بيروت -جورج علم:
المكان: مدينة بعلبك . الزمان: مطلع ثلاثينات القرن الماضي . كان الياس النجّار، وهو شاعر زجلي معروف وسط بيئته البقاعيّة يتناول "الصفيحة البعلبكيّة" في "مطعم الساحة"، وسط المدينة، وصودف في المكان مواطن من بلدة عرسال (مكاري) يقود قافلة من البغال المحمّلة بالحنطة، وبعد التحيّة، والتعارف، سأل "المكاري" الشاعر: هل تعرف عرسال؟ . فأجابه الأخير قائلاً:
عرسال مخفيّي حدودا
              ورزقا معلّق بجرودا
لا قمحها رقّص غربال
                 وفرخ مكاري بيقودا
يقول المؤرخ كمال الصليبي في إحدى رواياته عن تاريخ لبنان: "لا تعلّمت من التاريخ، ولا توقفت عندها الجغرافيا، تلك الأصقاع الممتدة ما بين الهرمل وعرسال، شاسعة، مترامية الأطراف، لم تذق طعم الدولة، ولا مرّ بها الإنماء، أطلق عليها والي الشام (أيام الحكم العثماني على سوريا ولبنان والذي استمر أكثر من 400 سنة) أرض الجرف . لماذا أرض الجرف؟، لأن قوافل المكاريّة، والمهرّبين، ورعاة الماشية كانوا يمعنون في إزالة الشواهد، التي تحدد معالم العقارات، إما عمداً، أو عن طريق الصدفة، لكي تبقى المنطقة أشبه بالمشاع، لا تحدّها حدود، ومجالاً رحباً لكل أنواع تجارة الممنوعات!" .
عرسال بلدة لبنانية مترامية الأطراف تقع على سفوح سلسلة من الهضاب والجبال المتداخلة في العمق السوري، يقطنها نحو 40 ألفاً من السكان، وتستضيف، هذه الايام، في محيطها والجوار أكثر من 120 ألفاً من النازحين السورييّن، توزعوا على مخيمات عشوائيّة، استحدثت بطريقة مرتجلة، وتدرّج حضورهم من عبء إنساني إلى عبء أمني، واقتصادي، واجتماعي، فلا الأرض تكفي سكّانها، ولا البنى التحتيّة مؤهلة لتستوعب كلّ هذه الأعداد، أما المساعدات الإنسانيّة الدوليّة فيمكن أن تخفف ألماً، لكن لا تداوي جرحاً .
يعتمد العرساليّون على بعض الزراعات البدائيّة، الخضار، القمح، وبعض أنواع الحبوب كالحمّص والعدس، والفاصوليا، وكذلك على الأشجار المثمرة المنتشرة بكثافة في الجرد حيث توجد وفرة من المياه للري، وتشتهر البلدة بموسم الكرز، إضافة إلى المشمش، وقليل من أشجار التفاح، والكرمة . ويعتمد العرساليون على المقالع والكسّارات، حيث تتميّز الصخور بمواصفات تجارية عالية، نظراً لجودتها وصلابتها ونقاء حجرها، وهذا ما يوفّر بعضاً من حياة كريمة لأبناء البلدة .
ورد في إحدى مخطوطات الأمير بشير الشهابي الكبير ما يلي: "إن والي الشام (العثماني) كتب يوماً إلى نظيره والي عكا يطلب منه التعاون لإخضاع المنطقة الممتدة ما بين فم الميزاب، وباب الهوا إلى سلطة الدولة العليّة!" . فم الميزاب قمّة معروفة في سلسلة جبال لبنان المطلّة على سهل البقاع الفسيح . أما باب الهوا، فهو اسم كان يطلق على المنفذ الشرقي لوادي حميد داخل العمق السوري . أما لماذا سميّ بهذا الاسم؟، فالروايات الشعبيّة كثيرة، لكن أقربها إلى المنطق تلك التي تقول إن المنطقة كانت مشهورة، ولا تزال بمسارب الهواء البارد حتى في عزّ الصيف حيث كان يقصدها عابر السبيل سواء كان مكاريّاً، أو راعي ماشية، للارتواء من العطش، وأخذ قسط من الانتعاش والراحة . وجاء في المخطوطة أيضاً: "أن والي الشام أوفد رسولاً خاصاً إلى أمراء لبنان، وخصوصاً إلى وجهاء تلك المنطقة يحثّهم على الانصياع للأوامر، إلاّ أن التجاوب كان معدوماً، لأن الجزية التي كانت تفرض يومها قد كوت بنارها الجميع، وكان التذمر قد بلغ مبلغه في النفوس نظراً لحالة البؤس التي كانت سائدة، أضف إلى ذلك، كانت تجارة تهريب الماشية، والقمح، والحبوب على أنواعها، والسلع الضروريّة نمطاً من أنماط العيش للكثير من المواطنين" .

