في بداية القرن الثاني الهجري ولد "إمام المدونين" في علم الكيمياء جابر ابن حيان، وأطلق عليه ابن خلدون هذا اللقب نتيجة لمؤلفاته الكثيرة في الكيمياء، والتي تصل إلى ما يقرب من 500 رسالة ومخطوطة وضع فيهم ابن حيان مبادئ الكيمياء الحديثة التي ترتكز بالدرجة الأولى على الملاحظة المعلمية، وذلك بعد قرون طوال اعتمدت خلالها الكيمياء على أفكار لا عقلانية، انتشرت في الحضارات القديمة أشبه ما تكون بالسحر والدجل، أو كتابات تنظيرية ابتدعها فلاسفة الإغريق لا تهتم بالمشاهدة والتجريب الذي يقوم على مبدأ الخطأ والصواب، لقد كان الجميع قبل ابن حيان يمارسون الكيمياء بهدف تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب .
أفادت إسهامات ابن حيان في الكيمياء الغرب في وضع المبادئ الأساسية والحديثة لهذا العلم، واعترف بفضله الكثير من العلماء هناك، وتبرز سيرة حياته ذلك الدأب في تحصيل المعرفة الذي هيمن على حضارتنا بعد فترة قصيرة جداً، بحساب المؤرخين، من الدعوة الإسلامية التي حثت نصوصها التأسيسية، القرآن الكريم والسنة النبوية، على إعمال العقل .
أسس ابن حيان أكثر من معمل، زودهم بالأدوات اللازمة لتجاربه، أدوات تدفعنا إلى الدهشة والانبهار تجاه هذا العالم الذي أفنى حياته التي اقتربت من قرن من الزمن في الدرس والبحث والاستقصاء .
يسأل الطفل جابر أباه في أحد الأيام عن منزلة علم الكيمياء: أهو من العلوم الجليلة؟ فقال له حيان: لا يا بني، فالذين كانوا يدرسونه في اليونان، ومصر القديمة، خاصة الإسكندرية، كانوا يعدون من أقل أهل العلوم شأناً، ولا يمارسون عملهم في المدارس والمعاهد إلا في حجرة مظلمة تحت الأرض، والناس يتهمونهم بالجنون، والعرب يطلقون على هذا العلم أسماء عديدة، منها علم التدبير، وعلم الحجر، وعلم الميزان، وعلم الصنعة والحكمة والاكسير، ويسمونه أيضاً "صنعة الكيمياء" .
كان الأب حيان بن عبدالله الأزدي العطار يرى في ابنه علامات الاهتمام بأصل الأشياء والرغبة في معرفة أسباب تمايزها عن بعضها بعضاً والولع بالمعادن، وذلك في أعقاب سؤال الطفل المتكرر: لماذا كان الرصاص رصاصاً، والفضة فضة، والذهب ذهباً، والحجر حجراً؟ فأراد أن يدفع ابنه بعيداً عن هذا العلم "السحري"، وفق ما يورد الروائي والقاص سليمان فياض في كتابه "جابر بن حيان . . أبو الكيمياء"، كانت حكايات حجر الفلاسفة وتحويل المعادن إلى ذهب والبحث عن إكسير إطالة الحياة وكل ما ارتبط بهذا العلم تهيمن على ذهن الرجل القلق على مستقبل صغيره .
وبرغم منافع الكيمياء التي لا تعد ولا تحصى آنذاك: صناعة الصابون، تلوين الثياب، الدخول في الأدوية والصناعات الحربية، فإن الحكايات الغامضة المغلفة بالأساطير والسحر كانت لصيقة الارتباط بالسيمياء أو الخيمياء أو الكيمياء، وربما تكون هذه الحكايات خلبت عقل الطفل، وأخافت الأب في الوقت نفسه .
