالهم، وعلى الجميع الوقوف والتصدي لهؤلاء بالحجة والدليل وإعطاء فرصة لظهور البرامج الدينية الوسطية وأهل الدين والمعرفة المعتدلين على الشاشات ولكن بنسب عادية مثلها مثل أي برامج أخرى حتى لا نعطي هؤلاء الإرهابيين حجماً أكثر من حجمهم الطبيعي، وهذه الجماعات مؤقتة وستنتهي .
من جهته يقول د .محمد بن هويدن أستاذ مشارك بقسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات: الإعلام أداة هامة في يد كل من يحمل فكرة أو مشروعاً أياً كان سلبياً أو إيجابياً، وبالتالي تلعب وسائل الإعلام دوراً رئيسياً في الترويج للجماعات المتطرفة خصوصاً الوسائل الحديثة "تويتر"، "فيس بوك"، فالقنوات التلفزيونية والبرامج الدينية تلعب دوراً مهماً بمشاركة بعض الدعاة والشيوخ المعروفين "بشيوخ الفتنة" في انتشار مثل هذه الجماعات، التي ظهرت اليوم أكثر من الماضي، لكنها قامت بإحداث فتن، ونزاعات طائفية.
ويكمل بن هويدن: هذه القنوات تعتبر عاملاً مساعداً في تجنيد بعض الشباب من الجيل الحالي في صفوف الجماعات، عن طريق محاولة تغيير طريقة تفكير الجيل الجديد ببث السموم والأفكار الزائفة لذلك يجب توفير نموذج إيجابي من قبل وسائل الإعلام للترويج للفكر المعتدل والإسلام والدين الوسطي .

الوعي الفكري

من ناحيته يقول الكاتب والمسرحي حميد سمبيج: هناك تحد كبير يواجه المواطن العربي لتغيير ثقافاته وأفكاره، ويلعب الإعلام فيه دوراً كبيراً من خلال بعض المحطات والقنوات الفضائية، وبالتالي يجب أن يكون لدى المواطن العربي وعي كاف بتعاليم ديننا الحنيف أكثر مما نحن عليه الآن .
ويؤكد سمبيج: "شيوخ الفتنة" أصبحوا ممقوتين ويعرفهم الجميع، كلامهم فارغ، ومن هنا أعتقد أن إنشاءهم لمحطة إذاعية وقرارهم عمل محطة تلفزيونية لبث أفكارهم وثقافتهم، أكبر دليل على أن المواطن العربي أصبح أكثر وعياً ويدرك استغلالهم للدين، وبالتالي أصبحوا مكشوفين للجميع وسينكشفون أكثر عن طريق تلك المحطة خصوصاً مع نشر أفكارهم وتفسيراتهم الشاذة وغير المقبولة .
وينهي سمبيج حديثه: المهم الاستعانة بالمفكرين، الأدباء، المثقفين، والكفاءات العربية وعلماء الدين الوسطيين، وتطوير المنتجات الإعلامية بمختلف أشكالها، وأن يكون هناك تخصص في الإعلام، وأن يكون الإعلامي مثقفاً واعياً مدركاً لما يحدث حوله في الخارج وعدم استيراده للتكنولوجيا بل تصنيعه لها أو عن طريق إظهار الكفاءات العربية واستغلالها، وبجانب كون الإعلام من أسباب تفشي تلك الجماعات هناك أيضاً جزء كبير يقع على المسرحيين وكتاب الدراما بأن يتصدوا لتلك الأفكار بأعمالهم وإبداعاتهم .

تكاتف مطلوب

رأي الشارع لا يختلف عن الآراء السابقة، حيث يقول يوسف نواصره: التلفزيون والقنوات الفضائية لها أثر كبير على عقول الشباب وساهمت بشكل مباشر في تكوين الأفكار والعقول، وعلى الإعلام العربي التوقف عن السماح لتلك القنوات بالبث، وإظهار الدعاة والشيوخ الوسطيين الذين يدعون للدين من أجل الدين، لا من أجل الدولة وعدم خلط الدين بالسياسة، وتقنين عدد القنوات والمحطات الإذاعية خصوصاً بعد أن أصبح إنشاء فضائية لا يكلف الكثير .
