إعداد: محمد عبيد

شهدت الساحة اللبنانية على امتداد العام ،2014 سلسلة لا متناهية من الأزمات المتنوعة، التي ساهمت فيها عوامل داخلية وخارجية، وأثرت فيها تطورات المحيط الإقليمي، خصوصاً الأزمة السورية المتصاعدة التي ألقت بظلالها على الساحة اللبنانية، وكادت تجرها في أكثر من مناسبة إلى مربع الاحتراب الداخلي، بين مؤيدي النظام السوري وأنصار المعارضة .
إلى جانب ذلك، وجد لبنان نفسه في مواجهة أكثر من ملف ضاغط، وجاء على رأس هذه الملفات، شغور موقع الرئاسة منذ 25 مايو/أيار، وحتى كتابة هذه السطور، كان "سيادة الشغور" لا يزال متربعاً على كرسي رئاسة الجمهورية اللبنانية، في ظل واقع يسوده التجاذب بين الأجندات، وعجز في مجلس النواب الذي مدّد لنفسه ثانية فترة لمدة سنتين وسبعة أشهر، في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما استشعر الساسة اللبنانيون أن الفراغ الدستوري الذي سينتج عنه عدم وجود رئيس وبرلمان منتخبين، سيجر الويلات على البلاد الغارقة فعلياً في صراعات سياسية، والتي تواجه أكثر من تهديد ميداني، سواء من الحدود السورية التي تسللت حركات متطرفة وإرهابية من خلالها لإيجاد ساحة خلفية وعمق في لبنان، أو من العدو "الإسرائيلي" الذي واصل انتهاكاته وخروقه للسيادة اللبنانية .
كان عاماً طويلاً وعسيراً على اللبنانيين، الذين واجهوا مختلف أشكال الإرهاب والاقتتال، فمن جهة هزت تفجيرات كثيرة مناطق عدة في البلاد، وضبطت خلايا إرهابية، وأسلحة ومتفجرات، وفككت شبكات تخطط في الخفاء لضرب الاستقرار اللبناني الهش، وواجه الجيش اندلاعاً جديداً للمعارك بين الخصوم التاريخيين في طرابلس عاصمة الشمال، ومن جهة أخرى، أسدل العام ستاره على البلاد، واضعاً عشرات من الأسر أمام مخاوف على مصير أبنائها من عناصر الجيش والأمن الذين اختطفهم الإرهابيون من تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" خلال المعارك في جرود عرسال المتاخمة للحدود السورية، فأعدموا أربعة منهم، وأطلقوا خمسة، فيما لا يزال الشك يحيط بمصير المتبقين، في ظل فشل وساطات وإطلاق أخرى، ومطالب كثيرة للمتطرفين الذين يحاولون مبادلة العسكريين الرهائن بمتطرفين معتقلين في لبنان وسوريا على حد سواء .
لكن كل ذلك لم يمنع الجيش والقوى الأمنية اللبنانية من تحقيق العديد من الانجازات بدءاً بتطويق الأحداث المشتعلة في الشمال، وضبط عشرات المسلحين والإرهابيين والمتسللين الذين حاولوا ضرب الاستقرار وجر البلاد إلى مربع العنف، مروراً بالقبض على إرهابيين أو عائلاتهم التي حاولوا تهريبها إلى البلاد، وانتهاء بوقف شبح تفجير السيارات المفخخة .