اختلف المؤرخون في شأن تسمية "الكيمياء" وأول من مارسها، يقول الخوارزمي في "مفاتيح العلوم": اسم هذه الصناعة، الكيمياء، وهو عربي، واشتقاقه من، كمي يكمى، إذا ستر وأخفى، ويقال، كمى الشهادة يكميها، إذا كتمها، ويشير د . فاضل أحمد الطائي في كتابه "أعلام العرب في الكيمياء" إلى أنها تعود إلى كلمة "كمت" بمعنى "مصر" أو" شمي" وهي الأرض السوداء شديدة الخصوبة والتي تحيل إلى مصر أيضاً، وارتبطت هناك بفكرة التحنيط وبعلوم كهنة المعابد التي لا يعرفها عامة الناس، وتناولها اليونانون نظرياً منطلقين من فلسفاتهم المتعددة التي دارت حول العناصر الأربعة: الماء والهواء والتربة والطاقة لقد كانوا يبحثون عن مكونات هذه العناصر وما يجمع بينها لتتشكل الحياة في النهاية، وازدهرت السيمياء أيضاً في الإسكندرية الهلينستية، وفي كثير من الكتب هناك تلك الشخصية الخلابة والمحيرة والتي يعود إليها كل من نظر إلى الباطنية الممزوجة بالتصوف "هرمس" أو "هرمس مثلث العظمة" مقرونة بالكيمياء حيث توجد 42 بردية تعود إلى تلك الشخصية تتحدث فيها عن السيمياء مرتبطة بتحوت إله الحكمة، حتى كانت الكيمياء "السيمياء" تسمى في أوروبا العصور الوسطى بالفن الهرمسي أو "الصنعة المصرية" .
ومما أسهم في تحول الكيميائي إلى ذلك الشخص المجنون الذي يمارس عمله في غرفة مظلمة أسفل الأرض محاطاً بالأسرار مثل بطل رواية "العطر" للفرنسي باتريك زوسكيند، أن جميع المحاولات الجادة والمادية لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب باءت بالفشل، فتوجه كل من اشتغل بهذا العلم إلى الخزعبلات، وامتد التأثير إلى كل الثقافات، في الهند حيث أشارت "الفيدا"، كتابات الهندوس المقدسة، إلى ارتباط الذهب بطول العمر وبحثت الأدبيات البوذية في كيفية تحويل الفلزات الأساسية إلى ذهب، وفي الصين هناك شخصية كوهونج صانع "مشروب الذهب" . لقد داعبت الكيمياء وما تختزنه من حكايات دائماً خيال الأدباء ولذلك ليس غريباً أن يربط الروائي البرازيلي باولو كويلهو بذكاء بين الذهب والحب والتصوف والصحراء من ناحية وفكرة الكنز من ناحية أخرى وما يلفها من دلالات في رائعة روائية يسميها "الخيميائي" ويترجمها روائي، بهاء طاهر، آخر باحتراف تحت عنوان "ساحر الصحراء" .
إمام المدونين والعلماء
في عام 90 هجرية توفي خالد بن يزيد بن معاوية أول عربي يشتغل بالكيمياء، ويترجم الكتب القديمة في عدة علوم: الطب، الفلك والكيمياء ويعتبره بعضهم رائد علم الكيمياء في التاريخ العربي، وبعد ذلك بعقد تقريباً يولد جابر بن حيان، 101هجرية، 721 ميلادية، يقول عنه ابن خلدون في مقدمته: "إمام المدونين جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها، يقصد الكيمياء، به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة"، أما الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون فاعتبر ابن حيان "أول من علّم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، وذهب بعضهم إلى أن دور ابن حيان في الكيمياء لا يقل أهمية عن دور أرسطو في المنطق، وتحدثت عنه الموسوعة البريطانية كأحد أبرز العلماء في الكيمياء وكذلك مؤرخ العلوم الشهير جورج سارتون، أما المستشرق الألماني المتخصص في العلوم العربية ماكس مايرهوف فأرجع تطور الكيمياء الحديثة في أوروبا إلى ابن حيان، خاصة وأن الكثير من نظرياته ظلت فاعلة ومؤثرة هناك حتى القرن الثامن عشر .
تكمن أهمية جابر ابن حيان في انتقاله بالكيمياء من باب الخزعبلات والأساطير إلى التجربة العلمية، برغم أنه لم يستطع التخلص من أحلام الكيمائيين السابقين وخيالات عصره في تحويل المعادن المختلفة إلى ذهب حتى إن الشارع الذي عاش فيه ابن حيان لسنوات في الكوفة عُرف بدرب "الذهب"، واجتهد في الوصول إلى الماء الملكي أو ماء الذهب، إن كلمة السر في منهج ابن حيان هي نفسها التي ميزت العلوم العربية عن الروح السابقة لها ونعني "التجريب"، حيث كان يوصي تلاميذه قائلاً: "وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة"، لقد تأثر الطفل بذلك الأب الذي قدح الحجر أمامه ذات يوم للحصول على شرارة نارية، وانبهر بمحل والده العطار المملوء بعشرات الأنواع من "الأشياء" التي تستخدم في الطعام والروائح والعلاج الشعبي والوصفات الدوائية .
