الشارقة - عثمان حسن:
ليس من باب الإنصاف فصل الكتابة كفعل إبداعي عن حياة الكاتب، وهذا دليل كبير وإشارة مهمة على أن الكتابة بالضرورة إنما تعبر عن مضمون وطرح فكري وأسلوب خاص بالكاتب، كما هي في بعدها العميق تجمع بين التجربة والإبداع والثقافة الشخصية، وهي بوح الكاتب للقارئ، ونافذة تكشف عن تطور التجربة وتلقيها في أفق عالمي رحب .
ما بدأ يأخذ حيزاً في الملتقيات والمؤتمرات التي تعالج موضوع السرد الأدبي وبخاصة الرواية والقصة، هو اهتمامها بموضوع "الشهادة الإبداعية" التي يقدمها في الغالب كتّاب مرموقون لهم باع طويل في تجربة الكتابة في بلدانهم، غالباً ما تكون هذه الشهادات مقرونة بقبس من حياة الكاتب الشخصية .
هذه الشهادات، تتباين، وربما تتقارب في بعض ما تتضمنه من آراء وأفكار إلا أن القاسم بينها بالتأكيد هو الإبداع، كونها تقدم دليلاً دامغاً على التجربة الشخصية لكاتب ما، وتوضح في الوقت نفسه الأبعاد الحقيقية التي تترك بصماتها خلف كل عمل أدبي يضعه الكاتب بين يدي قرائه .
لكن، ماذا عن اشتراطات الشهادة الإبداعية، وماذا يفترض أن تقدم للقارئ أو السامع من رصيد يخدم التجربة في بعدها الرصين، وماذا تقدم أيضاً من طرح له علاقة بخصوصية الكتابة كفن إبداعي، يحتاج إلى جلد وثقافة وكل ما له علاقة بعمق الرؤية عند هذا الكاتب أو ذاك؟
تشير بعض الكتابات إلى أن مفهوم الشهادة الأدبية ما زال ملتبساً بين السيرة الشخصية والأدبية، بين الحقيقة والخيال، بين التجربة الإبداعية والتنظير لها، وملتبسًا بقوة بين العام والخاص، فالشهادة الأدبية ليست وثيقة على الكتابة ولا على الكاتب نفسه، وإن ظلت تعيننا على فهم التجربة الإبداعية بالنظر إلى المحيطين الثقافي والاجتماعي لبيئة المبدع، جاءت تلك الملاحظة في وقائع جلسة متخصصة عن السرد الأدبي الجديد أدارتها الناقدة فريدة النقاش، ضمت نحو سبع شهادات لكتاب مصريين معروفين، ما رشح من تلك الجلسة يتلخص بمجموعة من الملاحظات المهمة أبرزها التأكيد أن الشهادة الأدبية ليست شيئاً كاملاً ونهائياً، وكأن لها انفلات الأدب ومراوغته، وكأنها شكل أدبي مختلف يدفعنا للتفكير بطريقة مختلفة في أنفسنا، من نحن؟، ما الذي تبقى منا في التجربة الإبداعية؟، لماذا نحن هكذا بالتحديد؟ هل نحب ما نحن عليه؟، ما الذي نريده من كوننا أدباء؟، ما نصيبنا في أن نكون أنفسنا؟
مثل هذه الآراء، قد تكون مبثوثة في كثير من الشهادات التي على كثرة ما تطرحه من أسئلة تظل مهمة في سياق ما تقدمه من فضاء جديد حول التجربة الشخصية للكاتب، حيث ترى الكاتبة سعاد العنزي في معرض تقديمها لشهادة عن تجربة الكاتبة بشرى خلفان أن الشهادة السردية مهمة جدا لأننا ونحن نعاني بعض النصوص الرديئة سرديا، نحتاج إلى مكاشفة بين المبدع والمتلقي، تبين لنا رؤية الكاتب، وهو يصوغ عمله السردي .
لكن، ماذا عن ماهية الشهادة الإبداعية؟ هل هي كتابة أخرى موازية للعمل الإبداعي نفسه، هل تجمع بين السيرة الذاتية للمبدع وبين التخييل الفني الأدبي؟، بعض الدراسات تؤكد هذا المنحى وتذهب أبعد من ذلك، بتأكيدها ضرورة أن تكون الشهادة مستوفية لبعض الشروط الإبداعية، وأن تقدم الحقيقة بسرد تخييلي مشوق كوسيلة للانحراف عن المألوف والتأثير عبر الوسيط الجمالي .
في شهادة للروائي السوداني أمير تاج السر يقول "الشهادة الإبداعية ليست في الأغلب كتابة سهلة أو معتادة بشدة، مثل كتابة القصة أو الرواية بالنسبة إلى الكاتب، فدائماً ما تتعسر كتابتها، وغالباً لا تبدو مثمرة أو طموحة حين تنجز أخيراً، ويقرؤها المشارك بسرعة وقلق، ولا يتنفس بارتياح حتى تنتهي، خاصة إذا كان هذا المشارك في بداياته لم تتضح بصماته بعد، لكن ماذا يمكن أن يقال في مثل هذه الشهادة؟" .
وهو يجيب بأن هناك عدداً من المبدعين الذين لم يتدربوا جيداً على استيعاب معنى تلك الشهادة، ومنهم من يظن أنها سيرة شخصية له تروُى بكل نجاحاتها وعثراتها أمام الناس .
مؤخراً تضمن ملتقى الشارقة الحادي عشر للسرد الذي خصص موضوعه الرئيسي حول الرواية على شهادات لأربع كاتبات من الكويت والجزائر والإمارات .
وقد أبرزت هذه الشهادات كثيراً من متعلقات الإبداع في جانبه الفكري ومفهومه الواسع الذي يتجاوز المحلية نحو فهم عالمي، وقد شكلت بحق مادة إبداعية خصبة يمكن تلخيصها في جملة من الإشارات المهمة من بينها أنه من دون محرض قوي على الكتابة، سوف تظل هذه الكتابات متأخرة، مسلوقة، قشرية، بمعنى أنها تلامس سطح الأشياء ولا تسبر أغوارها، هذا المحرض موجود عند فئة قليلة من الكتّاب ممن يساورهم قلق البحث عن ذواتهم في ظل عتمة الأشياء وضبابيتها، وفي ظل سطوة الرقيب، وهو رقيب داخلي، فرضته اشتراطات مجتمعية غير ثقافية على الإطلاق، وهي بالضرورة امتداد لفكرة الرقيب الخارجي الذي تؤطره إدارات وتفرضه سياسات تفرض شروطها على الإبداع؟، ولا ترخي له العنان لكي يحلق في فضاء المتعة والدهشة والحرية، هل لدينا رقباء على المتعة؟ وعلى الفن والإبداع، وأية رقابة هي تلك التي حدثت طويلاً؟ واحتكرت المزاج والذهن والتفكير والعاطفة وملكت الروح وأطرتها .