شبح الفراغ يدفع إلى التمديد للبرلمان اللبناني

في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، أقر مجلس النواب (البرلمان) اللبناني، في جلسة حضرها 97 نائباً من أصل 128 تمديد ولايته سنتين وسبعة أشهر بأغلبية 95 صوتاً، ومعارضة نائبي حزب "الطاشناق" أغوب بقرادونيان وأرثور نزاريان، مع مقاطعة نواب "الكتائب اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" لرفضهم مبدأ التمديد، وصوّت مع التمديد 39 نائباً مسيحياً من أصل ،63 و15 نائباً مارونياً من أصل 33 .
وكان المجلس عقد جلسة تشريعية مخصصة لإقرار 9 بنود مدرجة على جدول الأعمال، أبرزها التمديد للولاية الثانية للمجلس حسب اقتراح القانون المقدم من نقولا فتوش، وسبق الجلسة اجتماع في مكتب رئيس المجلس نبيه بري، ضم رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، ورئيس اللقاء الديمقراطي المشترك وليد جنبلاط، ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد والنائبين نقولا فتوش وجورج عدوان، وبناء على اقتراح للنائبين انطوان زهرا وبطرس حرب وافق بري على فتح جلسة لانتخاب رئيس بعد الجلسة إذا بقي النصاب مؤمناً .
وبإقرار التمديد الذي ينتهي مع بداية العام ،2017 يكون المجلس النيابي أمضى فترتي ولاية متتاليتين، الأولى منتخباً عام ،2009 والثانية ممداً لنفسه للمرة الثانية .
وأكد رئيس الوزراء تمام سلام لدى مغادرته الجلسة أن "التمديد لمجلس النواب هو لمنع الوقوع في الفراغ على مستوى السلطة، ولتأمين مستلزمات البلد ومواكبة مشاكل الناس"، أملاً أن "تكون هناك فرصة للتعاون بين السلطتين"، فيما أكد السنيورة أنه "يجب أن تبقى الأولوية لانتخاب رئيس ومن ثم نقوم بالنقاط التي بحثنا فيها"، مشيراً إلى أننا "قمنا بخطوة مهمة عندما طرحنا أن نصل إلى تسوية وطنية بشأن رئاسة الجمهورية" .
وأوضح جنبلاط أن "القوى السياسية اتفقت على التمديد لأن الهدف هو منع الوقوع في الفراغ وعلينا العمل على انتخاب رئيس"، وأشار فرنجية إلى أن كتلة "لبنان الحر الموحد" انسجمت مع موقفها السابق من التمديد لمجلس النواب خلال التصويت، مشيراً إلى أن هذا الموقف ليس متباعداً عن رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" ميشال عون، أما عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب ستريدا جعجع فشددت على أن تعطيل الانتخابات الرئاسية أوصل البلاد إلى التمديد، لافتة إلى أن "القوات" مع خيار إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لكن "عدم السير بخيار التمديد يقودنا إلى الفراغ وإلى المزيد من تفكك المؤسسات الدستورية" .
واستبق شبان من "الحراك المدني للمحاسبة" الجلسة، فاعتصموا منذ ساعات الصباح وسط بيروت، ونصبوا خيمة احتجاج على التمديد، ورفعوا لافتات وشعارات تندد به، وأقفلوا 4 مداخل تقود إلى مجلس النواب، وعند مرور أحد النواب رشقوه بالبيض والطماطم، ما أدى إلى عراك بينهم وبين القوى الأمنية، ودفع بعدد من النواب إلى التوجه سيراً على الأقدام .

حكومة سلام . . . مخاض 10 شهور ينتهي بتسوية "المصلحة الوطنية"

مرت عملية تشكيل حكومة "المصلحة الوطنية" اللبنانية بمخاض عسير، وعانت شأنها شأن كثير من الملفات السياسية الرئيسية في البلاد، تأرجحاً بين المراوحة والجمود والتراشق الإعلامي، ولم يستطع رئيس الوزراء تمام سلام الذي كلف تشكيل الحكومة في إبريل/نيسان ،2013 التوصل إلى "الصيغة السحرية" التي ترضي مختلف فرقاء السياسة اللبنانيين، وأخذت المسألة وقتاً طويلاً، قبل أن تجد سبيلها إلى حل حافظ على حد أدنى من التوافق .
فبعد أكثر من 10 شهور على تكليف سلام، أعلن في لبنان عقب مشاورات بين سلام والرئيس السابق ميشال سليمان، في 15 فبراير/شباط، تشكيل الحكومة الحكومة الجديدة، التي ضمت 24 وزيراً، وقال سلام في خطاب متلفز إن الحكومة الجديدة قادرة على إحياء الحوار الوطني وتأمين الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها والدفع باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات، ودعا جميع القيادات إلى التنازل لأجل مشروع الدولة، ومعالجة الخلافات ضمن الأطر الدستورية، والالتفاف حول الجيش، مشيراً إلى أن حكومته ستعمل على ترسيخ الأمن الوطني، والتصدي للإرهاب، وتسهيل معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، خصوصاً ملف اللاجئين السوريين .
وجاء توزيع الحقائب الوزارية على الشكل التالي: ثمانية وزراء لقوى "14 آذار"، وثمانية وزراء ل"حزب الله" وحلفائه، وثمانية وزراء للوسطيين والحياديين، وأطلق عليها اسم "حكومة المصلحة الوطنية"، كونها جاءت نتيجة تسوية لا اتفاق سياسي .
ومنح البرلمان اللبناني ثقته يوم الخميس 20 مارس/آذار، لحكومة سلام، بأغلبية ساحقة عقب نقاش محتدم على خلفية الأزمة السورية وتداعياتها، وصوت 96 نائباً مع منح الثقة من أصل 101 نائب حضروا الجلسة، وعارض أربعة نواب، منهم اثنان من حزب "القوات اللبنانية" الذي يترأسه سمير جعجع، فيما امتنع عن التصويت نائب الجماعة الإسلامية، وكانت الحكومة تقدمت بطلب الثقة إلى مجلس النواب، وقدمت بياناً وزارياً استغرق شهراً كاملاً من النقاش بين أعضائها، تمحور حول دور "حزب الله" العسكري وسلاحه، وانتهى الأمر بتسوية اعتمدت عبارة معومة، ونص البيان الوزاري على أنه "استنادا إلى مسؤولية الدولة في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه وسلامة أبنائه، تؤكد الحكومة واجب الدولة وسعيها إلى تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر بشتى الوسائل المشروعة، مع تأكيد الحق للمواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي" ورد اعتداءاته واسترجاع الأرض المحتلة" .

