قال تعالى: "وأحصى كل شيء عدداً"، (سورة الجن الآية: 28) و"المحصي" هو اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه العالم بمقادير الحوادث جملة وتفصيلاً، والعالم بما يحيط به الخلق من علم، وبما لا يحيطون به، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو الشاهد على ما كان وما يكون، وهو الذي أحصى خلقه، وأحصى عليهم أعمالهم، البصير بالظواهر الخبير بالسرائر . قال تعالى: " إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، لقد أحصاهم وعدهم عداً"، (سورة مريم الآيتان: 93 -94) . أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم .
يذكر الدكتور أحمد عبده عوض في "موسوعة أسماء الله الحسنى"، أن الله تعالى أخبرنا بأنه سبحانه يحصي جميع أعمال العباد التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم من بعدهم، فيجزيهم على ذلك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وإن كل شيء أحصاه في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، وذلك قوله تعالى: " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"، ( سورة يس الآية: 12) .
ويخبرنا الله عن قدرته العظيمة حينما يوضع كتاب الأعمال يوم القيامة ،وذلك في قوله تعالى: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً"، (سورة الكهف الآية: 49) .

المبدئ المعيد

قال تعالى: "هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده"، (سورة الروم الآية: 27) . و"المبدئ المعيد" هما اسمان من أسماء الله الحسنى، والمبدئ معناه منشئ الأكوان، وموجدها من العدم، وهو الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وأنه كان ولا شيء قبله، ثم بدأ الخلق من العدم إلى الوجود فأحسن كل شيء خلقه بتقدير وتدبير وعلم، والمعيد معناه معيد الأشياء بعد فنائها، وأنه تعالى يعيد خلقه من بعد الحياة إلى الموت ثم يعيدهم من بعد الموت إلى الحياة .
ويقول الدكتور أحمد الشرباصي: إن المبدئ هو الذي بدأ الخلق وابتدأه، وأظهر جميع الخلق من العدم إلى الوجود ويذكر بعض العارفين أن اسم المبدئ له نور يشرق على قلوب المحبين، فيطيرون شوقاً إلى رب العالمين والمعيد في صفة الله تعالى هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات . ثم يعيدهم بعد الموت إلى الحياة . وقيل: هو الذي يعيد الخلق للحساب . ويحشرهم ويرفع عنهم الحجاب ويجازي كل مخلوق بعمله وقوله . ويحاسبه على نعمه وطوله . ويذهب الرازي وأصحابه إلى أن الله تبارك وتعالى يفني الأشياء ثم يعيدها بأعيانها . مستدلين بقوله تعالى: "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة" .
ويعرف الغزالي معنى المبدئ والمعيد ويفرق بينهما بقوله: المبدئ معناه الموجد .ولكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقاً بمثله سمي إبداءً، وإذا كان مسبوقاً بمثله سمي إعادة، والله تعالى بدأ خلق الناس، ثم هو الذي يعيدهم أي يحشرهم، والأشياء كلها منه بدت وإليه تعود، وبه بدئت وبه تعود .
فالمبدئ المعيد من صفات الله تعالى، أي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة، وهو المبدئ المعيد لأنه كما يقول الأصفهاني هو السبب في المبدأ والنهاية .

المحيي المميت

قال تعالى: "هو الذي يحيي ويميت"، (سورة غافر الآية: 68) . والمحيي المميت هما اسمان من أسماء الله الحسنى، والمحيي عز وجل هو باعث الحياة في المخلوقات فقد أحيا الخلق من العدم، ثم يحييهم من الموت عند البعث، وهو محيي القلوب بنور المعرفة والإيمان ومحيي الأرواح بنور المعرفة والإيمان، ومحيي الأرواح بأنوار المشاهدة والمكاشفة، وهو الذي يحيي الأرض بالماء فتنبت بالرزق، وهو الذي جعل من الماء كل شيء حي، والمميت جل جلاله هو من يسلب الحياة من خلقه بعد ما كتب عليهم الفناء، وينهي بالموت قوة الأقوياء، وهو الذي يجعل القلوب كالحجارة، لا رحمة فيها ولا نور، ويجعل الأرض ميتة لا نبات فيها ولا ثمار .
يقول الدكتور أحمد عبده عوض في "موسوعة أسماء الله الحسنى"، وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تفيد بأن الله تعالى بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره قال تعالى: "لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين"، (سورة الدخان الآية: 8) .
وهو تعالى يحيي الأرض بعد موتها، كذلك فهو القادر على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها، قال تعالى: "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير"، (سورة الروم الآية: 50) .
وقد أخبرنا عن قدرته على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون، وذلك قوله تعالى: " وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون"، (سورة الحجر الآية: 23) .
يختص هذان الاسمان بخواص عدة: الأولى: أن المحيي هو جاعل الخلق أحياء بإحداث الحياة فيهم، وأن المميت جاعل الخلق موتى بسلب الحياة منهم . الثانية: أن المحيي هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها الحياة، ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق، والمميت هو الذي يميت الأحياء، ويوهن بالموت قوة الأصحاء . الثالثة: أن المحيي والمميت في الحقيقة هو خالق الحياة والموت، وهو الله الذي لا يقدر على ذلك غيره . الرابعة: أن المحيي هو خالق الحياة ومعطيها لمن شاء، وهو المميت الذي أمات الجبابرة رحمة بأحبائه .