تحقيق- عادل رمزي
تلقي مسألة هروب عاملات المنازل بظلالها على العلاقة بين أطراف القضية حيث يقدم كل طرف مبررات تبدو مقنعة، وتدعم صحة موقفه، الذي ما أن يتم تطبيقه على أرض الواقع حتى يتبدد تحت براهين وحجج الطرف الآخر، ما يشير إلى ضبابية في فهم العلاقة بين أطراف القضية التي نحاول لاحقاً سبر أغوارها واستبيان مكامن الخلل لطرح الحلول الممكنة .
يفرض الوقوف عند هذه المسألة، أهمية البحث في الأسباب المؤدية لهروب هذه العمالة من خلال الاستماع إلى وجهات نظر أطراف القضية وهم العائلات، وعاملات المنازل، ومكاتب الاستقدام، من أجل طرح بعض الحلول الوسطية التي تضمن استمرارية العلاقة بما يحفظ حقوق وواجبات الطرفين تجاه بعضهم البعض .
البداية كانت مع بعض أفراد المجتمع في محاولة لفهم الأسباب التي قد تدفع بعاملات المنازل إلى الهرب، حيث ألقى محمود حامد موظف حكومي باللوم على المكاتب التي قال إنها تستقدم العاملات دون أي معايير أو ضمانات أو مسؤولية تجاه الغير، وبأسعار مرتفعة، وعند الهروب يقوم الكفيل بإبلاغ الشرطة التي تحيل الأمر إلى الجهة المختصة، وبدورها تعمم على العاملة الهاربة، وفي حال العثور عليها يضطر الكفيل إلى دفع تذكرة سفرها، ويصبح الأمر أشبه بالمثل القائل "موت وخراب ديار" .
ويقول بليغ العزعزي إن رب العمل مسؤول بشكل مباشر عن هروب العاملة لأنه يشجعها دون أن يدري على الهرب بمنحها امتيازات كثيرة من دون رقابة، ما يولد لديها الرغبة في الهرب، لذا هناك أهمية لأن يكون صريحاً ويعلمها قبل أن تأتي بأن هناك ضوابط لا يمكن تعديها، فإذا وافقت أهلاً وسهلاً، لا أن يكون الحبل هكذا متروكاً على الغارب من دون معيار للضبط والربط .
وتختلف ندى حسني - موظفة - مع الفكرة قائلة: "أعتقد أن التضييق غير مفيد، فمن وجهة نظري ما تريد العاملة القيام به ستفعله إن رغبت أم لا . . فليكن إذاً تحت عيني بدلاً من أن تفعله دون علمي، صحيح أن ذلك قد يكلفنا خسارتها، لكني أعتقد أنه بمنحنا الثقة لها، ستمنحنا هي الأمان" .

دور السفارات
وتنتقد ماجدة الشحي - موظفة - دور السفارات قائلة: من حق السفارات الاهتمام برعاياها، لكن دور بعضها في هذه المسألة أحياناً يأتي سلبياً، فالعاملة تهرب لسنوات، وعندما تريد العودة إلى بلادها تلجأ لسفارتها، التي تقوم بعمل أوراق وتصاريح تخاطب بها الجهات الرسمية في الدولة للسماح لها بمغادرة الدولة .
لماذا لا تحيل السفارات الموضوع إلى الأجهزة المختصة، حفظاً لحقوق الطرفين خاصة أن تكاليف استقدام الخدم عالية؟

اللغة والتواصل
ويقول خليل عدنان، مستشار حكومي: إن أحد أسباب هروب عاملات المنازل ضعف مستوى اللغة وغياب الخبرة لديهن ويضيف: "اللغة تدعم التواصل، وتنمي الفهم المشترك، وهي ضرورية لتوصيل الفكرة والإحساس وتعظيم فرص التعايش، وخبرة العمل في منطقة الخليج والشرق الأوسط مهمة، لأن الثقافة العربية مختلفة عن ثقافة دول هذه العمالة، وبالتالي إذا توفرت فستكون فرص التفاهم أفضل، وفرص الهرب أقل" .
ويرى محمد كمال- موظف بشركة أدوية- أن هروب عاملات المنازل يحكمه الغرض الذي جاءت من أجله العاملة، فهي إن كانت تعلم أن العمل المنزلي يناسبها، ستظل متمسكة به، طالما أنها تمارس حياتها بشكل طبيعي، أما إن كانت لم تأت للعمل في هذه المهنة فستهرب عاجلاً أم آجلاً بسبب أو بدون سبب، والسبب الآخر ضعف السيطرة على العاملة .
يجب أن تكون لرب الأسرة شخصية متوازنة، لأنها بمجرد معرفة نقاط الضعف في شخصيته ستستهين به ولن يستطيع السيطرة على تصرفاتها .