أما تامر بدراوي فيقول: بكل تأكيد تلك القنوات الدينية أثرت على عقول الكثير من الشباب وانجرفوا نحو أفكارها الهدامة، خصوصاً وأننا كشعوب عربية لدينا عاطفة كبيرة تجاه الدين والتدين، وأنا من الأشخاص الذين خٌدعت فيهم في أول ظهورهم إلا أنهم في الحقيقة مجرد دعاة للفتنة . لذا يجب الدفاع عن ديننا وتعليم أجيال المستقبل الدين الصحيح والتفسيرات المؤكدة لكتاب الله، إلى جانب ظهور قنوات وسطية تدعو إلى ذلك خصوصاً مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي يبث المتطرفين من خلالها سمومهم .
سعود النقبي يرى أنه: "لابد من وقفة أمام تلك الجماعات "البربرية الهمجية"، التي تظهر كل فترة، تارة باسم "بيت المقدس"، وأخرى تنظيم "القاعدة" والآن "داعش"، إلى متى سيتسمر هؤلاء في تشويه الدين الإسلامي بمساعدة بعض القنوات والمحطات الفضائية التي تروج لهم ولأفكارهم التخريبية؟ يجب القضاء عليهم بتكاتف الجهود، وعدم إعطائهم الفرصة للظهور على الشاشة، بل إعطاء فرصة للشباب الواعي المثقف دينياً بالظهور، حتى يخرج جيل جديد يعلم معنى كلمة إسلام، ولا يصنفنا الغرب على أننا كمسلمين جميعنا إرهابيون متطرفون" .
يقول هشام أيوب: ليست كل القنوات الدينية محرضة على التطرف، فهناك قنوات وسطية تتحدث عن الدين المعتدل، لكنها قليلة مقارنة بالأخرى، فهل الدين يدعو إلى القتل الذي نراه يومياً في سوريا والعراق والعديد من الدول العربية والإفريقية التي تتواجد فيها تلك الجماعات؟
علينا أن نتحد لمواجهة هؤلاء المتطرفين وهم الوجه الآخر لليهود، حتى نقضي عليهم .

متخصصون أردنيون: الحل بالميثاق ومنع التحريض
عمّان - "الخليج":

لا تمنح هيئة تنظيم الإعلام الأردنية "المرئي والمسموع والمطبوعات والنشر" الترخيص لقنوات دينية ذات توجهات "تحريضية"، وتُلاحق بالتنسيق مع أطراف حكومية الفضائيات قضائياً حال بثها التشدد والتطرف، الأمر الذي اعتبره متخصصون أسهم في تلافي ممارسات متمادية رُصدت في أقطار عربية، مطالبين في المقابل بميثاق للمهنة يضمن عدم تسجيل تجاوزات لاحقة .
وحسب معلومات رسمية فإن 47 قناة مرئية حصلت على تصاريح بث رئيس أو فرعي منذ بدء الهيئة عملها عام 2003 حتى الآن، ليس بينها دينية باستثناء واحدة تقتصر على القرآن الكريم وعلومه فقط، فيما أُغلقت بعضها لأسباب مختلفة منها اختراق العادات والتقاليد وترويج السحر والشعوذة، فضلاً عن مخالفات أمنية طالت مؤخراً فرع محطة عربية في عمّان بلا ترخيص .