بين الأمس . . واليوم

انطلاقاً من هذا العمق التاريخي المجبول برائحة الأرض، والتراب، وعرق الجبين، والذي شكّل على مرّ العصور نمط عيش وحياة، خرجت بلدة عرسال فجأة من عتمة الإهمال والحرمان إلى دائرة الضوء، وتحوّلت في الأمس القريب إلى خبر على شاشة ال(سي .إن .إن) الأمريكيّة، وإلى حدث يومي تتناقله وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية في العالم العربي، وسائر أرجاء المعمورة، فما الذي حدث تحديداً؟ .
عندما بدأ "ربيع سوريا"، وانطلقت الانتفاضة الشعبيّة في المدن والأرياف، خصوصاً تلك القريبة من الحدود اللبنانية، تغيّرت الأحوال في عرسال، ونشطت حركة التهريب، وأهمل معظم شباب البلدة مهنة الزراعة، أو العمل في الكسّارات والمقالع، وانصرفوا إلى الربح السريع لجني القرش الأبيض في الزمن الأسود عن طريق تهريب الأسلحة والمسلحين، والمؤن، والمواد الغذائيّة، واستثمار الوضع الأمني في سوريا على أوسع نطاق، وضاعف "تيار المستقبل" برئاسة الرئيس سعد الحريري، وسائر مكونات قوى 14 آذار من وتيرة هذه الحركة، تعاطفاً مع "الثورة السورية"، وحركة الانتفاضة ضد النظام السوري . ويتمتع الحريري وتياره بنفوذ واسع بين مكونات البلدة وعائلاتها، وشكّل هذا العامل سبباً وجيهاً إضافيّاً لفتح كل المعابر الشرعيّة وغير الشرعيّة أمام حركة التصدير والاستيراد، بما فيها الوعرة والمخصصة للحمير والأحصنة والبغال، وكلّ ذلك تحت شعار تقديم الدعم للمعارضة .
وقد حذّر البعض بداية من مغبة هذا التصرّف، إلا أنه بدلاً من أن تستقيم الأمور، وتعود إلى مسارها الصحيح، زادت تفاقماً لا سيما عندما دخل "حزب الله" عملياً في القتال إلى جانب قوات النظام، عندها ازدادت حدّة الاصطفافات واتخذت بعداً سياسيّاً ومذهبياً، وبدا التعاطف العرسالي مع المعارضة السورية أكثر وثوقاً إلى حد التماهي، قوافل تأتي للتزود بالوقود والذخيرة والتموين، وأخرى تأتي بحثاً عن مستوصف أو مستشفى لتلقي العلاج، وفتحت الدور والمنازل والمدارس أمام العائلات النازحة، وبدأت الأرقام تزداد وتتضاعف، وأخذت خيم الإيواء تتمدد في السهل المتاخم لجوار البلدة 40 ألفاً، 80 ألفاً، 120 ألفاً، إلى أن استقر الرقم وفق إحصاء المنظمة العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة على 123 ألفاً قبيل بدء الصدام مع الجيش اللبناني .