توجيه مستمر
حملت بعض الآراء التي انتقدت دور مكاتب الاستقدام بأنها لا توفر أي ضمانات وتغالي في أسعار العمالة المنزلية، وتسهل لها الهرب، إلى حمدان الشامسي صاحب شركة للرد على الاتهامات، والذي قال: أهم أسباب هروب العمالة المنزلية، ضعف عنصر الإدارة للمورد البشري، وغياب التدريب والتوجيه المستمر، والمحاسبة عند حدوث الأخطاء، فالمثل الشعبي "إذا تبغي صحبك دوم . . حاسبه كل يوم"، منتقداً في الوقت نفسه، غياب الأمانة التي يتوقعها العميل من المكتب في تعريفه بمميزات العاملة وعيوبها .
ورأى أهمية نقل الصورة الصحيحة عن مميزات وإيجابيات العاملة، وشكك في مسألة مغالاة المكاتب في الأسعار بالقول إن الأمر يحتاج إلى دراسات أعمق لأنه قبل خمس سنوات كان هناك عدد محدود من المكاتب، ونظراً لشكوى البعض من أن هذه المكاتب هي السبب في رفع الأسعار، تم فتح المجال لرخص جديدة، وفتحت الكثير من المكاتب، وبدأت مضاربة في الأسعار، وهناك قاعدة اقتصادية معروفة أنه كلما زاد عدد الموردين زادت نسبة تحكم المكاتب بالأسعار، وكلما زاد عدد المكاتب زادت نسبة تحكم الموردين في الأسعار، وهذا ما حدث وأدى إلى ارتفاع سقف الأسعار عما كان في السابق .

مسؤولية
ورد محمد السمني مدير مكتب للعمالة على ما يقال إن المكاتب تسهل هروب عاملات المنازل قائلاً: "هذا الادعاء يفتقر إلى الدقة والموضوعية، لسبب بسيط، وهو أنه بمجرد أن يعمم الكفيل على العاملة لإخلاء مسؤوليته، لا يمكن للمكتب بأي حال التعامل معها، وإلا كان مخالفاً للقانون، فضلاً عن أن المكتب لن يضحي بسمعته، من أجل مبلغ زهيد، فنجاح المكتب يتوقف على السمعة أكثر منه على أي شيء آخر" .

تكاليف
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار جلب العاملات، قال: أي مكتب استقدام لا تزيد نسبة أرباحه في استقدام العاملة على 1000 إلى 1500 درهم، أما بقية المصاريف التي يتكلفها العميل فهي تتضخم نظراً للإجراءات المتبعة في بلد المصدر، والتي تتراوح كلفتها بين 12 و15 ألف درهم، وذلك حسب جنسية العاملة، وهي السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار المكاتب البريئة من هذه التهمة .
وبسؤال أحد مديري المكاتب والذي تحفظ على ذكر اسمه عمّا يمكن أن تقدمه المكاتب من ضمانات قال: ليست هناك ضمانات عملية تقدمها المكاتب في هذا الشأن إلا ثلاثة أشهر قانونية، تضمن فيها عدم الحمل، وخلو العاملة من الأمراض، ورفض العمل على ألا يكون السبب في ذلك راجعاً إلى رب العمل .
نحن نتعامل مع بشر والضمانات تقدم فقط على الآلات، أضف إلى ذلك أن معظم عاملات المنازل من الطبقات الأقل تعليماً والأكثر فقراً .

المهام كثيرة
تحدثنا إلى بعض العاملات عن تجربتهن في البيوت، لمعرفة الأسباب التي قد تدفعهن للتفكير في الهرب .
"جودي" إحدى العاملات قالت: "المعاملة جيدة، لكن المهام كثيرة ولا تنتهي وروتين العمل اليومي يجعل من ممارسة مهام العمل المنزلي، أمراً شاقاً إذا لم تكن العاملة مؤهلة ومستعدة له، ما يضطرها إلى التفكير في الهرب" .

معاملة
وتقول: "ماري": أهم العوامل التي تساعدها على الاستقرار وعدم التفكير في الهرب، حسن المعاملة . فأنا أتلقى معاملة حسنة والأسرة تعتبرني جزءاً من العائلة، ولا تحملني فوق طاقتي، ودائماً يسألون عن أوضاع أسرتي من أجل تقديم أي دعم نفسي أو مادي، إذا تطلب الأمر، ما يجعلني أبذل ما في وسعي لأكون عند حسن ظنهم .
إحدى العاملات من إفريقيا قالت: "جئت للعمل لدى أسرة عربية، واتضح لي فيما بعد أن هذه الأسرة مفككة، فلم أكن أعرف النوم إلا مع وضح النهار، والمبلغ الذي كنت أتقاضاه مختلف تماماً عن الذي كتب في العقد، وهو ما اضطرني إلى الهرب وبعد تسوية أوضاعي القانونية، عملت لدى أسرة محافظة تحسن معاملتي وبراتب أعلى" . وتتحدث عاملة أخرى عن تجربتها فتقول: "تركت منزل الكفيل منذ فترة طويلة لأن الراتب كان أقل مما تتقاضاه زميلاتي، ونظراً لحاجتي إلى المال هربت وبعد تسوية وضعي القانوني، عملت لدى أسرة أخرى براتب أعلى" .