طرابلس . . الجيش ينزع شوكة من الخاصرة

نجح الجيش اللبناني بعد عام طويل شكلت فيه مدينة طرابلس الشمالية صداعاً متجدداً، في نزع شوكة التوتر الدموي من خاصرة المدينة، التي شهدت جولات اقتتال عدة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى في صفوف المسلحين من منطقتي باب التبانة وجبل محسن، ومن عناصر الجيش والأمن، وكانت المشاهد المتكررة للاشتباكات استنساخاً لمشاهد سابقة شهدتها المدينة خلال الأعوام القليلة الماضية، نتجت بشكل كبير عن انتقال حمى الصراع السوري، بين مؤيدين للمعارضة السورية وداعمين للنظام في دمشق .
لم يلبث عام 2014 أن يبدأ حتى اندلع أول اشتباك بين الخصمين في المدينة، في الخامس من يناير/كانون الثاني، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 6 آخرين، وخلال الأسبوعين اللاحقين تجددت الاشتباكات موقعة جرحى، ونشر الجيش اللبناني دوريات في المدينة، فيما جابت مدرعات شوارعها .
في مارس/آذار، اندلعت جولة اشتباكات جديدة في الثالث عشر من الشهر، ما أسفر عن مقتل طفلة وإصابة 22 بجروح، وتجددت الاشتباكات إثر وفاة شخص متأثراً بجروح كان أصيب بها إثر تعرضه لإطلاق رصاص، وفي 21 من الشهر ذاته، أعلنت مصادر أمنية وطبية أن 11 شخصاً قتلوا في طرابلس خلال اشتباكات، ليرتفع عدد القتلى منذ بدء التوتر قبل أسبوع إلى 25 .
في 22 مارس/آذار، عاد الهدوء إلى طرابلس، بعد تبادل محدود لإطلاق النار، وسط تحذيرات من مواجهات طائفية، وبعد ذلك بأربعة أيام قتل ثلاثة أشخاص في اشتباكات، هم طفل ورجلان .
في 25 أكتوبر/تشرين الأول، ساد هدوء حذر مدينة طرابلس بعد اشتباكات عنيفة شهدتها الأسواق القديمة في المدينة بين الجيش اللبناني ومسلحين، أسفرت عن سقوط 6 جرحى من الجيش اللبناني، و8 من صفوف المسلحين، واستخدمت في الاشتباكات الأسلحة المتوسطة والقذائف الصاروخية، واستدعى الجيش تعزيزات عسكرية، وجاءت المعارك إثر اعتقال الجيش مجموعة من الأشخاص، في منطقة الضنية شمالي لبنان، بتهمة الانتماء إلى تنظيمات إرهابية وشن هجمات .
بعد ذلك بيومين، توصل الجيش اللبناني والمسلحون لاتفاق لوقف إطلاق النار بمبادرة من مفتي طرابلس ومشايخ المدينة، فيما أعلن الجيش مقتل اثنين من ضباطه في بلدة بحنين شمالي طرابلس، وفي اليوم التالي، دعا الجيش المسلحين الفارين في طرابلس إلى تسليم أنفسهم، متوعدا بملاحقتهم وتوقيفهم .
في 28 أكتوبر/تشرين الأول، اعتقل الجيش اللبناني، عشرات الأشخاص في مناطق متفرقة من شمال البلاد بتهمة الانتماء إلى "الجماعات الإرهابية" التي خاضت على مدى الأيام الماضية مواجهات مع القوات الحكومية، وقال الجيش في بيان إن قواته انتشرت في مناطق باب التبانة والأسواق القديمة في طرابلس، التي شهدت اشتباكات أسفرت عن مقتل مدنيين وأكثر من عشرة جنود، وأضاف أنه نفذ عمليات دهم في المنية وبرك عيون السمك وصولاً إلى أحراج عكار العتيقة وأكروم والنبي يوشع، مشيراً إلى اعتقال "33 شخصا من المشتبه بانتمائهم إلى الجماعات الإرهابية" .