أسس ابن حيان معملاً للكيمياء فيما بعد يتكون من قاعة واسعة يتوسطها فرن كبير يحيط به مصاطب من الطوب العراقي الأصفر المحروق تتراص فيها القوارير وأجهزة للتقطير والتكثيف وأحواض زجاجية ومراجل وبواتق ومسابك وأنابيب وكور الحديد وغيرها من آلات لازمة لتجاربه المتعددة، وفي معمله اخترع ابن حيان جهازاً لتطوير التقطير من خلال جهاز جديد وتمكن من تحسين نوعية الزجاج الذي استخدمه في هذا الجهاز بمزجه بثاني أكسيد المنغنيز، واكتشف التسامي والترشيح والتبلور والأكسدة، وأدخل تحسينات على التبخير والانصهار وأصبح معمله مزاراً للناس ليحصلوا منه على ابتكارات تعينهم على مشاكل حياتية يتعرضون لها، ولم يعد الكيميائي أو الخيميائي ذلك الشخص غريب الأطوار القريب من الدجال أو المشعوذ .
في هذا المعمل لن ينسى الطفل سؤاله لوالده في ذات يوم عن كيفية تشكل المعادن في باطن الأرض، لقد كانت نظرية أرسطو في هذه المسألة سائدة آنذاك ومؤداها أن تكون المعادن يعتمد على تفاعل البخار والماء، ولكن في إحدى الليالي يدخل جابر معمله ويمزج الزئبق المعدني بالكبريت الذهبي في وعاء يضعه في الفرن على نار هادئة يؤججها ببطء هواء نافذة بحرية، وظل طوال الليل يغذي النار بين الحين والآخر، وبعد أن أخذته غفوة يستيقظ في الصباح ليجد حجراً أحمر جديداً لا عهد له في الوعاء، حاول أن يكسره ففشل، وضعه في قلب النار فلم يحترق، لقد ثبت خطأ نظرية أرسطو، واكتشف ابن حيان ما تذكره المصادر العربية باسم "الزنجفير" أو كبريتيد الزئبق .
وفي ليلة أخرى ارتفعت حرارة ابنه وتمكن من خفضها بالخل وظل ساهراً بجواره ووضع خاتمه الذهبي في وعاء وراح يجرب عليه سوائل من الأحماض مثل حامض النيتريك وحامض الإيدروكلوريك، ليكتشف "الماء" الذي يذيب الذهب أو ماء الذهب والذي نستخدمه حتى الآن في تذهيب الورق والخشب وسيعرف في العالم كله فيما بعد باسم "الماء الملكي"، وفي هذا المعمل سيكتشف الصودا الكاوية وحمض النتريك وحمض الهيدروكلوريك وفي هذا المعمل أيضاً سيكتب جابر عن الفلزات واللافلزات سابقاً أوروبا بألف عام .
الفلزات واللافلزات
في لقاء جمعه مع الإمام جعفر الصادق قال ابن حيان في كتاب سليمان فياض السابق الإشارة إليه: تبين لي بخبرة العمل يا سيدي، أن العناصر: إما أجساد، وإما أرواح، وإما أجسام ناتجة منهما . وأخذ جابر يذكر للإمام أن الأجساد هي المعادن، من كل ما ذاب في النار، وقبل الطرق، وكان لطرقه بصيص أخضر وهي: الرصاص والحديد والذهب والنحاس والفضة والخارصين "القصدير" وأن الأرواح، وهي الزئبق والزرنيخ والكبريت والنشادر والكافور والدهن . وأن الزئبق نوعان: زئبق معدني وزئبق مستنبط من جميع الأشياء، والزرنيخ نوعان، فمنه الأصفر والأخضر . والكبريت أنواع، فمنه الأحمر والأبيض والأسود والأصفر، وأن كل الأرواح "يقصد الأوزان النسبية للعناصر المختلفة" احترقت مثل الزرنيخ والكبريت والدهن أو لم تحترق مثل الزئبق والنشادر والكافور، وقبلت الامتزاج بغيرها مثل: الزئبق والكبريت والزرنيخ والدهن، أو لم تقبل الامتزاج مثل النشادر والكافور، وأن الأجسام تنتج من اختلاط المعادن بالأرواح، فتطير أرواحها منها وتبقى أجسادها، وهي المغنسيا واللازورد . . وغيرهما .