إغراءات خارجية
ما ذكرته بعض العاملات، فيما يتعلق بموضوع الأجور على مدى مصداقيته من عدمه، يؤكد الفكرة التي ذهب إليها الدكتور عبد العزيز أحمد عبدالله الأستاذ المساعد في قسم علم النفس والإرشاد بجامعة الإمارات سابقاً، عند تحليله للدوافع النفسية التي تقف خلف ظاهرة هروب عاملات المنازل، قائلاً: "السبب الأساسي لهروب عاملات المنازل هو الإغراء الخارجي، فالعاملة جاءت من بلادها من أجل المادة، لذا إذا استطاعت تحصيل درهم إضافي فلن تتردد في الهرب" . والسبب الثاني يتعلق باختلاف البيئة، فهي قادمة من أشد البيئات فقراً وثقافة، وتأتي حاملة معها مشكلاتها النفسية وأمراض بيئتها الاجتماعية، وتتصرف بناءً على ما تحمله من هذه الأمراض والمشكلات . فنظريات علم النفس تقول: يحتاج الإنسان من أربع إلى خمس سنوات كي يعدل من سلوكياته وأفعاله واتجاهاته بما يتوافق مع قيم وثقافة المجتمع الجديد .
أما السبب الثالث فيتعلق بوجود فئة من الناس تعمل ضد القانون، وهذه الفئة تستغل هوس العاملات بالمال، وتساعدهن على الهرب لتجني من ورائهن الأموال، فهم على استعداد لفعل أي شيء مقابل المال، والاثنان التقيا على هدف واحد هو المادة .

رؤية اجتماعية
لم يكن بالإمكان تمرير ما أثاره الدكتور الحمادي عن مسألة البيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها العاملة، ومدى الدور الذي تلعبه في دفعها إلى التفكير في الهرب، فحملت الفكرة إلى الدكتور خطاب أحمد، المحاضر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة الشارقة، والذي قال: "مما لا شك فيه أن البيئة الاجتماعية تؤثر في مقدرة العاملة على التعايش والاستمرار في البيئة الجديدة، فنتيجة اختلاف البيئتين وتغيير أسلوب وطريقة العيش وطبيعة العمل الجديد مع شدة الشعور بالحنين إلى الوطن والأسرة والأطفال، إضافة إلى ما تواجهه بعضهن من سلوكيات خاطئة في أسلوب التعامل من بعض الأسر، تزداد الرغبة لديها للتخلص من الوضعية الجديدة، وتبدأ التفكير في الهروب للرجوع إلى بلادها أو العمل في مهنة أخرى أو الانتقال إلى أسرة جديدة" .


قانون منظم للعمالة المساعدة
قال الدكتور محمد نور الدين سيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بكلية القانون- جامعة الشارقة: ما ينطبق على عمال المنازل ومن في حكمهم، ينظمه قانون المعاملات المدنية والتجارية الاتحادي رقم (12) لسنة 1992م الذي يعد الشريعة الأم المنظمة لكافة العلاقات والمعاملات المدنية بين الأفراد، والتي لا يصدر بشأنها قانون خاص، هذا إضافة إلى الحماية التي توفرها أحكام القانون الجنائي للعمال بصفة عامة، ومنهم خدم المنازل ومن في حكمهم .
وأضاف أن القيادة الرشيدة لدولة الإمارات حرصت على التوجيه بإصدار قانون خاص ينظم كافة الجوانب القانونية للعمالة المساعدة، وهو ما تم إقراره من قبل المجلس الوطني الاتحادي في يونيو/ حزيران من عام ،2012 وهذا القانون يأتي منسجماً مع معاهدة الأمم المتحدة عام 2011م في شأن حماية العمالة المنزلية، مضيفاً أن هذه الخطوة تؤكد أن دولة الإمارات سباقة إلى تنفيذ تعهداتها الدولية بموجب الاتفاقيات والمعاهدات التي توقع عليها .
كما أن لها السبق في إصدار كل قانون يعمل على حماية حقوق الإنسان . وهذا القانون هو الأول من نوعه في المنطقة العربية، وأضاف: بمجرد صدور التصديق سيبدأ العمل بالقانون، الذي تحقق أحكامه الحماية المرجوة لكل أطراف العلاقة .
وعن أبرز الاشتراطات التي أخذها القانون على مكاتب الاستقدام، قال نور الدين إنه جاء في مشروع القانون في مادته الثالثة، التزام مكاتب الاستقدام بعدم جواز استقدام العمال أو تشغيلهم من قبل شخص طبيعي أو معنوي، إلا إذا كان مرخصاً له وفق أحكام القانون . كما يلزم بعدم استقدام العمال من دولهم إلا بعد إعلامهم بنوع العمل وطبيعته ومقدار الأجر الشامل، وتوافر ما يثبت لياقتهم وحالتهم الصحية والنفسية والمهنية .