إعداد: محمد إسماعيل زاهر

دائماً ما يُذكر الكندي في مناهج الدراسة العربية وحتى الأبحاث والأطروحات الجامعية وصولاً إلى الكتابات المختلفة على تنوعها بوصفه أول الفلاسفة العرب الذين اشتغلوا بهذا العلم وملحقاته في فترة مبكرة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولكن القارىء لسيرة الكندي يفاجىء بتلك الشخصية الثرية والتي جمعت بين علوم واهتمامات مختلفة وبرزت فيها جميعاً، فهو وإن كان أول من تفلسف من العرب أو كما أطلق عليه القدماء والمعاصرون "فيلسوف العرب" فإنه أيضاً اجتهد ليضيف الجديد في الفلك والطب والبصريات والرياضيات والموسيقى، وأدرك قيمة الترجمة حتى عده البعض من أهم المترجمين العرب، وعُرف أيضاً بجمال خطه حتى عينه الخليفة المتوكل خطاطه الخاص .
ولد أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي في الكوفة في عام 185ه/805م ويعود نسبه إلى قبيلة كندة، توفي والده صغيراً، فنشأ في كنف أمه، ودرس العلوم اللغوية والدينية في بغداد وسامراء، وبتأثير من الحركة العلمية النشطة والصاعدة آنذاك في الدولة العباسية اهتم الكندي بالترجمة والفلسفة والمنطق، وأجاد اللغتين اليونانية والسريانية، الأمر الذي دفع الخليفة المأمون ليعهد إليه بترجمة مؤلفات أرسطو إلى العربية، وتختلف المصادر هنا بين قيام الكندي بترجمة أعمال المعلم الأول مباشرة أو بمراجعتها نظراً لشغفه بالفلسفة وقراءاته المطولة فيها، ولكن في الحالتين مهد الكندي إلى ظهور فلاسفة الإسلام الكبار مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد، وله آراء معتبرة في حقول الفلسفة المختلفة: الوجود والمعرفة والأخلاق .
انطلاقاً من الترجمة اقترب الكندي من خلفاء بني العباس، خاصة: المأمون والمعتصم والواثق، هؤلاء الثلاثة الذين ازدهرت في عهدهم حركة الترجمة والانفتاح على العلوم القديمة واستيعابها في الثقافة العربية، فضلاً عن مساندتهم للحوارات الفلسفية والكلامية وتأييدهم للفكر المعتزلي بصفة خاصة، وبعد المأمون قرب الخليفة المعتصم بالله الكندي حيث كان معجباً بسعة اطلاعه ومعارفه، فعهد إليه بتأديب ابنه أحمد، وقد صنف الكندي بعض رسائله رداً على أسئلة الخليفة أو ابنه، حتى قيل إن دولة المعتصم كانت تتجمل بالكندي وبمصنفاته في العلوم المختلفة .
في بلاط الخلفاء عمل الكندي طبيباً وحضر المجالس العلمية التي اعتادوا تنظيمها للنقاش في مسائل الثقافة عامة وعلم الكلام وأزماته في تلك الفترة على وجه الخصوص، واستمر على هذه الحال حتى عهد الخليفة المتوكل بالله والذي أبعده نتيجة للوشاية، أو انقلاب المتوكل على المعتزلة وأصحاب النزعة الفلسفية، وصادر مكتبته والتي كانت تضم مئات الكتب بينها عدة مخطوطات له لم تنسخ بعد، وهو ماعبر عنه الكندي شعراً بالقول: "وضائل سوادك واقبض يديك/ وفي قعر بيتك فاستجلس، وعند مليكك قابع العلوّ/ وبالوحدة اليوم فاستأنس، فإن الغنى في قلوب الرجال/ وأن التعزز بالأنفس"، وحتى بعد أن تدخل بعض المقربين من المتوكل ليعيد إلى الكندي مكتبته، ظل هذا الأخير معتزلاً في بيته باختياره لسنوات عدة، لا يجالس أحداً، حانقاً على تغير الزمان وتبدل الأحوال حتى وفاته في عام 256ه/873م، ولم يؤرخ أحدهم لسنة وفاته والتي اختلف على تحديدها بدقة الكثيرون ممن التفتوا إلى قيمة الرجل الذي رحل وحيداً .