وصفة المشنوق

يحدد وزير الداخلية نهاد المشنوق، أربعة أسباب تختصر الأوضاع في البلدة والمحيط قبيل الانفجار الكبير مؤخراً .
* أولاً: الحالة النفسيّة السيكولوجيّة التي زادت توتراً على خلفية انقسام المشهد السياسي ما بين موال للنظام في سوريا، وآخر موال للمعارضة، وأيضاً على خلفية الانقسام المذهبي ما بين السنّة والشيعة .
* ثانياً: الفورة الاقتصادية التي شهدتها البلدة، والمحيط، نتيجة الوضع الاستثنائي الذي خيّم على المنطقة والمعابر، وحركة الذهاب والإياب، والحدود المفتوحة في تلك المنطقة الوعرة .
* ثالثاً: الطفرة المالية التي أصابت لوثتها الشباب العرسالي، نتيجة الدعم الذي توفره دول وأنظمة متمكنة، وشبكات واسعة من الأثرياء الذين يدفعون بلا هوادة لتغذية شرايين "الثورة" وأطيافها، مدفوعين بحساسيات مذهبيّة، وبحسابات سياسية على خلفية صراع المحاور على الساحة السورية، وامتدادها إلى الساحة اللبنانية .
* رابعاً: التماهي الكبير والتداخل الذي بدا متناغماً بين الأهالي والنازحين، والذي أفرز مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية ظهرت نتائجها وانعكاساتها السلبية لاحقاً .
والحقيقة أن عرسال خرجت معنويّاً من محيطها اللبناني، واقتصر الحضور الرسمي فيها على مخفر من الدرك، ودار للبلديّة . أما عناصر المخفر فدورهم محدود، ويكمن في تأمين الاستمرارية، والنأي بالنفس عن كل ما يجري من تجاوزات، وارتكابات، ومخالفات للقوانين المرعيّة .

الاحتجاج الأول

وفي ظلّ هذا المناخ المشبع بالتعبئة الطائفيّة والمذهبيّة والسياسية والأمنية والاقتصاديّة، حصل أول خرق "للانسجام الاجتماعي - الاقتصادي المستحدث" عندما قامت مجموعة من شباب البلدة بحركة احتجاجية ضد اليد العاملة السورية المنافسة التي تفتتح المخابز ومحال الحدادة، ومكانيك السيارات، وحتى محال البقالة، وتلك المتخصصة بصناعة الحلوى، أو اللحمة الشاميّة؟!، ووزعت منشورات تدعو إلى المقاطعة، وطرد السورييّن من البلدة والمحيط، إلاّ أن الفعاليات الدينيّة والاجتماعيّة سرعان ما تدخلت، وعملت على وأد الفتنة، وإعادة المياه إلى مجاريها ولو على حساب بعض القناعات أو التوجهات!
وبلغ السيل الزبى عندما بلغ عدد النازحين داخل البلدة أضعاف عدد سكانها، وخرجت الأمور عن السيطرة، وتضاعفت أعمال النهب والسرقة، وأصبح القرار في حوزة المسلحين الأغراب الذين يتحكمون بمجريات الأمور، ويتدخلون في كل شاردة أو واردة، وبدأت أعمال الخطف على الهوية، والابتزاز، وإقامة الحواجز المسلحة، والطيّارة، والتحرش بدوريات الجيش اللبناني، واستفزاز أبناء المنطقة والجوار، فاكتملت عدّة المحرقة، وبلغ البركان ذروة احتقانه، ولم يعد ينقصه سوى اشكال بسيط كي ينفجر .
ولم يكن الوضع في المحيط، وخصوصاً في الجرد العرسالي أفضل حالاً . لقد سيطر المسلحون التابعون ل"داعش"، و"جبهة النصرة" على البساتين المثمرة، ومنعوا الأهالي من جني مواسم الكرز والتفاح والأجاص، والخضار، وسائر أنواع الفاكهة، وسيطروا على المقالع والكسارات وصادروا الآليات والمقتنيات، وعمدوا إلى التمركز في المواقع الاستراتيجية في القمم والجبال والأودية والثغور، إنه زمن الحشر! .