ووفقاً للمعلومات فقد حصلت قناة يرأس مجلس إدارتها قيادي إسلامي على موافقة مبدئية للبث عبر الإنترنت على اعتبارها ليست دينية وإنما "اجتماعية سياحية ثقافية مُنوّعة"، قبل تقديمها خلال فترة الترويج التجريبي خطاباً مغايراً قصد "مدح وتمجيد" جماعة محددة، وانحاز جهة "إخوان" مصر لاسيما حيال أحداث ميدانية سبقت ولازمت وتلت "30 يونيو" السنة الماضية ما استدعى وقف منحها الترخيص في الأردن .
يؤكد رئيس الهيئة أمجد القاضي في جميع ملتقيات توقيع مذكرات التفاهم مع قنوات جديدة وأخرى تُطِلق بثاً إضافياً من المملكة، ضرورة الالتزام بمعايير المهنة من دون الجنوح إلى برامج وأعمال تحرّض على الفتنة والغلو والتشدد، فضلاً على مراعاة الأمور الدينية والتربوية من دون مساس وتجنب الخروج عن السياق المُعتدل .
من جهته يلفت الإعلامي رسمي محاسنة مدير المصنفات الفنية في الهيئة إلى عدم السماح بترخيص قناة مرئية ولا إذاعية تحمل صبغة دينية أُحادية، تنطوي على التطرف وشحن النفوس لمصلحة جماعة أو طائفة أو مذهب ضد فريق آخر .
ويقول: في الأردن وضعنا حداً للأمر منذ البداية ولم ندخل في مهاترات أو انجراف سلبي من هذا النوع، ورغم أننا لم نرصد حتى الآن تجاوزات دينية متشددة على الفضائيات المُرخّصة فإن المتابعة مُستمرة ولن نتردد في اتخاذ إجراءات صارمة فورية حال تسجيل تمادٍ، بما في ذلك وقف البث وإغلاق القناة والاحالة إلى القضاء وفقاً للقانون . ويشير محاسنة إلى انسحاب الأمر كذلك على الأفلام السينمائية بحيث لا تمر أعمال في دور العرض الأردنية تحمل مفاهيم تدعم التشدد الديني والانتقاص من الإسلام أو المسيحية أو تبث العداء وتعمد إلى "غسل أدمغة" الشباب عبر الترفيه .
ويضيف مدير المصنفات الفنية: لا يستقيم الحديث عن حرية التعبير عند تقديم خطاب "تكفيري" متطرف غايته محاولة استغلال شاشة التلفزيون من أجل بث سموم فكرية تتغلل إلى ممارسات خطرة على أرض الواقع، وقد انعكس ذلك فعلياً على بعض الشباب الذين انضموا إلى جماعات "القتل" باسم الدين وتحوّلوا إلى عناصر للإرهاب، وعليه فإن لجم أصوات نافرة تقود إلى الفتن ضرورة حتمية .
ويتابع: لقد تحوّل بعض من يصدّرون أنفسهم على أنهم "مشايخ" إلى نجوم على الفضائيات يطلقون الفتاوى الغريبة باسم الدين وينتهجون الإساءة للمُوَاطنة ويزرعون الفُرقة ويثيرون "القلاقل" في المجتمع، وأمثال هؤلاء يجب منعهم تماماً من الظهور .
يرى محاسنة الحل الأجدر من أجل تطويق الأمر يتلخص في وضع ميثاق شرف إعلامي يجمع القنوات مع جهات مسؤولة ويُفصّل آلية الضوابط الواجب عدم تجاوزها حيال قضية التشدد الديني مع تحديد العقوبات المُتخذة وعدم التردد في تطبيقها .
ويضيف: لستُ مع فتح المجال أمام تشريعات مُقيّدة للإعلام في الدستور لأنها قد تكون مدخلاً لاستغلال بعض السلطات الأمر في تقليص الحريات السياسية، فيما الميثاق المُلزم لا ينطوي على تعسف مُحتمل ويكفل عبر مرجعيته المستندة إلى خبراء لفظ "التكفيريين" على الفضائيات سواء باطلالاتهم أو بث أفكارهم بطرق غير مباشرة .