فرد جعفر الصادق قائلا: إنك تتقدم بعلم اليونان ومصر قدماً يا أبا موسى . ولم يكن ابن حيان يدرك آنذاك أنه يتحدث باكراً جداً عن الفلزات واللافلزات .
عاش ابن حيان 95 عاماً، ويرجح بعضهم أن يكون قد أنتج ما يقرب من الخمسمئة رسالة، معظمها في علم الكيمياء، وككل علماء عصره ألف في الفلسفة والمنطق والنحو، ودخل في معترك السياسة واقترب من خلفاء بني العباس وتعرض لتقلبات النظام وابتعد عن السياسة في أعقاب نكبة البرامكة وهرب وهو في السادسة والثمانين من بغداد تاركاً بيته وعمله في عهدة أخلص تلاميذه إلى قرية "طوس" في شمال شرقي إيران حيث ولد وكان منزل والده قد تقوض، فشيد لنفسه بيتاً أكبر وعكف على تدوين الكثير من أفكاره وتجاربه ويقال إنه في هذه السنوات الأخيرة من حياته كتب أربعاً وخمسين رسالة عن الأحجار والذهب والزئبق والحيوان والأرض، وكتب عن أصول صنعة الكيمياء ومنهجه فيها، وله الكثير من الكتب، منها: "أسرار الكيمياء"، "نهاية الاتقان"، "أصول الكيمياء"، "علم الهيئة"، "الخمائر الصغيرة"، "السموم ودفع مضارها" . . . إلخ .
ولعل علاقة ابن حيان بهارون الرشيد وكثرة غزوات هذا الأخير وحروبه دفعته ليطور علمه ليكون أكثر عملية وفائدة، لقد واجهت الجيوش آنذاك مشكلات تتعلق بعبور الجنود للأنهار وتعرضهم للنيران وفساد الجروح وتعفنها بعد الإصابة وقراءة الرسائل العاجلة في الظلام، فحضر ابن حيان للمرة الأولى حجر الكي أو حجر جهنم "نترات الفضة" لعلاج الجروح، وابتكر مداداً مضيئاً من صدأ الحديد لكتابة المخطوطات المهمة لتقرأ في الليالي المظلمة، وصنع طلاء يقي الثياب من البلل وآخر يحفظ الحديد من الصدأ وثالثاً يمنع النار من التهام الخشب، وهي بدايات علم "البلمرات" الآن، واكتشف الورق غير القابل للاحتراق .
لجابر بن حيان قوائم من الاكتشافات التي تجعله بحق أبرز رواد علم الكيمياء، فبعد ماء الذهب، اكتشف ماء الفضة، عنصر البوتاس، ملح النشادر، كبريتيد الزئبق، حامض الكبريتيك، أوكسيد الزرنيخ، كربونات الرصاص، عنصر الأنتيمون، عنصر الصوديوم، يوديد الزئبق . وابتكر طرائق لتقطير الخل المركز، وطرائق جديدة لصبغ القماش، ودباغة الجلود، واستخدم أوكسيد المغنسيوم في صناعة الزجاج، ووصف في كتبه العمليات الكيميائية وصفاً دقيقاً، وسبق العالم بأبحاثه في التكلس وإرجاع المعدن إلى أصله بواسطة الأوكسجين، واخترع آلة لمعرفة الوزن النوعي للمعادن وللأحجار وللسوائل، وللأجسام التي تذوب في الماء، وأكد أن الزئبق المصعد بالتبخير يزيل العفونة وينظف البطن، وتحدث عن السموم ودفع مضارها .
توفي ابن حيان في عام 815 ميلادية، وفي عام 1187 ترجم جيرار الكريموني كتابه "الرسائل السبعين" لتنتشر أفكاره في أوساط "السيمائيين" الأوروبيين، والذين افتتنوا به فيعكفون على نقل معظم ما كتبه في الطب والفلسفة والتنجيم والموسيقى، وترجمت بعض أعماله من اللاتينية إلى الإنجليزية في عام 1678 لتتحول "السيمياء" القديمة والقروسطية إلى الكيمياء الحديثة، يقول عنه ماكس مايرهوف: "يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر بن حيان بصورة مباشرة، وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوروبية" .