يتميز أسلوب الكندي بقوة ألفاظه ومتانة جمله ورصانة تعابيره، كما يذهب الدكتور أحمد عبد الباقي في كتابه "من أعلام العرب في القرن الثالث الهجري"، مما يدل على رسوخ قدمه في اللغة العربية ومفرداتها ومشتقاتها، يقول الكندي: "ومن ملك نفسه ملك المملكة العظمى واستغنى عن المؤن، ومن ملك المملكة العظمى أمن الأمن الأعظم واستغنى عن المؤن، ومن أمن الأمن الأعظم ارتفع عنه الذم والهرم"، ومن أقواله أيضا: "أكمل الخساسة قلة الاستحياء من النفس، ومن فاته الاستحياء من نفسه لم يعدم استحياء الناس من أخلاقه، ومن لم يصحب الاستحياء من نفسه صحبته الآفات، ومن لزم الاستحياء من نفسه لزمته السلامة"، و"أحسن الكلام ما كان صفو العقل من ناحية المعنى، وعفو الطبع من جهة التأليف فيجتمع فيه صواب المراد وحلاوة الإيراد"، و"العاقل يظن أن فوق علمه علماً، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهى فتمقته النفوس لذلك" .
صك الكندي الكثير من المصطلحات العربية التي استخدمت بعده لكل من اشتغل في الفلسفة والمنطق والتصوف . . إلخ، حيث تحدث عن الحواس والقوة الحاسّة، والوهم والظن، والجزء والبعض، والإرادة، وله تعريفات في الفلسفة، وفتن بأرسطو وسار على دربه وأخذ من الفلسفة اليونانية ما يوافق الدين، يقول: "قالوا: إن الفلسفة هي التشبه بأفعال الله تعالى بقدر طاقة الإنسان، إذ أراد أن يكون كامل الفضيلة" .

توهج ثقافي وحضاري

تعددت اهتمامات الكندي بخلاف الفلسفة حتى أن ابن النديم في فهرسه صنفها وفق موضوعاتها في سبعة عشر صنفاً: الفلسفية، المنطقية، الحسابية، الكُرّيات، الموسيقيات، النجوميات، الهندسيات، الفلكيات، الطبيات، الإحكاميات، الجدليات، النفسيات، السياسيات، الإحداثيات، الأبعديات، التقدميات والأنواعيات، وقال عنه ابن النديم أيضاً: "فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى فيلسوف العرب، ضمت كتبه مختلف العلوم كالمنطق والفلسفة والهندسة والحساب والفلك وغيرها، فهو متصل بالفلاسفة الطبيعيين لشهرته في مجال العلوم" .
للكندي أكثر من ثلاثين أطروحة في الطب، تأثر فيها بجالينوس، ومن أهم أعماله في هذا المجال رسالة "في قدر منفعة صناعة الطب"، والتي أوضح فيها كيفية استخدام الرياضيات في الطب، ولا سيما في طرائق اختبار فاعلية الدواء، حيث وضع مقياس رياضي لتحديد تلك الفاعلية والتي تعتمد على نسبة المتوالية الهندسية المتضاعفة والتي استفاد منها أيضاً في الموسيقى، فالأمر في الأدوية يتوقف على تناسب الكميات المحسوسة الداخلة في تركيب العقار والتي تتوزع بين الحار والبارد والرطب واليابس، فإذا أريد للدواء مثلاً أن يكون حاراً في الدرجة (1) فلابد أن يكون له ككل من الحرارة ضعف حرارة المكونات المستخدمة فيه وإذا أريد له أن يكون حاراً عند الدرجة (2) فلابد له من الحرارة أربعة أمثال مكوناته . . وهكذا، وكان الكندي يعود إلى أفكاره الرياضية حتى في استشارة الخلفاء له في العمران في مدينتي سامراء والمتوكلية، وله رسائل مميزة في الرياضيات ومنها: "رسالة في إصلاح كتاب إقليدس"، و"رسالة في عمل دائرة مساوية لسطح إسطوانة مقروضة" . . إلخ، فضلاً عن كتابات واجتهادات أخرى في الفلك والبصريات وعلم الأخلاق والسياسة والاجتماع وتفسير الأحلام .