الشرارة الأولى

انطلقت الشرارة الأولى مع توقيف أحد أبرز المطلوبين للعدالة عند حاجز تابع للجيش اللبناني، وكانت قد صدرت بحقه عشرات مذكرات التوقيف، وما أن انتشر الخبر في عرسال والجوار حتى خرجت الأفاعي من أوكارها، وهاج قفير النحل، وبدأت الإشكالات والاستفزازات، وإطلاق النار، واستهداف مراكز الجيش ودورياته، فاختلط الحابل بالنابل، وبدأت المواجهات الجديّة التي استمرت أياماً وليالي عدّة قبل أن يتحرّك "تجمع العلماء المسلمين" في مبادرة أبصرت النور في ما بعد . وانطوى المشهد العرسالي المتفجّر على وقائع منها: أولاً: انتقال صراع المحاور المحتدم على الساحتين العراقيّة - السوريّة إلى الساحة اللبنانية عبر بوابة عرسال، وأظهرت التحقيقات التي أجرتها الدوائر المختصة حجم التدخلات، ما بين الجهات الممولة، وتلك التي تفتح أبواب مصانعها لتزويد التنظيمات الإرهابيّة بما تحتاجه من سلاح لتنفيذ الخطط المرسومة، فيما يحجب عن الجيش اللبناني؟! . وكم كان الاختراق كبيراً إلى حدّ أنه طاول فعاليات البلدة التي لم تواجه ما كان يحصل أو حصل داخل عرسال وجوارها .
ثانياً: عودة صراع المحاور بقوة إلى الساحة اللبنانية، والساحات الأخرى في المنطقة من خلال "داعش"، وتحت شعار مكافحة الإرهاب، للامساك من جديد بالكثير من المفاصل والأوراق والملفات الساخنة، والسهر على ترسيم خطوط الطول والعرض لجغرافية المصالح، طبقاً للفرز الديموغرافي الذي يفعل فعله في بعض الدول، عن طريق قيام أقاليم ودويلات طائفية مذهبية متناحرة، تؤخذ معها وبجريرتها ثروات المنطقة على اختلافها .
ثالثاً: المخيمات التي تحوّلت فجأة إلى ثكنات، والنزوح الذي تحوّل إلى تجمعات من المقاتلين المنتسبين إلى تنظيم "داعش"، و"جبهة النصرة"، وقد خرجوا بكثافة من الخيم، ومراكز الإيواء ليشتبكوا مع الجيش، فيما كانت جماعات منهم داخل البلدة تلقي القبض على عناصر مخفر قوى الأمن الداخلي، والعسكرييّن الذين صودف وجودهم داخل البلدة .