د . عادل الحافي نائب مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية يقول: لقد عشنا وسط فوضى من الأفكار الدينية التي عرضتها القنوات وبعدما حارب بعض الواعظين التقليديين "الفضائيات" أصبحوا فجأة يتصدّرون المشهد، وقد استغل الأمر من لديهم مآرب تشويه الاعتدال في ظهورهم المتكرر وإطلاق قنوات تبدو في ظاهرها تحث على الفضيلة، بينما تحمل في حقيقتها رسائل مخيفة .
يسترسل الحافي: المعضلة تتخطى الإعلام المرئي إلى الخطاب الديني نفسه، ويجب الارتكاز بداية على أن الحرية أساس الفكر السليم وهي مفقودة في أغلب مجتمعاتنا لذلك أصبح هناك من يستطيعون ترويج الدين على أنه عبادة للنصوص بدلاً من فتح مساحة لحرية التفكير، ويستغلون بعض "الانغلاق" في تسويق شعارات ومفاهيم يمكن تركها تداعيات على التصرفات، سواء بالانتقاص من "المختلفين" معهم والتحريض ضدهم أو البحث عن توجّهات في غير محلها بوصفها طريق الخلاص .
ويردف: لابد من العمل على وضع منظومة القيم الدينية التي يستند إليها من يعملون في القنوات الفضائية والإعلام عموماً، خصوصاً الديني منه لما له من تأثير كبير في الشباب بدءاً من الحث على التقريب بين الناس من دون تفرقة عرقية أو دينية ودعم إظهار التسامح والوسطية عبر برامج قادرة على استقطاب الجيل الحالي والتخلي عن سواها المرتهنة لأغراض ضالة في ثوب الرشاد .
الحافي يؤكد: علينا أن ندرك جميعاً خطورة طرح أفكار مُشوّهة عن الإسلام سواء على حياة أبنائنا مباشرة أو تداعيات بث الكراهية المتزايدة المؤدية إلى البحث عن منافذ أخرى ربما تقود إلى طرق وعرة، لاسيما في ظل وجود جماعات تمارس القتل والتدمير باسم الدين تجعل بعض المترددين من شبابنا بين امكانية الالتحاق فيها لدواع مختلفة، أو الانتقال صوب توجه معاكس يفوق التوازن إلى رفض كل ما يتعلق بالعقيدة والشريعة .
يؤيد د . محمد السميران نائب رئيس جامعة "آل البيت لشؤون الكليات الإنسانية" وضع من ينشرون التشدد والإساءة والتشويه الديني عبر الإعلام تحت طائلة القانون والردع علناً من أجل عدم السماح بتوسيع دائرة الفكر المتطرف الهادم للتنوير والوسطية والاعتدال .
ويقول: إن هذه المجموعات المتشددة التي تطلق توجهات غير سوية عبر برامج وقنوات مختلفة تفتح المجال أمام مخاطر عدة تتجاوز حرية الرأي إلى الحث على القتل والحرب وتدمير المجتمعات والترهيب بما يتنافى تماماً مع قيم التسامح والمحبة والعدل في الإسلام، ولذلك لابد من تحركٍ متوازٍ خطه الأول وضع حدٍ لنماذج مشابهة وهذا لا يُعد سيطرة على الإعلام، وثانياً تحصين النشئ عن طريق التوعية المدرسية والجامعية والأسرية القويمة .
ويزيد: يجب على وسائل الإعلام المرئية المعتدلة أن تطرح برامج وسطية تدحض ما تركته سواها من تداعيات الوصول السياسي عبر الدين، وفتح المجال أمام وجوه محل ثقة ذات خطابٍ متزن قادرة على لفظ غيرها التي طرحت التهديد والوعيد والتعصب، مع التأكيد على الصورة الصحيحة للإسلام ورفض إراقة الدماء وترسيخ اتباع التثقيف والموعظة الحسنة .