كان الكندي أول من وضع قواعد للموسيقى في العالم العربي والإسلامي، فاقترح إضافة الوتر الخامس إلى العود، وقد ابتكر سلماً موسيقياً من اثنتي عشرة نغمة، وتفوق على الموسيقيين اليونانيين في استخدام الثمن . كما أدرك أيضاً التأثير العلاجي للموسيقى، وحاول علاج صبي مشلول شللاً رباعياً بالموسيقى .
للكندي خمسة عشر أطروحات في نظرية الموسيقى، لم يبق منها سوى خمسة فقط، أبرزها: "رسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى" و"رسالة في الإيقاع"، وكتاب "مختصر الموسيقى في تأليف النغم وصنعة العود"، و"الرسالة الكبرى في التأليف"، و"رسالة في خير تأليف الألحان" ويقال إنه أول من أدخل كلمة "موسيقى" للغة العربية، ومنها انتقلت إلى اللغتين الفارسية والتركية، وعدة لغات أخرى في العالم الإسلامي .
كتب الكندي نحو مئتين وستين كتاباً، منها اثنين وثلاثين في الهندسة، واثنين وعشرين في كل من الفلسفة والطب، وتسعة كتب في المنطق واثنا عشر كتاباً في الفيزياء وفق ابن النديم، بينما عدّ ابن أبي أصيبعة كتبه بمئتين وثمانين كتاباً . على الرغم من أن الكثير من مؤلفاته فقدت، فقد كان للكندي تأثيراً في مجالات الفيزياء والرياضيات والطب والفلسفة والموسيقى استمر لعدة قرون، عن طريق الترجمات اللاتينية، وبعض المخطوطات العربية الأخرى، أهمها تلك المحفوظة في مكتبات تركيا .
ولد الكندي وعاش في عصر توهج الحضارة العربية الإسلامية واحتكاكها عبر الفتوحات والترجمات والأقليات والاثنيات التي تعيش في هذا القوس الجغرافي المتسع، بثقافات وفلسفات الآخرين، واقترب من خلفاء بني العباس في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ذلك العصر الذي لم تكن العلوم فيه تقتصر على الفلسفة والطب والرياضيات . . إلخ، وشهد أيضاً المناظرات والحوارات والإقبال على الحياة من خلال الفنون المختلفة وعلى رأسها الموسيقى، وككل العلماء آنذاك لم تقتصر اهتماماته على فرع معين من المعرفة، وأيضاً مثل كل الفلاسفة المسلمين كان شاغله الأساس التوفيق بين الدين والفلسفة، ومثلهم مرة ثانية تعرض لنكبة وإن كانت أخف بما لا يقارن بما حدث مع آخرين غيره، وأيضاً عانى تلك العلاقة المتوترة بين المثقف والسلطة والتي يبدو أنها طبعت سلالة المثقفين العرب دائماً، وأخيراً نظر إليه التراثيون الجدد في عصرنا نظرة مؤدلجة تقتصر على ما يمكن العودة إليه من أفكاره الفلسفية دون الجانب المؤنسن الذي أنتج إبداعات في عدة معارف أخرى تأتي على رأسها الموسيقى .