وقف الحسم

مرّت أيام وليالي صعبة على الجيش، عينه على البلدة لتحييدها، والذود عنها، وأخرى على المرتفعات لصدّ هجوم "داعش" و"جبهة النصرة" . وقد بدأ تحت وابل من القصف العنيف، ومظلة واسعة من إطلاق النار من مختلف الأعيرة، وفجأة أصبحت مراكزه بين نارين، الأولى من داخل البلدة، والثانية من محيطها . أعطت القيادة في وزارة الدفاع "اليرزة"، ونزولاً عند طلب المسؤولين والقيادات، فرصة لإنجاح مساعي التهدئة، لكن الجانب الآخر استمر على وتيرة العنف والتصعيد بهدف الاجتياح، وأمام تزايد عدد الإصابات في صفوف العسكريين، قررت قيادة الجيش الحسم، واقتحام البلدة، وأناطت قيادة الهجوم بقائد اللواء المجوقل العميد شامل روكز، وحددت ساعة الصفر . وإثر اتخاذ القرار بدأت المفاجآت تتوالى، تحرّك لهيئة العلماء المسلمين، هبة سعوديّة بمليار دولار لتسليح الجيش، عودة سريعة للرئيس سعد الحريري إلى بيروت، بعد طول غياب، للعمل على تسييلها، وضغوط من دول شقيقة تنصح بإعطاء فرصة لمفاوضات يقوم بها تجمع العلماء مع المسلحين لوقف إطلاق النار، والإفراج عن العسكرييّن الأسرى .
وفي زحمة هذه التطورات المتسارعة تحرّك وفد من "تجمع العلماء" باتجاه السراي الحكومي، طالباً من الرئيس تمام سلام وقف تنفيذ الاجتياح "حرصاً على الأبرياء من أهل السنّة أبناء البلدة"، واضعاً نفسه بالتصرف للقيام بوساطة تنهي الوضع الشاذ، وبما يتفق وكرامة الجيش، ومكانة المؤسسة العسكريّة، وتمنى سلام على الوفد التوجه إلى "اليرزة" لمقابلة قائد الجيش العماد جان قهوجي، وعرض الوساطة أمامه، واتصل به متمنيّاً عليه استقبال الوفد والاستماع إلى ما عنده، وهذا ما حصل، وانطلقت الوساطة على وقع تصعيد غير مسبوق من جبهة المسلحين، والتنظيمات الإرهابيّة، وبعد جولات من المفاوضات، والأخذ والرد تمّ الإعلان عن تفاهم يقضي أولاً: بوقف النار، وثانياً: بالإفراج عن العسكريين المحتجزين . وثالثاً: بانسحاب المسلحين من البلدة باتجاه المرتفعات . ورابعاً: السماح للصليب الأحمر، وفرق الإغاثة بدخول البلدة .
أخذ التفاهم طريقه نحو التنفيذ على وقع خديعة كبيرة، إذ تمّ وقف إطلاق النار، وخرج المسلحون من البلدة، ومعهم الجنود الأسرى، وسط تكتم شديد من جانب بعض فعاليات البلدة الذين كانوا قد أعلنوا مراراً وتكراراً أن العسكريين في ضيافتهم، وسيفرج عنهم فور التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وخروج المسلحين .
والذي جرى تحديداً على هذا الصعيد أن مجلس الوزراء عقد جلسة استثنائية برئاسة الرئيس تمام سلام لمناقشة مضمون الاتفاق، والسهر على حسن سير تنفيذه . وأبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي، الصحفيين وهو في طريقه إلى قاعة مجلس الوزراء، عن "أخبار سارّة" سوف يعلنها بعيد انتهاء الجلسة، لكنه بعد أربع ساعات من البحث والانتظار خرج مكفهّر الوجه، وأعلن أنه لم يتم الإفراج عن الأسرى العسكرييّن! .

ماذا استجد؟

خلال انعقاد الجلسة، تلقى الرئيس سلام اتصالاً من "تجمع العلماء المسلمين" يبلغه أن العسكريين الأسرى قد انتقلوا مع المسلحين إلى المرتفعات! . وعندما حاول رئيس الحكومة الاستفسار عن الأسباب، جاءه الجواب ملتبساً، البعض يقول إن المسلحين هددوا فعاليات البلدة إذا قاموا بتسليم العسكرييّن الذين كانوا بضيافتهم، وتحت ضغوط التهديدات استسلم المشايخ للأمر الواقع . والبعض الآخر يقول إن مبالغ طائلة من الأموال دفعت للفعاليات مقابل وضع العسكريين الذين في حمايتهم بتصرّف المسلحين . وهناك من يتحدث عن خديعة كبرى قد أعدّت بتدبير من جهاز مخابراتي تابع لإحدى الدول الممولة شملت المسلحين والعسكرييّن، وفاعليات البلدة، وأفضت إلى هذه النتيجة ردّاً على هبة المليار دولار من السعوديّة، والجهود التي بذلها الرئيس الحريري في بيروت مع رئيس بلدية عرسال وتجمع العلماء المسلمين لإنجاح الوساطة .

