نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عبر حسابه على تويتر أمس قصيدة بعنوان "همت بظبي جفلا" وهي قصيدة معارضة شعرية لقصيدة ابن عبد ربه الأندلسي "أعطيته ما سألا" .

القصيدة غناها ولحنها الفنان عبدالرحمن محمد وأخرجها فهد عبدالله العتيبي .
وفيما يلي القصيدة . .

همت بظبي جفلا

همت بظبي جفلا كالبدر لما اكتملا      ليس له من شبه فاق دلالاً وحلا
    إذا سألت وصله جاوبني بلا ولا        ياليت لو جاوبني عن لا بأن قال هلا
معذب من هجره أشكو بعاداً وقلا     روحي به هائمة منه فقدت الأملا
وعادتك مثلي إذا احمر السنانى     كنت إنته الحل له والمشكلة
في حبه لي قصة غدت لغيري مثلا     أعطيته ما سألا حكّمته لو عدلا
وهبته روحي فما أدري به ما فعلا     أسلمته في يده عيّشه أم قتلا
قلبي به في شغل لا مل ذاك الشغلا    قيده الحب كما قيد راع جملا
معذب من هجره أشكو بعاداً وقلا     روحي به هائمة منه فقدت الأملا
في حبه لي قصة     غدت لغيري مثلا

الشعر لوحة إبداعية

تعارض قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، التي عنونها ب "همت بظبي جفلا" قصيدة سابقة عليها للشاعر أحمد بن عبد ربه الأندلسي 264 - 328 هجرية، بعنوان "أعطيته ما سألا"، والتي كانت من القصائد الغنائية الشهيرة في الأدب العربي، نظراً لإيقاعها السريع، وصورها المؤثرة، ولغتها الشفافة التي تفاعلت مع مفردات الحياة الأندلسية الجديدة .
ومن يقرأ القصيدة الجديدة التي أبدعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يجد أنها، وعلى امتداد شريطها اللغوي، تشكل لوحة إبداعية جديدة، من خلال تفاعل الأدوات الشعرية مع بعضها بعضاً، وصياغة أبيات هذا الإنجاز الجديد، في أجمل حلة إبداعية، سواء كان ذلك متعلقاً بالبنية الإيقاعية التي تتساوق فيها الموسيقى الداخلية والخارجية، أو كان متعلقاً بتوظيف المفردة، ضمن السياق الشعري، بمنتهى العذوبة، أو الجمالية، وهكذا بالنسبة إلى الصور الشعرية، المنسابة المتدفقة بعذوبة، وسلاسة، لتتحقق المعادلة الجمالية في أبهى أشكالها .
تأتي لامية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في تسعة أبيات، يرصد خلالها، ومنذ مطلعها، هاتيك العلاقة الوجدانية العالية، وفي أجمل أشكالها، بين الشاعر والحبيبة، التي يقدمها، في أرق ما يمكن وصفه من جمال، يقول سموه:
همت بظبي جفلا كالبدر لما اكتملا ليس له من شبه فاق دلالا وحلا
نجد أن قصيدة سموه تنطلق إلى فضاءاتها الجمالية والدلالية، بما يناسب طبيعة الحالة التي ترصدها، إذ إننا أمام حالة اعتراف بقمة المشاعر تجاه تلك الحبيبة التي تشبه البدر المكتمل، الذي لا نجد أي شبيه له في حسنه، ودلاله، وعذوبته .
ثمة مفاجأة في البيت الثاني تتجلى في إيراد رأي الأنثى المخاطبة، حينما يسألها محبوبها عن الوصل في حوارية مونولوجية، وهي ترد عليه بلا ولا، وإن كانت أمنيته لو أن جوابها خلا من عبارة النفي بالقبول، يقول سموه:
إذا سألت وصله جاوبني بلا ولا ياليت لو جاوبني عن لا بأن قال هلا
وبدهي، أن في هذا البيت تحديداً، مشهدية حقيقية، وكأننا إزاء لقطة متحركة، تبين عالمي كلاهما، في ذروة حوارهما، بعد أن تمت صياغته في سبك فني، مؤثر، ساحر، جذاب، يضج بالحيوية، وعبر لغة مكثفة، مضغوطة، يتطابق فيها الدال والمدلول على حد سواء، كأحد أهم شروط إبداعية القصيدة الشعرية .
وتمضي أبيات القصيدة، لترصد حال العاشق الحقيقي، في لحظة هجر الطرف الآخر، شاكياً ألم البعاد، معترفاً بأن روحه في هيام متزايد، رغم أنه بات يفقد أمله باللقاء به، يقول سموه:
معذب من هجره أشكو بعادا وقلا روحي به هائمة منه فقدت الأملا
أجل، إننا هنا، أمام رصد لحالة عشق في أصعب لحظاتها، بعد أن حالت المسافات المترامية بين كل منهما، ما دعا بوابة الأمل تنغلق على نحو نهائي .
ويزاوج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قصيدته، بين الفصيح والشعبي، لاسيما عندما يجد في عالم الشعر الشعبي ما يمكن أن يؤدي الغرض الدلالي الجمالي، الدلالي، المطلوب، يقول سموه:
وعادتك مثلي إذا احمر السناني كنت إنته الحل له والمشكله
إن في هذا الحب الفريد ما يمكن أن يذهب مثلاً، أو يروى كقصة، لاسيما أن كل ما أراده الطرف الآخر قد حصل عليه، وإن هذا الطرف نفسه مفوض ليكون هو الحكم في ما لو عدل في حكمه .
ويكمل سموه في نسج خيوط لوحته المؤثرة قائلاً: أجل، لم أبخل عليه البتة، بل منحته حتى روحي، وأنا لا أعلم ما فعله بروحي هذه، فهي غدت بين يديه، وهو حر، في أن يحكم عليه بالحياة، أو يرديه قتيلاً بحبه هذا . بل ولما يزل قلبي مشغولاً بحبه، من دون أن يكل أو يمل مما هو فيه، حيث إن الحب قيده كما يقيد راع جملاً .
ويلجأ سموه في قصيدته إلى تكرار البيتين الثالث والخامس، قبل أن يختتم قصيدته، باعتبار أن هذا البيت يرصد حالة هجر الحبيب وجفائه، بعد أن فقد آخر خيوط الأمل التي تربطه به، حيث ذهبت قصة حبه هذه مثلاً بين الناس لما لها من خصوصية .

المحرر الثقافي