الكاتب الصحفي في يومية "الدستور" رحيل الغرايبة الذي فصلته جماعة الإخوان المسلمين من عضويتها إزاء طرحه مع آخرين مبادرة سياسية اجتماعية إعلامية تجمع كافة الأطياف ضد التشدد، يؤكد أن هناك قنوات فضائية تنافست في تحويل البشر إلى "قنابل متفجرة" و"ألغام تمشي على الأرض" من دون مراعاة حرمة النفس البشرية ولا قدسية الأماكن، وذلك من خلال خطاب محوره التحريض واستخدام "لغة القتل" والدم والتصفية الجسدية تحت غطاء ديني وفكري .
ويرى الغرايبة أن من افرازات ذلك الخطاب المتطرف ما يحدث في العراق وسوريا من "حرب مجنونة بلا أفق ولا نهاية واضحة"، بعد إطلاق العنان لأصوات الكراهية المُدّعمة عبر القنوات المرئية بعيداً عن جميع الضوابط الدينية الحقيقية ولا الأخلاقية ولا الإنسانية، وانتهاج الفتنة والتعصب الأسود نحو انفجار مملوء بالأحقاد التي لا تمت للإسلام بصلة .
ينتقد الغرايبة من يزعمون انتسابهم إلى الفضيلة الدينية فيما يمارسون على الإعلام المرئي أساليب التمييز العنصري والتفرقة على أساس اللون والدين والمذهب، واستخدام "الهمز واللمز" للانتقاص والحط من كرامة الآخرين بما لا يستقيم نهائياً مع تعاليم مبدئية، فضلاً عن إطلاقهم أوصافاً لا تليق إنسانياً واللجوء إلى التحشيد والشتائم، مؤكداً وجوب عدم منح فرص لهؤلاء لأنهم يثيرون البغضاء ويعكسون صورة مغلوطة .
في المقابل يؤيد الغرايبة صياغة ميثاق إعلامي يحرّم الإساءة ويجرّم التحريض ويمنع خطاب الكراهية ويحول دون احداث الفتنة الدينية والتفرقة الاجتماعية، من أجل بناء مجتمع نظيف مع ضرورة تعليم الأجيال الناشئة أساليب التعايش وتقبّل الآخر ورفض التعصب والتشدد ضمن نسيج يلفه التآلف .

ثلاثة محاور رئيسية

إبراهيم الرواشدة المُحاضر في كلية الإعلام والاتصال يحدد ثلاثة محاور رئيسية يُمكن الاستناد إليها من أجل منع "الاستغلال التجاري للدين وبتر رسائل التشدد والتكفير المرئية" قائلاً: أولاً لابد من إغلاق هذه القنوات عبر تدخل السلطات التشريعية لا التنفيذية، وبذلك نعود إلى من يمثل الشعب عن طريق البرلمانات وليس فرض الحكومة هيمنتها على الإعلام، وثانياً يجب وضع أسماء دعاة التحريض ضمن قوائم سوداء بحيث لا يرجعون إلى الشاشات حتى حال حصلوا على براءة قضائية لعدم كفاية الأدلة أو لإشكالات إجرائية، وثالثاً من الضروري طرح بدائل وسطية مُعتدلة سواء من خلال قنوات جامعة لا مُفرّقة أو برامج في فضائيات عامة .
ويؤكد الرواشدة أن الهجوم وحده وانتقاد تلك القنوات المتطرفة ليس كافياً طالما لم تتبعه خطوات وقرارات رسمية ضمن قوانين الإعلام تكفل عدم الخروج عن معايير دينية وسطية وإدراج ما يتجاوزها ضمن بنود أحكام الإرهاب، وإضافة أبحاث وموضوعات في المدارس والجامعات تؤسس الطلبة على لفظ خطاب التهديد والتحريض على الشاشات .