النازحون السوريون . . أزمة لبنان المقلقة

شكل النزوح السوري نتيجة لاستمرار دوامة العنف الدموي في سوريا، أزمة مقلقة للدولة اللبنانية، التي باتت غير قادرة على استيعاب المزيد من الفارين من أتون الحرب، في ظل عدم وفاء المجتمع الدولي بوعود الدعم والتمويل اللازم لتغطية تكاليف استضافة أكثر من مليون سوري .
قارب عدد النازحين السوريين في لبنان 5 .1 مليون شخص، وقال وزير العمل اللبناني سجعان قزي في ديسمبر/كانون الأول، إن هؤلاء يشكلون أكثر من 40% من تعداد السكان في لبنان .
باتت هذه الأزمة تشكل ضغطاً متصاعداً على موارد البلاد الشحيحة، إلى جانب ما شكلته من تحدٍ وتهديد على المستوى الأمني، وعلى غيره من المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
وقد حذر وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، من المخاطر الأمنية التي تتخفى بعباءة النزوح السوري، وأشار إلى أن بلاده تستقبل الرقم القياسي في عدد النازحين في العالم قياسا بعدد السكان ومساحة الأرض، لافتاً إلى أن أكثر من 5 .1 مليون نازح سوري يعيشون حاليا في لبنان .
وأطلق رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام حملة كبيرة لجمع المساعدات التي يحتاجها اللبنانيون المستضيفون للنازحين السوريين في مختلف مناطق البلاد، وقال سلام في كلمة خلال حفل إطلاق الحملة في السراي الحكومي وسط بيروت، إن هذه الحملة "تعنى بملف هو من أكبر وأهم الملفات الموجودة بين أيدينا اليوم على مستوى مسؤولياتنا في الحكومة، ألا وهو ملف النزوح السوري" .
وذكر وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني آلان حكيم في مقابلة أجريت معه في ديسمبر، أنه من المتوقع أن تصل الكلفة الاقتصادية المباشرة المترتبة على استضافة النازحين إلى نحو 12 مليار دولار نهاية عام ،2014 ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، من المنتظر أن تتكبد الإيرادات الضريبية السنوية ما مجموعه 5 .1 مليار دولار من الخسائر عن السنوات 2012-،2014 وإلى جانب الانخفاض في الإيرادات الضريبية، تعاني الحكومة اللبنانية تكلفة مباشرة على ميزانيتها بسبب زيادة الطلب على الخدمات العامة من قبل اللاجئين السوريين وتسارع استهلاك البنى التحتية، وقد تم تحديد حاجات الاستقرار المطلوبة لإعادة الاقتصاد إلى مستويات ما قبل الأزمة إلى ما بين 5 .2 و1 .3 مليار دولار، وتشمل هذه التكلفة القطاعات كافة من صحة وتعليم وعمالة ومياه وكهرباء ونقل وغيره .
وذكر حكيم أن تأثيرات النزوح السوري لا تقتصر على ذلك وحسب، وإنما من المحتمل أن تتسع مكامن الفقر بحلول نهاية ،2014 وأن تدفع الأزمة السورية بنحو 170 ألف لبناني إلى خط الفقر، إضافة إلى مليون لبناني يعيشون حاليا تحت خط الفقر، كما إنه من المتوقع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل بما يتراوح بين 220 ألفاً و324 ألف لبناني، الأمر الذي سيضاعف نسبة البطالة إلى مستوى يفوق 20% .
ولا تبدو في الأفق بوادر حلول ناجعة لهذه الأزمة، خصوصاً أن العجز طبع التعاطي الدولي معها، وعدم الوفاء بوعود التمويل والدعم كان سمة عامة، فجميع الدول المضيفة للاجئين السوريين اشتكت من ضعف الدعم، وعدم التزام الجهات المانحة تنفيذ وعودها المالية .