استنزاف المؤسسة العسكريّة

أمام هذا الواقع المستجد، أصبح الجيش أمام مواجهتين: عسكريّة حيث دخل في حروب استنزاف مع المسلحين المتمركزين في جرود عرسال ووادي حميد، ومعنوية حيث يتعرّض لابتزاز المسلحين الذين يقطعون رأس جنديّ تارة، ويعدمون آخر بالرصاص تارة أخرى، تحت طائلة من المطالب التعجيزية التي تسيء إلى هيبة الدولة، والقضاء اللبناني، أقلها الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين في سجن روميّة .
وفي خضم هذه الحرب النفسيّة المعنوية، والأمنية السياسيّة المحتدمة، بدأت تتكاثر مظاهر الفلتان الأمني، من إقفال للطرقات من قبل أهالي العسكريين الأسرى للإفراج عن أبنائهم، أو تحت يافطة دعم الجيش والتضامن معه، إلى ظواهر الخطف على خلفيات طائفية ومذهبية، أو بغرض الحصول على مبالغ مالية يفرضها الخاطفون، إلى سائر المظاهر الأخرى من الاخلال بالأمن . وفيما استعانت الدولة بالوساطات الخارجية للإفراج عن الأسرى، قام رئيس الحكومة تمام سلام على رأس وفد وزاري كبير بزيارة الدوحة، طالباً من أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني التدخل شخصيّاً، والقيام بمبادرة للإفراج عن العسكرييّن، كما حصل لمعتقلي أعزاز، ولراهبات معلولا . كما التقى سلام في نيويورك، وعلى هامش الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، بالرئيس التركي رجب الطيّب أردوغان، متمنياً عليه التدخل، وممارسة نفوذه في هذا الاتجاه .
وعلى وقع هذه الوساطات والمبادرات المترنّحة حيناً، والناشطة أحياناً استعاد الجيش زمام المبادرة على الأرض، وتمكن من عزل بلدة عرسال عن محيطها حيث يوجد المسلحون، وراح يقتحم مخيمات النازحين بناء على معلومات مخابراتية حيث تمكّن من إلقاء القبض على عشرات الإرهابيين المتغلغلين في صفوف النازحين .

وماذا بعد؟

كلّ الاحتمالات واردة . . هذا هو لسان حال الحكومة اللبنانية . الوضع في عرسال لم ينته، وباب المفاجآت مفتوح على المجهول، هناك بيئات متعاطفة مع "داعش"، و"جبهة النصرة"، في مناطق عكّار، وطرابلس، والإقليم، وصيدا والبقاع الغربي . بعض السفراء المتابعين ليوميات الوضع اللبناني يتخوّفون من انفجار كبير في مثلّث البقاع الغربي - القنيطرة السوريّة - مزارع شبعا، تريده، وتسعى إليه "إسرائيل" لفرض أمر واقع في هضبة الجولان، وفي المزارع تحت شعار" متطلبات أمنها الاستراتيجي!" .
تجاوبت الحكومة السلاميّة مع رغبات أمريكيّة - سعودية للانضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وشاركت على التوالي في اجتماعات جدّة، وباريس، ونيويورك التي نظّمت أطر، وماهيّة هذا التحالف، إلاّ أن هذه المشاركة زادت من حدّة الانقسام السياسي الداخلي، نظراً لخطورة المشاركة في لعبة المحاور، والدخول في اصطفافات دوليّة قد تكون تداعياتها خطرة على وحدة البلد، ودوره، إلاّ أن الحجة التي تذرّعت بها الحكومة قامت على نظرية أن لبنان مستهدف، ومعتدى عليه، وهو يقوم بالدفاع عن نفسه، وبتحرير أرضه من "الداعشييّن" وأمثالهم، وبالتالي فهو لا يملك طائرات حربيّة ليشارك مع التحالف في ضرب "داعش" داخل العراق، وسوريا، فضلاً عن أن مطاراته غير مؤهلة لاستخدامها من قبل الآخرين .